"ربع نقطة فقط".. هكذا يبدو الخبر في ظاهره. رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الفائدة إلى نطاق 3.75 و4 بالمئة، في أول رفع له منذ أكثر من ثلاث سنوات، وبقرار جاء بالإجماع في أول اختبار حقيقي لــ"كيفن وارش" على رأس المؤسسة النقدية. لكن من الصعب قراءة القرار على أنه مجرد حركة صغيرة في جدول أسعار الفائدة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يريد شيئًا مختلفًا. فائدة أقل، اقتراض أرخص، واقتصاد يتحرك بالسرعة التي وعد بها. لم يخفِ ضغطه على الفيدرالي، كما لم يخفِ رغبته في استخدام التجارة والتعريفات الجمركية للضغط على الشركاء والخصوم، وصولًا إلى التهديد بوقف التجارة مع دول تحقق الولايات المتحدة معها عجزًا تجاريًا. السوق الأمريكية، في هذا التصور، ليست مجرد مكان للبيع والشراء، هي واحدة من أوراق القوة التي تستطيع واشنطن استخدامها عندما تريد تغيير سلوك الآخرين.
لكن الاقتصاد لا يستجيب دائمًا بالطريقة التي يريدها السياسي. التعريفات قد ترفع كلفة الواردات، واضطراب الطاقة الناتج عن الحرب يضيف ضغطًا آخر على الأسعار، في حين يريد البيت الأبيض مالًا أرخص لتحريك الاقتصاد. في أغسطس/آب وصل التضخم الأمريكي إلى 3.4 بالمئة على أساس سنوي، وهو مستوى لا يزال بعيدًا عن هدف الفيدرالي البالغ 2 بالمئة.
لهذا كان "وارش" أهم من ربع النقطة نفسه. اختاره ترامب لرئاسة الفيدرالي، لكن الاختيار لم يمنحه القرار. جلس الرجل داخل مؤسسة لها حساباتها، وصوّت مع بقية أعضاء اللجنة على رفع الفائدة. الاختبار الذي بدأ الآن ليس لــ"وارش" وحده، وإنما لحدود قدرة البيت الأبيض على التأثير في مؤسسة يفترض أن تبقى قراراتها مرتبطة بالتضخم والنمو وسوق العمل، لا بالرغبة السياسية في المال الرخيص.
المفارقة أن الاقتصاد الأمريكي نفسه يضع حدودًا للمناورة. الناتج المحلي نما بمعدل سنوي قدره 1.5 بالمئة في الربع الثاني، بعد 2.1 بالمئة في الربع الأول. في المقابل؛ أظهرت بيانات أغسطس/آب قوة في الاستهلاك ومبيعات التجزئة، ما يعني أن الصورة ليست اقتصادًا منهكًا، وإنما اقتصادًا يتحرك وسط تضخم مرتفع وضغوط مالية وجيوسياسية متزامنة.
هكذا تتجمع التناقضات فوق بعضها البعض. البيت الأبيض يريد فائدة أقل ونموًا أسرع، لكن بعض سياساته التجارية والجيوسياسية تضيف ضغوطًا تضخمية. يريد الإنفاق، بينما تتضخم فاتورة الدين. يريد الاحتفاظ بأدوات الضغط في الخارج، لكن جزءًا من كلفة استخدامها يعود إلى الداخل. لا توجد هنا مشكلة واحدة يمكن حلها بقرار واحد.
الدين العام هو الجزء الذي يصعب تجاهله. الدين الذي يحمله الجمهور يبلغ نحو 101 بالمئة من الناتج المحلي في العام 2026، ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس ارتفاعه إلى 120 بالمئة في العام 2036، بينما ترتفع مدفوعات الفائدة الصافية من نحو تريليون دولار في 2026 إلى 2.1 تريليون دولار في 2036 وفقًا لتقديراته.
عندها تصبح الفائدة قصة أخرى. الدولة المدينة بهذا الحجم لا تنظر إلى سعر المال بالطريقة التي تنظر بها دولة قليلة الديون. كل ارتفاع في العائد يعني تكلفة أكبر لتمويل الدين، وكل توسع في الاقتراض يضيف التزامًا جديدًا إلى ميزانية تحتاج أصلًا إلى مساحة أكبر. القوة المالية التي استخدمتها واشنطن طويلًا لتمويل اقتصادها وحضورها العالمي بدأت تكشف جانبها الآخر، كلفة الاحتفاظ بها.
هذا يأخذنا إلى مشكلة النموذج نفسه. الرهان الطويل على السوق، وخفض الضرائب، وتقليص تدخل الدولة، تلقى ضربة قاسية في أزمة العام 2008. يومها عادت الدولة إلى المشهد بقوة لإنقاذ الأسواق وضخ السيولة ومنع الانهيار. اليوم تبدو المشكلة مختلفة قليلًا، لكنها تمس السؤال نفسه: الدولة لا تستطيع الانسحاب، وفي الوقت نفسه أصبحت كلفة بقائها داخل الاقتصاد أكبر.
لا يعني ذلك بالضرورة عودة الدولة الكينزية كما عرفها القرن الماضي. قد يكون الاتجاه في واشنطن نحو تقليص الإنفاق، أو تحميل المجتمع جزءًا أكبر من كلفة الأزمة، أو التعويل أكثر على التكنولوجيا والاستثمار الخاص. لكن كل هذه الخيارات تصطدم بسؤال سابق عليها: من أين يأتي النمو الحقيقي القادر على حمل كل هذه الالتزامات؟
الصين تجعل السؤال أكثر صعوبة. لم تعد مجرد مصنع يمكن نقل الإنتاج منه ثم العودة إلى قواعد اللعبة القديمة. أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية هائلة، مرتبطة بسلاسل إنتاج تمتد إلى معظم الاقتصاد العالمي. لذلك فإن فكرة استعادة الهيمنة الصناعية الأمريكية كما كانت ليست مسألة قرار يصدر من البيت الأبيض. العالم الاقتصادي نفسه تغير.
يمكن لواشنطن أن تختار منافسة طويلة، تحاول خلالها الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والمالي وإدارة العلاقة مع الصين من دون تحويل الاقتصاد العالمي إلى ساحة حرب مفتوحة. يمكنها أن تذهب أبعد في المواجهة عبر التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. لكن لكل طريق ثمن، وكلما اتسعت المواجهة أصبح من الصعب عزل كلفتها عن الاقتصاد الأمريكي نفسه.
الحرب على إيران تكشف المفارقة بصورة أكثر حدة. بعد قرار الفيدرالي، نشر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف صيغة ساخرة أعاد فيها تركيب قاعدة تايلور بإضافة مضيق هرمز وباب المندب إلى معادلة الفائدة، ثم طرح سؤالًا بسيطًا في ظاهره: هل فتح مضيق هرمز يستطيع رفع الفائدة أو إنتاج برميل نفط إضافي؟ وأضاف عبارة أكثر دلالة: «لا يمكنك أن تعالج نقطة اختناق بزيادة 25 نقطة أساس».
السخرية تخفي فكرة اقتصادية حقيقية. الفيدرالي يستطيع التأثير في الطلب والائتمان، لكنه لا يستطيع خلق المعروض الذي اختفى بسبب اضطراب ممرات الطاقة. رفع الفائدة قد يبطئ الاستهلاك والاستثمار ويضغط على الأسعار عندما يكون التضخم ناتجًا عن سخونة الطلب، لكنه لا ينتج برميل النفط الذي لم يصل إلى السوق، ولا يعيد فتح طريق بحري مغلق أو معرضًا للخطر.
الأكثر أهمية أن قاليباف حاول قلب العلاقة نفسها حين قال إن علاوة مخاطر مضيق هرمز تدخل في تحديد تكلفة المال، وإن هذه المخاطرة «نحن من نحددها». لا يمكن التعامل مع هذه العبارة على أنها قاعدة اقتصادية مستقرة، فهي في النهاية رسالة سياسية إيرانية متعمدة. لكن قيمتها التحليلية تكمن في السؤال الذي تطرحه: ماذا يحدث عندما يصبح متغير جيوسياسي خارج أدوات السياسة النقدية قادرًا على التأثير في التضخم، وأسعار الطاقة، ثم في قرارات الفيدرالي نفسه؟
عندها لا تعود المسألة مجرد ارتفاع في سعر النفط ينعكس على المستهلك الأمريكي. تصبح الجغرافيا طرفًا في المعادلة الاقتصادية. واشنطن تملك الدولار والفائدة والعقوبات والتجارة، لكنها لا تملك وحدها كل المتغيرات التي تتحرك داخل الاقتصاد العالمي. وإذا أصبحت الممرات التي تمر عبرها الطاقة قادرة على إضافة علاوة مخاطر إلى الأسعار، فإن جزءًا من كلفة القوة الأمريكية يعود إلى الداخل حتى قبل أن تصل كلفة الحرب نفسها إلى الخزانة.
لذلك؛ لا أظن أن أهم ما في قرار اليوم هو ربع النقطة. الأهم أنه يكشف اقتصادًا أمريكيًا تتصادم داخله أدوات كانت تبدو، في أوقات سابقة، وكأنها تعمل معًا. البيت الأبيض يريد المال الرخيص، الفيدرالي يريد السيطرة على التضخم، الخزانة تحتاج إلى تمويل دين متضخم، والأسواق تريد عائدًا يسوغ المخاطر. في الخارج تريد واشنطن الحفاظ على نفوذها، لكنها تستخدم أدوات تجعل ممارسة هذا النفوذ أكثر تكلفة، بينما تظهر في المقابل قوى تستطيع التأثير في بعض المتغيرات التي تتحرك داخل الحساب الأمريكي نفسه.
القوة الأمريكية ملا تزال كبيرة جدًا، ولا يوجد ما يسوغ الحديث عن انهيار قريب. لكن القوة شيء، والقدرة على تحمل كلفتها شيء آخر.
قد تكون هذه هي القصة الحقيقية التي تختبئ خلف ربع النقطة: واشنطن لا تزال تملك أدوات قوة استثنائية، لكنها بدأت تدفع ثمن استخدامها بوضوح أكبر، والأصعب أن بعض هذا الثمن لا يأتي من ضعف أدواتها، إنما من أن العالم الذي تستخدمها فيه لم يعد يتحرك بالكامل وفقًا لإيقاعها.