د غادة حب الله/ أكاديمية وباحثة في الشؤون الجيوسياسية والعلاقات الدولية
إن تحوّل الرأي العام الأوروبي في مواجهة النزاعات الأخيرة (الحرب الأميركية–الإيرانية والحرب الإسرائيلية على لبنان) لا يمكن اختزاله في مجرد تطوّر إعلامي بسيط. صحيح أن تداول المعلومات قد تغيّر؛ إذ لم تعد الصور تمر فقط عبر القنوات الفضائية التي تهيمن عليها الدول، لقد أصبحت تنتقل اليوم عبر منصّات مثل انستغرام وتيكتوك ومنصة أكس ..غير أن هذا التحوّل التقني، على أهميته، لا يفسّر وحده التحول في المزاج الأوروبي؛ فالمسألة أعمق: إنها حرب سرديات، يبدو أن إيران قد ربحت فيها جولة حاسمة.
في الشارع الأوروبي، يظهر هذا التحوّل بوضوح. في لندن وباريس ومدريد، لم تعد الشعارات تقتصر على الدعوة إلى وقف الحرب، لقد تطوّرت لتستهدف بنية الحرب نفسها: “وقف إطلاق النار الآن”، “لا مزيد من حروب الولايات المتحدة”، “أوقفوا تسليح إسرائيل”.
الأهم من ذلك، حجم التعبئة. في لندن، خرج أكثر من 50 ألف متظاهر احتجاجًا على الضربات الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، فيما رُفعت في بلغاريا شعارات من قبيل “لا للحرب ضد إيران” و“الطائرات العسكرية الأميركية غير مرحّب بها هنا”. هذا التحوّل ليس شكليًا، بل يعكس انتقالًا من نقد حدث معيّن إلى التشكيك في نموذج كامل من القوة تقوده الولايات المتحدة. لم يعد الرأي العام يطعن فقط في عملية عسكرية، إنه تحول في منطق متكامل.
هذا التحوّل يجد صداه أيضًا على مستوى الخطاب الرسمي، لكن ليس بشكل مستقل عن المجتمع، هو نتيجة ضغطه المباشر. في بريطانيا، لم يعد الخطاب السياسي قادرًا على الاستمرار في تبنّي مقاربة أطلسية تقليدية من دون تعديل، في ظل مزاج عام متحفظ إزاء الحروب والانخراط غير المشروط. ضمن هذا السياق، يمكن فهم خطاب King Charles III أمام الكونغرس، فهو ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، هو إعادة تموضع رمزي تحت ضغط الرأي العام البريطاني.
إذ إن استحضاره لإرث Magna Carta، وتأكيده أن السلطة التنفيذية يجب أن تُقيَّد بالقانون والتوازنات، يشكّلان عودة واعية إلى ركائز التمثّل الجيوسياسي البريطاني: أولوية القانون، تقييد السلطة والتوازن بدل المغامرة العسكرية. بهذا المعنى، لم يكن الخطاب تعبيرًا حرًا عن رؤية الدولة فقط، لقد كان انعكاسًا لحدود يفرضها المجتمع، حيث توجد “خطوط حمراء” رمزية لا يمكن للسلطة تجاوزها من دون كلفة سياسية.
إلى جانب ذلك؛ تؤكد الأرقام هذا التحوّل. في ألمانيا، أظهرت استطلاعات الرأي أن 58% من المواطنين يرون الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران غير مسوغة؛ ما دفع المستشار إلى انتقاد الاستراتيجية الأميركية، وهو ما أدى إلى توتر عبر الأطلسي مع واشنطن. في هولندا، كشفت دراسة لـIpsos أن 39% يرون هذه الضربات سلبية مقابل 21% فقط يرونها إيجابية، ما يدل على أن السردية الأميركية لم تعد تحظى بقبول تلقائي داخل أوروبا.
أما في إيطاليا، فقد بلغ الضغط الشعبي والسياسي مستوى أكثر حدّة. إذ وجدت رئيسة الوزراء Giorgia Meloni نفسها مضطرة إلى تعليق شراكة إيطاليا مع "إسرائيل" في إطار اتفاقيات بيع الأسلحة، تحت ضغط مباشر من المعارضة داخل مجلس النواب، والتي هدّدت بالنزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة.
جاء هذا التصعيد على خلفية الغضب الواسع من استهداف الولايات المتحدة مدرسة للبنات في إيران، وهو حدث أسهم في تأجيج الرأي العام وتحويله إلى قوة ضغط مؤثرة على القرار السياسي.
في السياق نفسه، تشهد فرنسا وإسبانيا ديناميكيات مشابهة، حيث يدفع المزاج الشعبي الحكومات نحو الحذر أو الوساطة أو الدعوة إلى وقف إطلاق النار، بدل الاصطفاف الأعمى خلف واشنطن وتل أبيب، في ظل ارتفاع القلق الأوروبي من التصعيد في منطقة شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط).
غير أن التحوّل الأهم لا يكمن فقط في الشارع أو في استطلاعات الرأي، إنما في طريقة إنتاج السردية نفسها. هنا تظهر الفيديوهات الساخرة المستوحاة من عالم LEGO كونه أداة لافتة. هذه المحتويات، التي غالبًا ما تُنسب إلى دوائر قريبة من إيران، لا تمر عبر قنوات رسمية أو خطاب أيديولوجي تقليدي، هي تعتمد على صيغ ثقافية شعبية، مثل الفكاهة والرسوم المتحركة والانتشار الفيروسي، للوصول مباشرة إلى الجمهور الغربي. ما يبدو ترفيهيًا يتحوّل إلى أداة استراتيجية.
نحن أمام ما يمكن تسميته بـ“ليغو السردي”: مجموعة من القطع، فيديو قصير، تصريح متناقض، صورة دمار، تظاهرة.. يجري تجميعها لإنتاج رواية متكاملة للعالم. هذه الرواية تبرز ازدواجية المعايير الغربية، وتقدّم الولايات المتحدة منتجًا دائمًا للحروب، مقابل خطاب “المقاومة” ورفض الهيمنة. تكمن قوة هذه المقاربة في كونها لا مركزية، وغير قابلة للملاحقة القانونية وسريعة الانتشار.
المفارقة أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم محدودة القدرة على مواجهة هذا النوع من السرديات. ليس فقط بسبب حرية التعبير، أيضًا بسبب تناقضاتها الجيوسياسية. إذ إن الدنمارك تقدّم مثالًا واضحًا على ذلك. إذا كانت LEGO شركة دنماركية، فإن واشنطن لا تستطيع ممارسة ضغط فعّال في ظل التوترات القائمة حيال غرينلاند، حيث أثارت تصريحات Donald Trump أزمة دبلوماسية مع كوبنهاغن. في هذا السياق، تصبح أي محاولة للضغط السياسي هشّة، وقد تأتي بنتائج عكسية.
تاليًا، فإنّ حدود القوة الأميركية ليست قانونية فقط، هي بنيوية. لا يمكن لقوة كبرى أن تفرض سرديتها على حلفائها، في الوقت الذي تشكك فيه بسيادتهم. هذا التناقض يضعف قدرتها على مواجهة حرب سردية لا تعترف بالحدود ولا بالتراتبية التقليدية.
في هذا الإطار؛ يظهر التحوّل الأوروبي بشكل مختلف. الأمر لا يتعلق فقط برأي عام أصبح أكثر اطلاعًا بفضل وسائل التواصل، إنما برأي عام يعيد تفسير الأحداث ضمن إطار سردي جديد. هنا تحديدًا؛ يمكن الحديث عن “فوز إيراني” في هذه الجولة: ليس على مستوى القوة العسكرية، أيضا على مستوى التأثير في طريقة فهم الصراع.
في المحصلة، تتحوّل أوروبا إلى ساحة مواجهة رمزية يُعاد فيها تعريف الشرعية الدولية. إذا كانت المعركة لمّا تُحسم بعد، فإن نتيجة واحدة باتت واضحة: الهيمنة الغربية على السردية العالمية لم تعد مطلقة ولا غير قابلة للتحدي.