القمع الرقمي... الذكاء الاصطناعي في مواجهة "حزب الصراصير" الهندي

post-img

يوثق التحقيق آلية وتبعات توظيف الشرطة الهندية تقنيات المراقبة الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مواجهة حراك جيل زد المعروف باحتجاجات "شعب الصراصير"، اعتماداً على منصات مرتبطة بقواعد البيانات الشرطية.

- شدّت العشرينية الهندية نشي سيفي قناعها لتغطي وجهها بالكامل، مكتفية بإظهار السندور (مستحضر تجميلي أحمر اللون) على جبينها فخراً بانتمائها إلى الهندوسية. وحتى تكتمل عملية التمويه، ارتدت قفازات أخفت بها معاصمها تجنباً لترك بصماتها قبل الدخول إلى ساحة جنتر منتر في نيودلهي، "لا من أجل التورط في عمل غير شرعي"، كما تقول ساخرة من الخطاب الحكومي، وإنما للمشاركة في احتجاجات جيل "زد" تحت راية "حزب الصراصير"، وهو حراك احتجاجي شبابي ساخر أسسه الشاب وخبير الاتصالات السياسية أبهيجيت ديبكي، رداً على وصف تحقيري للعاطلين أطلقه رئيس القضاة سوريّا كانت.

في إطار هذه الفعاليات، نظمت سيفي ورفاقها اعتصاماً بالقرب من البرلمان، ومن هنا لم يكن ارتداء القناع والقفازات خياراً يمكن الاستغناء عنه، بل كان قراراً توافق الناشطون عليه، في محاولة لتجنب "المراقبة الرقمية" عبر كاميرات الشرطة المنتشرة في كل مكان وباستطاعتها التعرف إلى الوجوه وتحديد الهوية ومن ثم تعقبهم لاحقاً، كما أكد العديد من قادة الاحتجاج، الذين قابلهم معد التحقيق في الميدان، مستندين إلى تحذيرات تلقوها من فريق المتطوعين المكلف بأعمال تنسيق وإدارة الشارع الاحتجاجي.

من بين هؤلاء القادة، التقى "العربي الجديد" رئيسة اتحاد الطلبة سابقاً في جامعة جواهر لال في نيودلهي أيوشي غوش، التي أقامت دعوى قضائية تتهم فيها شرطة دلهي (إقليم العاصمة الوطنية) باستخدام منظومة مراقبة واسعة الانتشار، شملت كاميرات مثبتة على أجساد العناصر، وأخرى محمولة، إضافة إلى نظارات ذكية لتوثيق تحركات المحتجين.

"ليس هذا فحسب"، تقول غوش، إذ إن تقريراً يعتزمون نشره في نهاية أغسطس/آب الجاري جمع أدلة على عملية قمع وتسلط رقمي غير اعتيادية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمركزت مركبتان في موقع الاحتجاج عشرة أيام، إحداهما مختصة بالقيادة والتحكم وتتلقى بثاً مباشراً من كاميرات المراقبة المنتشرة في محيط الموقع، بينما زُوّدت الأخرى بثماني كاميرات توفر تغطية كاملة بزاوية 360 درجة، وكل هذا من أجل "رصد وتسجيل وجوه الموجودين ضمن الحشد بشكل متواصل وآني".

من العثور على المفقودين إلى رصد المتظاهرين

في بداية الاحتجاجات، لم يتجاوز عدد المشاركين خمسة آلاف شخص، إلا أن الحشود ارتفعت لاحقاً إلى 50 ألف متظاهر واستمرت في التزايد، لذا لم تكتف شرطة دلهي بالوقوف على أطراف الموقع ومراقبة الأوضاع، بل نشرت في الأيام التالية نحو 10 عناصر مزودين بكاميرات لتصوير مقاطع فيديو، كما يوضح المتحدث باسم حراك شعب الصراصير سوراف داس.

فوق هذا وذاك، تُعقب تينا ماهور، وهي إحدى المشاركات في الاحتجاجات، بأن عناصر الشرطة كانوا في كثير من الأحيان يلتقطون لقطات مقربة (Close-ups) لوجوه المحتجين، كما حمل العديد منهم ميكروفونات لتسجيل أحاديث المشاركين، وفي مؤشر يعكس أقصى درجات عدم الاكتراث، ارتدى بعضهم سترات تحمل عبارة "Delhi Police"، ولدى مواجهتهم ادعوا بأنهم ليسوا من أفراد الشرطة، وإنما متعاقدون جرت الاستعانة بهم لتنفيذ أعمال التصوير لصالح الجهات الأمنية!

من بين هؤلاء مصور طلب تسميته فيبين حتى لا يخسر عمله، ويعرفه معد التحقيق من تغطية سابقة لاحتجاجات قانون المواطنة عام 2020، إذ قال: "شرطة دلهي تستعين بمصورين وبعضهم يعمل وسط المحتجين مدعياً أنه صحافي مستقل، وفي نهاية اليوم تُسلم جميع الصور ومقاطع الفيديو التي يتم توثيقها للأجهزة المختصة"، وتابع مؤكداً :"أعرف عدداً من مصوري الفيديو المدرجين على كشوف رواتب شرطة دلهي".

ما سبق، أقرّ به مسؤول رفيع في المكتب الإعلامي لشرطة دلهي (يحتفظ "العربي الجديد" باسمه كونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام)، موضحا أن لدى الشرطة مصوري فيديو تابعين لها، إذ يتم اللجوء إليهم عند وقوع أحداث كبيرة مثل الاحتجاجات واسعة النطاق، وهؤلاء يتم اعتمادهم للعمل كمصورين مستقلين، ويحصلون على تصريح لتصوير الأحداث، كما يتقاضون أجوراً وفق عدد ساعات العمل. ولم يحدد المسؤول عدد مصوري الفيديو الذين استعانت بهم شرطة دلهي خلال الاحتجاج في جنتر منتر، لكن "الشرطة احتاجت توظيف عدد كبير منهم" كما يقول.

بشكل غير متوقع، أجبر تزايد أعداد المحتجين قوات الشرطة على الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، إذ لجأت إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، خاصة في الأيام الأخيرة من الاعتصام، بعدما بلغت الفعاليات ذروتها، ودخلت الحكومة في مفاوضات مع ممثلي المتظاهرين لمحاولة احتواء الحركة الساخطة على ارتفاع معدل البطالة، وتسريب أسئلة امتحان القبول بكليات الطب (NEET)، الذي تقدم له نحو 2.28 مليون طالب في الثالث من مايو/أيار الماضي، وما تلاه من انتحار 20 طالبا وطالبة. وظهر نشاط مركبات المراقبة تحديدا عقب إعلان الدعوة إلى مسيرة باتجاه البرلمان في 20 يوليو/تموز 2026، وفق الرئيس السابق لاتحاد طلبة جامعة جواهر لال نهرو، ساي بالاجي، المشارك في الاحتجاجات.

يبرر مسؤول كبير في وحدة الدمج الاستخباري والعمليات الاستراتيجية Intelligence Fusion & Strategic Operations - IFSO (من إدارات شرطة العاصمة) التقاه معد التحقيق في موقع الاحتجاج، ووافق على الحديث بشرط عدم الكشف عن هويته، اللجوء إلى هذه الأساليب بقوله "إن الطاقة الاستيعابية لجنتر منتر تبلغ نحو 1500 إلى 1800 شخص، بينما تجمع ما يقدر بنحو 40 ألفا إلى 50 ألف شخص هناك في يوم مسيرة 20 يوليو.

أضاف أن التجمع الأولي شمل أعضاء من حراك حزب الصراصير بنسبة تتراوح بين 70 و80%، لكن لاحقا جرى حشد أعداد كبيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وبحسب قوله، فإن نسبة كبيرة من هؤلاء كانت من أبناء الجيل Z، والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض الحالات أشخاصا يزعم أنهم تلقوا مقابلا للعمل مؤثرين، لذا شددت الشرطة المراقبة خاصة بعد أعمال العنف التي وقعت في ذلك اليوم، وتعكف على التحقيق في جميع جوانب الواقعة لتحديد ما إذا كانت تهم القتل غير العمد (Culpable Homicide) تنطبق على القضية".

للهند تاريخ في توظيف تلك الأساليب، وفق ما تشرحه سيدة حميد، العضوة السابقة في لجنة التخطيط الهندية (شغلت المنصب في المؤسسة الحكومية بين أعوام 2004 و2009)، قائلة لـ"العربي الجديد" إنه في البداية أُقرت تلك التقنيات باعتبارها أدوات للمساعدة في العثور على الأطفال المفقودين وتعقب مرتكبي الجرائم الخطيرة، غير أنها توسعت مع حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، لتندمج في منظومة السيطرة الأمنية، ثم أُقحمت سياسياً لصالح الحزب الحاكم في الاحتجاجات الأخيرة، ما يثير تساؤلات بشأن انتهاك الخصوصية وتقليص الحريات المدنية.

نظارات ميتا الذكية

تستخدم شرطة دلهي نظاماً متقدماً للمراقبة يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعرف إلى ملامح الوجه، إذ يحدد المسافة بين العينين وعمق الأنف وشكل الفك، ومن ثم يحول الشكل إلى بصمة فريدة يقارنها بقاعدة بيانات. وإذا عثر على تطابق بدرجة كافية لشخص مرصود، يُرسل تنبيهاً إلى الضباط داخل مركبة المراقبة، فيُحدد الشخص باعتباره محل اهتمام، ويتم تتبعه جغرافياً وسحب جميع البيانات المرتبطة بأجهزته الإلكترونية، كما يوضح راجنيل آر كاماث، المتخصص في تقنيات المراقبة والأدوات الاستخباراتية الرقمية المزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي عمل سابقاً في المجال بشركة غوغل.

احتجاجات الهند

يؤكد ما سبق تقرير صدر في أغسطس/ آب 2025 بعنوان: "كيف غيّرت تحليلات الفيديو بالذكاء الاصطناعي أساليب مراقبة المركبات: دراسة حالة لشرطة دلهي"، مشيراً إلى أن شرطة دلهي نشرت منصة إيكشانا Ikshana، المتخصصة في تحليلات الفيديو والمدعومة بالذكاء الاصطناعي التي طورتها شركة Intozi المتخصصة في تقنيات الرؤية الحاسوبية، وهي من مجالات الذكاء الاصطناعي وتمكن الأجهزة الرقمية من معالجة وفهم وتفسير محتوى الصور ومقاطع الفيديو بطريقة محاكية للإدراك البصري البشري.

يتابع التقرير الصادر عن الشركة أن الشرطة في الأصل لجأت إلى النظام ونشرته في عدد من المواقع الرئيسية داخل المدينة للحد من جرائم سرقة المركبات، وتتبّع السيارات المتورطة في الوقائع الأمنية، وبعد نجاحه توسع نطاق استخدمه، معتمداً على قاعدة بيانات تضم ثلاث فئات: مجرمين معروفين، ومشتبهاً بهم في قضايا الإرهاب، وفئة ثالثة تُصنف رسمياً باعتبار أفرادها مثيري الشغب، غير أن كاماث يقول إن التسمية الأخيرة لا تستند إلى تعريف قانوني واضح، وتفتح الباب لتأويل يستهدف خصوم الحكومة سياسياً.

في تحول لافت، ظهر نائب مفوض شرطة دلهي الإضافي سانديب لامبا، في 20 يوليو الماضي، بين المتظاهرين وهو يرتدي نظارات "ميتا" الذكية. ويشرح آر كاماث ما يعنيه الأمر، قائلاً: "أفراد من شرطة دلهي كانوا يستخدمون نظارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي طورتها شركة Ajna، ومقرها مومباي، خصيصاً للشرطة".

ليست هذه هي المرة الأولى، إذ استُخدمت أيضاً خلال احتفالات يوم الجمهورية في وقت سابق من هذا العام، وتتيح للشرطي مسح وجه الشخص بمجرد النظر إليه، وتحويل الوجوه إلى بصمات بيومترية ومقارنتها بقواعد البيانات المخزنة على الهاتف المتصل بها، كما يمكنها تنبيه مرتديها عند التعرف إلى هوية شخص ما ثم تقارن ملامحه، خلال أجزاء من الثانية، بقاعدة بيانات تضم نحو 65 ألف سجل مخزن داخل الجهاز نفسه، دون الحاجة إلى الاتصال بالإنترنت، مضيفاً أن الشرطة تستخدم أيضاً منصة ذكاء اصطناعي تُعرف باسم "Jarvis"، تربط كاميرات المراقبة التقليدية بشبكة قادرة على تحليل الوجوه، ولوحات المركبات، وحركة الحشود.

الشرطة تنفي

بلا شك ما يجري انتهاك للحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور الهندي للمواطنين، وأهمها الحق في الخصوصية وحرية التعبير والتجمع السلمي، ومن هذا المنطلق أقام المحامي سوبهاش تشاندران كيه آر دعوى أمام المحكمة العليا، تعرف بقضية المصلحة العامة (Public Interest Litigation - PIL)، وبالتعاون مع المتظاهرين جمع الأدلة التي تثبت استخدام شرطة دلهي تقنيات التعرف إلى الوجوه وأنظمة المراقبة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وأدوات التعرف البيومتري إلى هويات المشاركين في الاحتجاجات. كما قدمت الناشطة غوش في 15 يوليو 2026 التماساً أمام محكمة دلهي العليا لوقف مراقبة الاحتجاجات الشبابية.

خلال أولى جلسات النظر في القضية برئاسة رئيس المحكمة العليا ديفيندرا كومار أوباديايا، نفت شرطة دلهي بشكل قاطع الاتهامات بأنها راقبت المحتجين أو تجسست عليهم، إذ أكدت هيئة الدفاع أن الكاميرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لم تكن تستخدم لأغراض المراقبة، وإنما لتحديد هوية المجرمين الموجودين بين المشاركين في الاحتجاج. ومن خلالها حددت هوية 989 شخصاً لهم سوابق في جرائم خطيرة، بينهم 101 متهمون في قضايا قتل، و62 في قضايا شروع في القتل، و284 في قضايا سطو وسرقة، و61 في قضايا اغتصاب، إضافة إلى ستة أشخاص متهمين في قضايا مسجلة بموجب قانون حماية الأطفال من الجرائم الجنسية، أما احتجاز واستجواب المحتجين من الحزب فنفته الشرطة.

بحسب شرطة دلهي، سجلت 10 قضايا على خلفية أعمال العنف التي وقعت خلال مسيرة 20 يوليو. إذ أصيب ما بين 60 و100 متظاهر نتيجة الضرب بالهراوات وإطلاق الغاز المسيل للدموع والاشتباكات. كما تدعي الشرطة أن أكثر من 118 من أفرادها أصيبوا، بمن فيهم ضباط كبار تراوح رتبهم بين مساعد مفوض شرطة (ACP) والمفوض الخاص. وبحسب المسؤول في شرطة دلهي فإن المحققين يراجعون حاليا المحادثات المشفرة على تطبيق BitChat، ومجموعات واتساب ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، ولقطات كاميرات المراقبة، وبيانات الهواتف المحمولة، وسجلات التعرف على الوجوه.

لهذا الغرض، تم تشكيل 20 فريقا خاصا، كلف كل منها بجانب محدد من التحقيق. ويحلل بعض هذه الفرق محتوى وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات الرقمية، بينما تراجع فرق أخرى سجلات تفاصيل المكالمات، وبيانات تفريغ الهواتف، ولقطات كاميرات المراقبة، وسجلات نظام التعرف على الوجوه (FRS) لتحديد هوية المشاركين في الاحتجاجات. وقالت الشرطة إنها عثرت على محادثات في عدة مجموعات على واتساب تضمنت، بحسب زعمها، تعليمات مفصلة للمشاركين بشأن ما ينبغي إحضاره معهم، بما في ذلك رذاذ الفلفل، وما يجب فعله في حال الاحتجاز، ومن ينبغي التواصل معه من الفرق القانونية التي جرى تجهيزها مسبقا.

على الرغم من ذلك، يعتبر المحامي كي آر أن استخدام تقنيات التعرف إلى الوجوه يخلق ما يعرف بـ"الأثر الرادع"، إذ قد يحجم الأفراد عن ممارسة حقوقهم الدستورية خشية التعرف إلى هوياتهم أو إخضاعهم للمراقبة والاستجواب. وبالفعل هذا ما حدث، كما يقول الناشط داس، مشيراً إلى أن ما أثير حول هذه التقنيات دفع طلاباً وموظفين إلى الإحجام عن المشاركة خشية الملاحقة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد