تتجه الجمعية الوطنية الفرنسية، إحدى غرفتَي البرلمان، إلى إعادة فتح ملف منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدما كشفت إذاعة "إر إم سي" عن استعداد ثلاثة نواب لتقديم مقترح قانون يمنع تسويقها في فرنسا، بالتزامن مع اتساع النقاش، فرنسيًا وأوروبيًا، بشأن العلاقات التجارية مع إسرائيل والواردات القادمة من المستوطنات.
بحسب الإذاعة، يستعد الأمين العام للحزب الاشتراكي أوليفييه فور، والنائبة عن حزب "البيئيين" صابرينا صبايحي، والنائب عن حزب "موديم" ورئيس مجموعة الصداقة الفرنسية الفلسطينية في الجمعية الوطنية ريشار راموس، لتقديم مقترح قانون، يوم غد الثلاثاء، يحظر بيع المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والجولان السوري المحتل.
يشمل النص، وفق المصدر نفسه، المنتجات الزراعية، مثل التمور والحمضيات والفواكه، إلى جانب المنتجات الصناعية، لكنه يقتصر على ما تستورده فرنسا من المستوطنات، ولا يشمل مجمل السلع الإسرائيلية. ولا يملك المقترح، حتى الآن، موعدًا محددًا على جدول أعمال الجمعية الوطنية، إلا أن طرحه يعيد الملف إلى البرلمان بعد مبادرة مشابهة كان قد قدمها، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، النائب إيمريك كارون، المقرب من حزب "فرنسا الأبية" اليساري.
تنبع أهمية النص الجديد من جمعه شخصيات من اليسار مع نائب من حزب "موديم" الوسطي، الحليف للمعسكر الرئاسي، بما يعكس اتساع دائرة المطالبة بهذا الإجراء خارج الإطار اليساري التقليدي، في وقت تحاول فيه باريس رسم خط تجاري وقانوني أكثر وضوحًا بين أراضي إسرائيل المعترف بها دوليًا والمستوطنات التي تعدها فرنسا والاتحاد الأوروبي غير قانونية بموجب القانون الدولي.
تدافع الدبلوماسية الفرنسية عن معالجة هذه القضية ضمن إطار أوروبي مشترك. ففي إبريل/نيسان الماضي، وجهت فرنسا والسويد رسالة إلى المفوضية الأوروبية تدعوان فيها إلى تشديد التعامل مع منتجات المستوطنات، ولا سيما عبر رفع الرسوم الجمركية وتعزيز الرقابة على الواردات.
كان وزير التجارة الخارجية الفرنسي نيكولا فوريسييه قد أكد، في نهاية مايو/أيار الماضي، أن بلاده لا يمكن أن تقبل استيراد منتجات "مصنوعة في أراضٍ محتلة بصورة غير قانونية بموجب القانون الدولي"، معتبرًا أن الأمر لا يتعلق بـ"موقف عدواني"، بل بضرورة انسجام السياسة التجارية مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.
أضفى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بُعدًا سياسيًا إضافيًا على هذا التوجه، يوم الجمعة الماضي، عقب اجتماع المجلس الأوروبي في بروكسل، حين دعا إلى "تعميق التمييز بين أراضي إسرائيل والمستوطنات غير القانونية"، مطالبًا بمواءمة السياسة التجارية الأوروبية مع أحكام القانون الدولي. وربط ماكرون هذه الدعوة بتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، ولا سيما في منطقة "إي 1"، التي قال إنها تهدد فرص قيام دولة فلسطينية وحل الدولتين، داعيًا إلى المضي في فرض عقوبات أوروبية على الاستيطان وداعميه.
في سياق متصل، أصدرت منظمة "غلوبال إيكو"، المتخصصة في التحقيق بمسؤولية الجهات المتعاملة اقتصاديًا مع الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان، تقريرًا في 10 يونيو/حزيران الجاري بعنوان "استيراد الاحتلال"، خلص إلى أن نسبة معتبرة من الصادرات الزراعية الإسرائيلية إلى أوروبا يعود مصدرها الفعلي إلى مستوطنات في الضفة الغربية والجولان المحتلين، وأن جزءًا منها يدخل الأسواق الأوروبية على أنه منتجات إسرائيلية.
استند التقرير إلى تحليل أكثر من 30 ألف وثيقة تصدير إسرائيلية تتعلق بما يقارب ستة آلاف شحنة زراعية إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وسويسرا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2026، مقدّرًا أن أكثر من 17% من هذه الشحنات جاءت كليًا أو جزئيًا من المستوطنات.
كما توقف التقرير عند آليات إخفاء المنشأ الحقيقي التي يُعتمد عليها، ومنها استخدام عناوين داخل إسرائيل، وخلط منتجات المستوطنات بمنتجات إسرائيلية أخرى، وتسويق بضائع مصدرها الأراضي المحتلة تحت ملصقات لا تكشف منشأها الفعلي.
لا يقدّم التقرير هذه المعطيات بوصفها ناجمة عن خلل في الرقابة الجمركية أو أخطاء في تحديد مصادر المنتجات، بل يضعها في إطار ما وصفه بـ"التواطؤ الأوروبي" مع إسرائيل في "تجريد الفلسطينيين من أراضيهم عبر التجارة الزراعية للمستوطنات"، رغم أن أوروبا تعلن رسميًا عدم اعترافها بشرعية هذه المستوطنات.