يمضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تسويق سرديّته المتعلقة بترحيل المهاجرين غير النظاميين، واتّخاذ إجراءاتٍ صارمة بحقهم، زاعمًا أنّها تحمي الولايات المتحدة من "الغزو" و"التدمير"، ومن "الأعداء الأجانب".
زعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 أغسطس/آب الجاري، أنّ تدفق المهاجرين السريين إلى الولايات المتحدة توقف، إذ لم يدخل إلى البلاد أي مهاجر خلال الأشهر الـ15 الماضية، وعزا ذلك إلى سياساته، مؤكدًا أنّ إدارته تسعى إلى القضاء على "جرائم المهاجرين"، مدافعًا عن عمليات التوقيف والترحيل التي تنفّذها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.
خلال فعالية شارك فيها بمدينة لاس فيغاس، دافع ترامب عن سياسة الهجرة التي تنتهجها إدارته، والتي تتعرض لانتقادات متكررة. وأكّد أنّه أوقف دخول المهاجرين غير النظاميين بعد فترة وجيزة من توليه منصبه، قائلًا: "في غضون 30 يومًا، أوقفتُ غزو ملايين الأشخاص لبلادنا. تخيّلوا، كانت بلادنا تتعرّض للغزو، كان 25 مليون شخص يدخلون إلى بلادنا عبر حدودنا الجنوبية".
عقب العبور الجماعي لأكثر من 70 ألف مهاجر غير نظامي من المغرب نحو مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية في أواخر يوليو/ تموز الماضي، استغلّ ترامب مشاهد تدفق المهاجرين، لتبرير سياساته المتشدّدة، إذ سارع إلى تحذير الأميركيين من أنّ البلاد قد تواجه أوضاعًا مماثلة في حال فاز الحزب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة. وكتب عبر حسابه على منصة تروث سوشيال: "ما يحدث في إسبانيا، مع غزو عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، حدث في الولايات المتحدة خلال إدارة جو بايدن، وسيتكرّر الأمر، بل سيكون أسوأ، إذا عاد الديمقراطيون إلى السلطة. لا تدعوا بلادنا تُدمّر. صوّتوا للجمهوريين، وافتخروا بالولايات المتحدة".
نقلت "فوكس نيوز" عن ترامب قوله إنّ المشاهد الواردة من سبتة "مروّعة. تذكّروا تلك الصورة. هذا ما سنكون عليه بعد ثلاثة أعوام إذا وصل الطرف الخطأ إلى الحكم".
أفاد تحقيق أجرته وكالة "فرانس برس" بأنّ الولايات المتحدة عرضت اتفاقات بملايين الدولارات، ولوّحت بفرض قيود على التأشيرات لإقناع دول ثالثة، خصوصًا في أفريقيا، باستقبال المرحّلين. وفي يناير/كانون الثاني الماضي، شهدت مدن أميركية عدّة احتجاجات واسعة ضدّ ما يصفه المحتجون بـ"العنف المميت" الذي تمارسه وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك في حملتها ضد المهاجرين.
تسبّبت الوكالة بوفياتٍ بين صفوف المواطنين والمهاجرين والسيّاح، وواصلت انتهاكاتها على نطاقٍ لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث للبلاد، فيما تبرّر إدارة ترامب جرائمها بأنّها تطارد "أسوأ المجرمين"، علمًا أنّ حالات القتل طاولت، باعترافها، أشخاصًا غير مستهدفين.
في 6 أغسطس الجاري، بدأ 36 مهاجرًا أفريقيًّا، رُحّلوا من الولايات المتحدة إلى الكاميرون بين يناير ومايو/أيار من هذا العام، اتخاذ إجراءاتٍ قانونية سعيًا إلى تسوية أوضاعهم القانونية ومنع إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، بحسب ما أعلن محاميهم. وجاءت عمليات الترحيل في إطار برنامج أميركي مثير للجدل يقضي بنقل أجانب موجودين بصورة غير نظامية في الولايات المتحدة إلى دول ثالثة. ويتحدّر هؤلاء الأشخاص من جمهورية الكونغو الديمقراطية وغانا وأنغولا وإثيوبيا وسيراليون وكينيا والسنغال وزيمبابوي والمغرب، علمًا أنهم كانوا يتمتعون بحماية قضائية في الولايات المتحدة تحول دون إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
في سياقٍ متصل، أفسح قاضيان اتحاديان في 7 أغسطس، الطريق أمام إدارة ترامب لإنهاء وضع الحماية المؤقتة من الترحيل الذي كان يسمح لآلاف من مواطني جنوب السودان وميانمار بالعيش والعمل في الولايات المتحدة. ورفض قاضيان في بوسطن وشيكاغو محاولات أخيرة بذلها مدافعون عن حقوق المهاجرين للحفاظ على تصنيف "الوضع المؤقت للحماية" للقادمين من هذين البلدين، بعد أن سمحت المحكمة العليا الأميركية في يونيو/حزيران الماضي، للإدارة بإنهاء إجراءات حماية مماثلة لآلافٍ من هايتي وسورية.
وحدّ قرار المحكمة العليا من قدرة قضاة المحاكم الأدنى درجة على مراجعة الإجراءات التي اتّخذتها وزارة الأمن الداخلي الأميركية في عهد ترامب لإنهاء وضع الحماية المؤقتة لنحو 12 بلدًا. ويشمل تصنيف الوضع المؤقت للحماية من الترحيل أفرادًا تواجه بلدانهم الأصلية كوارث طبيعية، أو صراعات مسلحة، أو غيرها من الأحداث الاستثنائية، ويوفّر للمهاجرين المؤهلين حماية مؤقتة من الترحيل وتصريحًا بالعمل.
فيما تشهد الولايات المتحدة تراجعًا في حجم القوى العاملة، يواجه اقتصاد البلاد تحديات ترتبط بتقدم الأعمار وتراجع أعداد المهاجرين. وأخيرًا، وقّع ترامب أمرين تنفيذيين في أغسطس الجاري، في محاولة أخرى لتقييد حق المواطنة بالولادة. ويسعى أحد الأمرين إلى حرمان أطفال معيّنين لا يحمل أبواهم الجنسية الأميركية من المواطنة التلقائية، من بينهم أطفال موظفي الحكومات الأجنبية والأشخاص المصنفين "أعداءً أجانب". بينما يسعى الأمر الآخر إلى حظر ما يُسمّى بـ"سياحة الولادة"، وهو مصطلح يُستخدم لوصف الأشخاص الذين يزورون الولايات المتحدة بغرض الولادة حتى يحصل أطفالهم على الجنسية الأميركية.
في بداية ولايته الثانية، وقّع ترامب أمرًا يهدف إلى تقييد حق المواطنة بالولادة بشدّة، من خلال حرمان الأطفال المولودين لأبوين موجودين في الولايات المتحدة مؤقتًا فقط، أو من دون أوراق إقامة صالحة، من المواطنة التلقائية. وفي يونيو/حزيران الماضي، أسقطت المحكمة العليا هذا الأمر، مؤكدة أنه منذ عام 1868، يحصل الأطفال الذين يولدون في الولايات المتحدة تلقائيًا على الجنسية بموجب التعديل الرابع عشر للدستور.