اوراق مختارة

قُم... مدينةٌ معمّمةٌ بالشّرق والمرجعياتِ والقِباب

post-img

  محمد جميل خضر/موقع ضفة ثالثة الإلكتروني

بعيدًا عن محافظة سمْنان شرقها، تُشرِق مدينة قُم الإيرانية جنوب العاصمة طهران بالعمائم الضارعة إلى الله، تزهو بمرجعياتها وقِبابها وما نذرته صروف التاريخ لها من مكانةٍ ورسالةٍ ومسؤوليات. بدأتُ بجارتها سمنان، لأنها كانت ذات زمن بعيد، إضافة إلى إقليميّ مازندران وكلستان، إحدى أقاليم "بلاد طبرستان" أو "بلاد الطَبَر" الثلاثة شمال إيران وجنوب تركمانستان، وبلاد طبرستان هذه هي المكان الذي أسلم فيه الشاعر الأموي الصمّة القشيري الروح بعد أن ترك ديرته في بادية العراق مكلومًا ملتاعًا بالأشواق وآهات الجوى حيث منعه عناد والده وطمع عمّه من الارتباط المقدس بمحبوبته ريّا العامرية التي هي في الوقت نفسه ابنة عمه، فترك كل شيء خلفه؛ محبوبته وخيمته وذكرياته ونار العشيرة، ومضى في رحلة فَقْد مضنية قاصدًا بلاد الشام، ومنها واصل مع حملات الفتوحات إلى بلاد فارس حيث استقرّ هناك وهناك قضى.

هناك حيث قُم ليست بعيدة بأجوائها الوجدانية، ترك لنا الصمّة أجمل قصيدة حُبٍّ وداعية محفورة حروفها بالحنين الحزين لأيام القبيلة حيث وجه ريّا كان أجمل صباحاته فيها، وسأقتبس من القصيدة ما اقتبسه الأخوان رحباني منها، مستبدلًا مثلهما مفردة "بنفسي" بمفردة "بروحي" التي استخدماها لواحدةٍ من أغاني فيروز الخالدة:

"بِروحيَ تِلكَ الأَرضُ ما أَطيَبَ الرُبا... وَما أَحسَنَ المُصطافَ وَالمُتَرَبَّعا

وَأَذكُرُ أَيّامَ الحِمى ثُمَّ أَنثَني     عَلى كَبدي مِن خَشيَةٍ أَن تَصَدَّعا

فَلَيسَت عَشيّاتِ الحِمى بِرَواجِعٍ    عَلَيكَ وَلَكِن خَلِّ عَينَيكَ تَدمَعا

كَأَنّا خُلِقنا لِلنَوى وَكَأَنَّما......... حَرامٌ عَلى الأَيامِ أَن نَتَجَمَّعا".

فهل من مقاربةٍ أكثرَ حرارةً من هكذا مقاربة كي نتناول مدينة الأشعريين والمقام الشريف والحوزات، حيث نسمات الجنوب تأتيها من النجف ووادي الطف وكربلاء؟

الروح العربية لم تغب ولا مرّة عن مدينة قم حيث تقسيمها القديم الجديد يجعلها من شطريْن؛ واحد عربي يحمل حتى يومنا هذا اسم "عربستان" وآخر أعجمي كان يحمل اسم "كوميدان". إنها الروح التي تجعل تعلم اللغة العربية شرطًا كي يحمل الدّارس في واحدة من جامعاتها، أو معاهدها، أو مدارسها الدينية، وهي بمجموعها بالعشرات، لقب الإمام المجتهد.

جامعة قُم

بين مزار المعصومة (فاطمة بنت موسى الكاظم، والدها سابع الأئمة الاثني عشر) في قم، ومزار الإمام الرضا (شقيق المعصومة وثامن الأئمة) في مدينة مشهد أقاصي شرق إيران قرب خراسان، تتصدر المدينتان المشهد المرجعي الأهم للشيعة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي كل العالم، مع احتفاظ مدينة النجف الأشرف في العراق، بما تملكه من مرجعية، بمكانتها ووقارها، وكربلاء كذلك، بما تحوزه من قيمة استشهادية وجدانية ممتدة في الكتب والذاكرات الشفوية وقصص الجدات المتوارثة منذ زهاء 1400 عامٍ ماضٍ.

العمارة في قم

السمات المعمارية في مدينة قم تشكّل محصول 5000 عام من تدافع الحضارات، وتبنّي مختلف التأثيرات الآتية من الشرق والغرب والجنوب والشمال (تركيا والعراق وأوزبكستان وطاجيكستان وغيرها). ومع دخول الإسلام إلى ربوع المدينة وعموم بلاد فارس، بدأت القباب والمآذن والمقامات والمزارات تتجاور في قم مع أكواخ الفلاحين والمَرابعية وبسطاء الناس (يُذكر أن أحد تفسيرات اسم المدينة قُم يعود إلى مفردة كوخ باللغة الفارسية: كومة). على كل حال علاقة عمارة قم بالسماء سبقت وصول المسلمين إليها؛ فوفقًا للمعمارييْن نادر أردلان ولالَه بختياري، شكّل الدافع التكويني الموجّه للعمارة الإيرانية "الرمزية الكونية التي من خلالها يُجلب الإنسان إلى التواصل والمشاركة مع قوى السماء.

هذا الموضوع لم يمنح فقط الوحدة والاستمرارية لعمارة إيران، بل كان أيضًا مصدرًا أساسيًا لطابعها العاطفي". من جهته، وصف المتخصص بالعمارة والآداب والفنون الفارسية المستشرق الأميركي آرثر بوب العمارة الإيرانية بشكل عام، وبالتالي العمارة في قم، قائلًا: "لا توجد مبانٍ تافهة؛ حتى أجنحة الحدائق تتمتع بالنّبالة والهيبة، وأدنى الخانات عادةً ما يكون لها سحر. من حيث التعبير والتواصل، معظم المباني الفارسية واضحة، بل وفصيحة؛ تجمع بين الشدة وبساطة الشكل ووظائفه الفورية، بينما تُكافأ روح تلك العمارة بالزخرفة، وتحظى الصروح المعمارية بالنِّسب الدقيقة، وتُراعى المشاريع الحضرية بالملاحظة المستمرة".

العتبة الرضوية في مشهد

المواد البنائية المستخدمة في عمارة قم هي نفسها المستخدمة في العمارة الإيرانية التقليدية؛ الطين الثقيل، المتوفر بسهولة في أماكن مختلفة عبر الهضاب والمرتفعات والجبال. إنه الطين الذي شجع على تطوير أبسط تقنيات البناء على الإطلاق، بعد ضغطه وتشكيله بأقصى قدر ممكن ثم تركه لِيجف. هذه التقنية، التي استُخدمت في إيران منذ العصور القديمة، لم يُتخلَّ عنها تمامًا أبدًا. كما أن وفرة الأرض الثقيلة، بالتزامن مع مُونة الجير المتماسك، ساهما أيضًا في تطوير أشكال استخدام الطوب. الزخرفة، البوابات العالية، الردهات ذات الأعمدة، أو التالار، التي يعود تاريخ استخدامها إلى العصور الإخمينية في تخت جمشيد (أو برسبوليس) عاصمة الإمبراطورية الإخمينية (550-330 ق. م)، بيوت الشاي على الطرقات، القباب المرتكزة على أربعة أقواس من أيام الساسانيين وصولًا إلى أيام المسلمين، الأبراج الأرضية التي تصل إلى السماء للاندماج مع الأبراج الإلهية هناك، المقابر بعمارتها الخاصة، الإمام زادة (المراقد)، الباحات الداخلية والمسابح والمداخل المائلة والزينة الواسعة هي ميزات قديمة، لكنها لا تزال شائعة في عمارة قم بوصفها جزءًا لا يتجزأ من العمارة الإيرانية.

تخطيط المدينة دائري كما هي حال معظم المدن البارثية (الفارسية) والساسانية. وبوجه عام، يصنف المعماري الإيرانيّ محمد كريم بيرنيا العمارة التقليدية في الأراضي الإيرانية (وبالتالي عمارة قم) عبر العصور إلى فئات أو أساليب تبدأ من الزمن الزرادشتيّ قبل 5500 عام، مرورًا بعصور فارسية وميدينية وساسانية وإخمينية وسلجوقية وغُرسانية وسامانية وزيرية وأذرية وأصفهانية، وصولًا إلى الزمن الإسلامي الذي تزدهر طرزه المعمارية في قم بشكل أكثر انتشارًا ووضوحًا من مدن إيرانية أخرى، من دون التقليل من سمات العمارة الإسلامية على امتداد الجغرافيا الإيرانية الممتدة على مساحة تزيد على مليون و600 كيلومترٍ مربعٍ.

من أهم مفردات العمارة الإسلامية في قم: مرقد المعصومة وسط المدينة بمنارته الشاهقة وقبّته الفسيحة المزينة بمعظم خصوصيات الفن الإسلامي، وجامع جمكران جنوب المدينة بتصميمه الفريد وأجوائه الروحانية، إضافة، طبعًا، للمفردات المعمارية الخاصة بالحوزات الدينية والتعليمية مثل المدرسة الفيضية وجامعة دار الشفاء وغيرهما من الحوزات ومراكز العلم ودور العبادة.

في المقابل، وفي سياق مقارنتي بين قم ومشهد، فإن للأخيرة حصّتها من مفردات العمارة الخاصة بها، المتعلّقة بمعظمها بمفردات العمارة الإسلامية من قبابٍ ومآذن، ومن أهم المعالم الموجودة في مشهد: مرقد الإمام الرضا (الحرم الرضويّ)، مسجد غوهرشاد (گوهرشاد)، مرقد الشيخ الطبرسي (أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، المفسّر الشيعي الشهير صاحب "مجمع البيان في تفسير القرآن"، توفي سنة 548 هـ/ 1153م، ودُفن قرب الحرم الرضوي)، مقام السيد يحيى (أحد أحفاد الإمام علي بن الحسين زين العابدين)، مرقد خواجة ربيع (ربيع بن خثيم، وهو أحد أعيان بني أسد. كونه صحابيًا أم تابعيًا هو موضع خلاف لأنه عاصر الرسول ﷺ لكنه لم يره. إشكالية ثانية حول خواجة ربيع هي أن البهائيين يكنّون له احترامًا خاصًا لا أعرف أسبابه، وهم من شيّدوا مقامه ومسجده بمهاراتهم المعمارية اللافتة).

الطبيعة الساحرة في قم

إضافة لما تقدم في مشهد القبة الخضراء التي تحتضن ضريح الشيخ محمد مؤمن العارف الأسترآبادي، ومقام ياسر وناصر (من أبناء الإمام موسى بن جعفر الكاظم) وأضرحة وأسبلة ومقامات ومراقد ومساجد أخرى كثيرة لسنا في سياق حصرها جميعها. طبعًا مساحة مشهد أكبر بكثير من مساحة قم، وهي ثاني أكبر مدينة إيرانية مساحة بعد العاصمة طهران، ومن الطبيعي أن ما تحوزه من مفردات عمارة ومواقع زيارة أضعاف أضعاف ما تملكه قم.

سمات

يبلغ عدد سكان قم زهاء مليوني نسمة، مع تنوّع عرقي يشمل الأتراك والأذريين والعرب، ينتمي معظم السكان للمذهب الشيعي الاثني عشري. تشتهر قم بصناعاتها التقليدية مثل السجاد الحريري (لا ننسى أن أصفهان جنوبها) وحلوى السوهان، وتضم العديد من الأسواق التقليدية ومراكز التسوق الحديثة. وفي قم منطقة أثرية مهمة اسمها كهك، وهي تحوز قيمة تاريخية وأخرى جغرافية حيث مناخها المعتدل ومبانيها العريقة. وفيها سوق قديمة تشتهر ببيع السجاد وحلوى السوهان التي تعود أصولها إلى العصر القاجاري وتتكوّن من الزبدة والدقيق والهيل والزعفران وماء الورد ومجروش القمح، إضافة، طبعًا، للسكّر والماء. ولا ننسى أن بحيرة "حوض سلطان" الملحية الطبيعية الصافية كما لو أنها مرآة (بعضهم يبالغ ويذهب إلى أنها أكبر مرآة طبيعية في العالم) هي من المعالم المهمة في قم. شارع آراك قبالة مرقد المعصومة حيوي لا تتوقف الحركة فيه ذهابًا وإيابًا وليلًا ونهارًا.

التناظر وسمات العمارة الإسلامية في مسجد جمكران

فنادقها مصممة، أساسًا، للفقراء؛ بسيطة، صغيرة، وأسعارها متاحة. أزقتها ضيقة، ويتداخل في حاراتها القديم مع الجديد. وفيها سوق خاصة بالعراقيين تحتوي على محلات لبيع السمك والتمور والخلويات، وفيها الشاي العراقي والخبز العراقي (الأغلى من الذهب على قولة كثير من العراقيين)، ومحلات الكرزات (الموالح والسكاكر) والخضروات والسمّون العراقي وشركات السياحة والسفر. وفي قم مغارة "وشنه" الساحرة بتشكيلاتها الصخرية من نوازل وهوابط. أما القرية التي تحمل المغارة اسمها فإنها (قطعة من الجنة وسط الجبال) كما يراها كثير من أهلها، صوت العصافير وأشجار التوت ورائحة الزعتر، والمكان محج أهل قم ومقصد رحلاتهم في عطل نهاية الأسبوع. أما قرية كهندان فهي تحفة معتقة من البيوت الطينية والأشجار المعمّرة.

ما لا يعرفه كثير من الذين ينظرون إلى إيران بعين واحدة، أن في قم، المدينة الدينية والحوزة المرجعية، كثيرًا من الشابات والشبان المتحررين من القيود جميعها، الذين ينتظرون، بشغف، نهاية الأسبوع، ليزوروا المغارة، أو البحيرة، أو قرية كهندان، أو غيرها من أماكن السياحة والطبيعة والمسرّات، فيرقصون، ويمرحون، بملابس متحررة، وإكسسوارات متمردة، ولكنهم حين يجد الجد يدافعون عن بلدهم وإرثهم وكرامة وجودهم. الدعاء في مشهد الروحانية، والأسئلة والاجتهاد في قم العقلية الفقهية التحضيرية، لكن القداسة في الاثنتين معًا، قداسة قابلة للتطور لكنها عصية على الطيّ.

أخيرًا، وليس آخرًا، لن أخوض في سياق تناولي لمدينة قم بوصفها مدينة من المدن، ومكانًا من الـ"أمكنة"، بما خاض به كثير من أصحاب الأجندات في مواقع إلكترونية تابعة لبعض فضائياتنا المرهونة لخيارات الأغراب عن بلادنا، حول خلافات نبتت، أو في طريقها للظهور بين سلطة قم الدينية وسلطة المرشد السياسية المستقاة، أصلًا، من شرعيته الدينية، حتى أن كاتبًا في واحد من هذه المواقع يأخذ على الخميني تحجيمه لأحد ملالي قم دعا لاحتلال البحرين فور انتصار الثورة، فأقصاه المرشد الأول، وحذّر من غلوّه.

يورد الكاتب (المحترم) هذه التفصيلة في سياق تصيّده للخلافات، فهل كان يريد (صاحبنا) أن يوافق الخميني على هكذا مسلك عدواني توسعي؟ ألا تصب هذه الحادثة في سياق ذكاء الثورة حين تحولت إلى دولة؟ وكأني بأحمد شوقي كان يرثي ما وصلت إليه أحوالنا وكيف يتآمر بعضنا على بعضنا حين أنشد موجوعًا: "قُم ناجِ جِلَّقَ وَاِنشُد رَسمَ مَن بانوا... مَشَت عَلى الرَسمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ... هَذا الأَديمُ كِتابٌ لا كِفاءَ لَهُ رَثُّ الصَحائِفِ باقٍ مِنهُ عُنوانُ... الدينُ وَالوَحيُ وَالأَخلاقُ طائِفَةٌ مِنهُ وَسائِرُهُ دُنيا وَبُهتانُ... وَنَحنُ في الشَرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد