اوراق خاصة

حين تُصبح تهمة الإرهاب قناعًا

post-img

فادي الحاج حسن/ كاتب لبناني

ليست الحروب الحديثة صاخبة منذ لحظتها الأولى. لا تبدأ بالقصف، إنما بالتوصيف.. لا تُعلن بالبيانات العسكرية، هي تُمرَّر عبر المفردات: إرهاب، استقرار، تحالف دولي، عملية محدودة.. وحين تكتمل اللغة، تصبح النار تفصيلًا تقنيًا..!

ما يجري اليوم في سوريا، وما يُحضَّر للبنان، لا يمكن قراءته على أنه أحداث منفصلة أو ردود أفعال ظرفية. نحن أمام سردية متكاملة تُبنى بهدوء، هدفها إعادة تعريف الصراع في المنطقة، لا إنهاءه.. حين تتحوّل "مكافحة الإرهاب" إلى عنوان دائم لحملات طويلة، وحين يُعاد تدوير الفاعلين لا محاسبتهم، يصبح السؤال مشروعًا: من هو الهدف الحقيقي؟

من حادثة أمنية إلى قرار استراتيجي

في 13 كانون الأول في العام المنصرم، قُتل جنود أمريكيون في تدمر على يد عنصر من قوات الأمن السورية. بعد ساعات، اعترفت وزارة الداخلية السورية بأن المنفّذ كان موضع تقويم أمني قبل أيام، وأن الشكوك حيال تطرفه كانت قائمة.. في أي منطق مؤسساتي، هذا اعتراف بالإهمال يستوجب المساءلة. لكن ما حدث كان نقيض ذلك تمامًا. لم تُفتح تحقيقات سياسية، ولم تُطرح أسئلة محرجة على السلطة الجديدة. بدلًا من ذلك، جاءت البراءة السياسية السريعة وتحويل المسؤولية إلى تنظيم داعش، ثم إطلاق حملة عسكرية أمريكية واسعة تحت عنوان "مكافحة الإرهاب"..!

في هذا السياق؛ يتجاوز الحدث طابعه الأمني. إذ حين تُستخدم الجريمة لتسويغ وجود عسكري طويل الأمد، وحين يُكافأ من أقرّ بالإهمال بدل محاسبته، يصبح واضحًا أننا أمام استثمار سياسي للحدث ،لا معالجته.

الإرهاب الذريعة.. عدوّ لا يُراد له أن ينتهي

منذ سنوات، لم يعد "الإرهاب" عدوًا يُراد القضاء عليه بقدر ما أصبح وظيفة استراتيجية. . تنظيمات تُستحضر في الخطاب أكثر مما تُستهدف في الواقع. واللافت، هنا، ليس إعلان الحرب على داعش، إنما الإعلان المسبق عن طول أمدها.. إذ حين تقول واشنطن إن العملية قد تستمر أسابيع أو أشهرًا، فهي لا تعترف بقوة التنظيم، إنما تعترف بحاجة دائمة إلى التموضع؛ ففي العقيدة العسكرية، العمليات الطويلة ضد عدو ضعيف تعني أن الهدف ليس العدو، هو الجغرافيا والوقت.

إعادة تأهيل السلطة.. الشرعية مقابل الدور

التحوّل، في موقع الجولاني، يقدّم مثالًا صارخًا عن كيفية إنتاج الشرعية في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط). لم يتغيّر الماضي، لقد تغيّرت الحاجة. من "إرهابي مطلوب" إلى "شريك في التحالف الدولي"، المسافة لم تُقطع عبر مراجعات فكرية، لقد كانت عبر أداء وظيفة محدّدة.

السكوت عن الجولاني والانخراط في المنظومة الأمنية الغربية وتحويل سوريا من ساحة صراع إلى منصة ضبط إقليمي، كانت شروط الصفقة. في المقابل، رُفعت العقوبات، مُنحت الشرعية، وأُعيد إدخال السلطة الجديدة إلى النظام الدولي.

هكذا، لا تعود الدولة سيّدة قرارها، هي تصبح أداة تنفيذ ضمن مشروع أكبر.

الجغرافيا تتكلم: لماذا البادية السورية؟

اختيار البادية السورية مسرحًا رئيسًا للحملة ليس عشوائيًا. هذه المنطقة ليست فقط مساحة مفتوحة لملاحقة فلول داعش، هي عقدة وصل بين العراق ولبنان، وبعيدة نسبيًا عن الاحتكاك المباشر مع إسرائيل. التموضع هناك يمنح واشنطن قدرة على التحرّك السريع في أكثر من اتجاه، تحت غطاء قانوني دائم.

في السياسة، حيث يطول البقاء، يكون هناك هدف مؤجَّل. والتموضع شرق سوريا لا يمكن فصله عن ما يُراد لاحقًا في غربها.

لبنان.. من توازن الردع إلى هدف التجريم

لبنان، اليوم، في قلب المشهد، ليس لأنه الحلقة الأضعف، بل لكونه الحلقة التي لم تُكسر .. سلاح المقاومة شكّل لعقود عنصر تعطيل لمشاريع الفرض النهائي. لذلك، يجري العمل على تفكيكه سياسيًا قبل أي مواجهة مباشرة. بهذا الشكل، لا تُقدَّم الحرب على أنها عدوان، هي "تنفيذ التزامات دولية".. وليست صراعًا، هي عملية أمنية.. وهنا؛ تكمن خطورة المرحلة، في نزع الطابع السياسي عن المقاومة وتحويلها إلى ملف أمني بحت.

من "صفقة القرن" إلى منطق القوة الصافية

ما فشل فرضه في مشروع "صفقة القرن" في الاقتصاد والتطبيع، يعود اليوم بمنطق مختلف. لا إقناع، بل إخضاع. لا شراكات، بل وقائع. غزة كانت النموذج الأول: تدمير شامل لإخراجها من المعادلة. سوريا أُعيد ترتيبها لتُحيد.. إيران حُوصرت لقطع الإمداد.. ويبقى لبنان..نحن أمام انتقال واضح من مرحلة الأدوات الناعمة إلى مرحلة القوة العارية؛ حيث تُستخدم مفردات القانون لتغطية الحروب، لا لمنعها.

سبل المواجهة في زمن الذرائع

المواجهة في هذه المرحلة لا يمكن أن تكون عفوية أو أحادية البعد. هي معركة مركّبة، تتطلّب إدارة واعية للصراع:

1.    سياسيًا:  تحصين الجبهة الداخلية ومنع الانقسام؛ لأن التفكك هو المدخل الأول للتجريم والتدويل.
2.    قانونيًا:  تفكيك سردية الإرهاب وفضح ازدواجية المعايير في المحافل الدولية، حتى لو لم تغيّر المواقف فورًا.
3.    إعلاميًا:  خوض معركة الرواية بوعي؛ لأن الحرب تبدأ حين تُقنع العالم بعدوك قبل أن تطلق النار عليه.
4.    مجتمعيًا: منع الفتنة؛ لأنها السلاح الأرخص والأكثر فتكًا، إذ إن أي صراع داخلي يُنجز للخصم ما تعجز عنه الجيوش.
5.    استراتيجيًا: إدراك أن الزمن ليس دائمًا في مصلحة الأقوى عسكريًا، هو في مصلحة من يفهم طبيعة الصراع، ويحسن الصمود.

ختامًا: 

قد تُحدَّد مواعيد الهجمات في الغرف المغلقة، وتُصاغ القرارات خلف الأبواب الثقيلة، لكن تاريخ هذه المنطقة يقول إن المشاريع الكبرى غالبًا ما تفشل عند اختبارها الأخير: اختبار الإرادة. يمكن احتلال الأرض،

 يمكن تغيير الأنظمة، يمكن شراء النخب، لكن تحويل المقاومة إلى "إرهاب" في وعي الشعوب أصعب بكثير. إذ حين يصبح الإرهاب قناعًا، يصبح كشف القناع فعل مقاومة بحد ذاته وليس تجريدًا نظريًا..!

المصادر والمراجع

●    بيانات وزارة الدفاع الأمريكية
●    تقارير NBC News حول العمليات العسكرية في سوريا
●    وثائق “صفقة القرن” – البيت الأبيض (2019)
●    تصريحات إدارة ترامب (2017–2020 / 2025)
●    تقارير قناة “كان” ويديعوت أحرونوت
●    مدرسة كوبنهاغن للأمن – نظرية الأمننة
●    جون ميرشايمر، الواقعية الهجومية
●    تقارير الأمم المتحدة حول سوريا ولبنان وفلسطين
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد