أوراق ثقافية

لوموند: لماذا جعلت إسرائيل وآباؤها المؤسسون من نهر الليطاني وجنوب لبنان رهانا إستراتيجيا؟

post-img

تحت العنوان: “جنوب لبنان هوس الإستراتيجيين اللبنانيين”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن التركيز الإسرائيلي المستمر على جنوب لبنان ونهر الليطاني لا يمكن فهمه فقط من زاوية التطورات العسكرية الراهنة، بل يعكس رؤية إستراتيجية عميقة تشكّلت عبر عقود، حيث يتداخل الأمني بالمائي والجغرافي، ويغذّي بعضهم بعضًا في رسم السياسات الإسرائيلية تجاه هذه المنطقة.

أضافت الصحيفة القول إن إسرائيل تنظر إلى الليطاني باعتباره أكثر من مجرد نهر، فهو يشكّل في وعيها الإستراتيجي خطًا دفاعيًا محتملًا يتيح إبعاد التهديدات عن عمقها الجغرافي، لاسيما في ظل وجود قوى مسلحة معادية على مقربة مباشرة من حدودها. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث المتكرر عن إنشاء “منطقة عازلة” حتى الليطاني لا يُعدّ مجرد إجراء عسكري مؤقت، بل يعكس تصوّرًا طويل الأمد لإعادة تشكيل المجال الحدودي.

هذا التصوّر، تتابع “لوموند”، يتغذّى من قناعة راسخة لدى المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بأن الحدود الحالية غير كافية لضمان الأمن، لاسيما مع تطور قدرات خصومها، وعلى رأسهم حزب الله. فالمشكلة، من وجهة نظر إسرائيل، لم تعد تقتصر على عمليات تسلل أو إطلاق صواريخ محدودة، بل باتت تتعلق بتهديد مركّب يشمل صواريخ بعيدة المدى، وطائرات مسيّرة، وبنية قتالية متجذّرة في القرى الحدودية.

في هذا السياق، توضّح “لوموند”، فإن إسرائيل باتت تميل بشكل متزايد إلى اعتماد مقاربة “استباقية”، تقوم على نقل ساحة المواجهة إلى داخل الأراضي اللبنانية، بدل الاكتفاء بالدفاع داخل حدودها. وهي مُقاربة  تُستخدم لتبرير توسيع نطاق العمليات العسكرية، حتى في ظل اتفاقات وقف إطلاق النار، تحت عنوان منع تعاظم قوة الخصم.

يثير الطرح الإسرائيلي الذي يدعو إلى إخلاء المناطق الواقعة جنوب الليطاني من سكانها مخاوف جدية من تحوّل هذه السياسة إلى شكل من أشكال إعادة رسم الواقع الديمغرافي والجغرافي بالقوة. وقد تفتح مثل هذه الخطط، إذا ما تم تطبيقها، الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز مجرد المواجهة العسكرية إلى تغيير بنيوي في طبيعة المنطقة، تقول “لوموند”.

مضت “لوموند” موضّحة أن البعد المائي لا يقل أهمية عن البعد الأمني في الحسابات الإسرائيلية، حيث إن الموارد المائية لطالما شكّلت عنصرًا حاسمًا في النزاعات بالشرق الأوسط. وفي حالة الليطاني، فإن موقعه وقربه من إسرائيل يجعلان منه موردًا إستراتيجيًا محتملًا، حتى وإن لم يُطرح هذا البعد بشكل صريح في الخطاب الرسمي المعاصر.

رأت “لوموند” أيضًا أن استمرار استحضار الليطاني في الخطاب السياسي الإسرائيلي، سواء بشكل مباشر أو ضمني، يعكس بقاء هذه الفكرة في خلفية التفكير الإستراتيجي، حتى وإن تغيّرت الظروف. فالمسألة لا تتعلق بخطة ثابتة بقدر ما هي إطار ذهني يوجّه كيفية قراءة إسرائيل لجغرافيتها الشمالية.

هذا التصور الإسرائيلي يصطدم بواقع معقد على الأرض، حيث يشكّل جنوب لبنان بيئة اجتماعية وسياسية متشابكة، لا يمكن التعامل معها على أنها فراغ جغرافي، توضّح “لوموند”، مشيرةً إلى وجود حزب الله، المتجذّر في النسيج المحلي، يجعل أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية من الخارج محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية.

أظهرت التجارب السابقة، ولا سيما الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1978 و2000، حدود القوة العسكرية في تحقيق استقرار دائم. فبدل أن تؤدي تلك السياسات إلى تأمين الحدود، فإنها ساهمت في نشوء مقاومة أكثر تنظيمًا وفاعلية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدوى تكرار المقاربات ذاتها في الظروف الحالية.

رغم تفوقها العسكري، تواجه إسرائيل معضلة إستراتيجية حقيقية في الشمال، تتمثل في كيفية التعامل مع تهديد غير تقليدي، يجمع بين الطابع العسكري والتنظيمي والعقائدي، وهذا ما يدفعها إلى تبنّي سياسات هجومية قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها لا تضمن حلولًا طويلة الأمد، وفق “لوموند” دائمًا.

كما اعتبرت الصحيفة الفرنسية أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع المواجهة مع حزب الله مع الصراع مع إيران. وأي إضعاف للحزب يُنظر إليه في إسرائيل كجزء من إستراتيجية أوسع لكبح النفوذ الإيراني في المنطقة. ويزيد هذا الترابط الإقليمي من خطورة التصعيد، حيث إنه قد يؤدي إلى توسيع نطاق النزاع ليشمل أطرافًا متعددة، ويحوّل جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة مفتوحة تتجاوز حدوده الجغرافية.

رأت “لوموند” أيضًا أن غياب دولة لبنانية فاعلة في الجنوب يشكّل عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد، حيث يترك فراغًا تملؤه قوى غير رسمية، ما يعزّز منطق “الأمن الذاتي” لدى إسرائيل. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الغياب يفاقم معاناة السكان المحليين، الذين يجدون أنفسهم عالقين بين ضغوط عسكرية خارجية وواقع داخلي هش.

يثير الخطاب الإسرائيلي الذي يربط بين الأمن وإخلاء السكان إشكاليات قانونية وأخلاقية، لاسيما في ظل القوانين الدولية التي تحظر التهجير القسري. وقد تؤدي مثل هذه السياسات إلى مزيد من التوتر، بدل أن تسهم في تهدئته، تقول “لوموند”.

يظلّ نهر الليطاني، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد معلم جغرافي، حيث يتحول إلى رمز لصراع طويل الأمد بين رؤيتين متناقضتين: رؤية إسرائيلية تسعى إلى إعادة تشكيل حدودها الأمنية وفق اعتبارات إستراتيجية، ورؤية لبنانية ترى في ذلك تهديدًا مباشرًا لسيادتها ووحدة أراضيها. وبين الرؤيتين، يبقى الجنوب اللبناني عرضة لموجات متكررة من العنف، في ظل غياب أفق سياسي واضح قادر على كسر هذه الحلقة، تقول “لوموند”.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد