لطالما تردّد المثل العربي الشهير "أهل مكة أدرى بشعابها" على أنه قاعدة ذهبية في فقه العلاقات الدولية والدبلوماسية، ليدلل على أن القرب الجغرافي يمنح الجار إحاطة عميقة وبصيرة طبيعية بنية الدول المتجاورة الاجتماعية والسياسية والعسكرية. بيد أن مسار العلاقات المعقدة والممتدة بين المملكة العربية السعودية واليمن، لا سيما المحطات العسكرية الدامية بينهما، يضع هذا المفهوم الدبلوماسي التقليدي على محك اختبار حقيقي.
في ضوء انفجار جولات النزاع العنيف مجددًا، في العام 2026، وعودة لغة القصف الجوي المتبادل وتدابير الحصار لتعصف بالمنطقة، يبرز تساؤل جوهري يعيد تفكيك الحسابات الاستراتيجية لصنّاع القرار في الرياض: هل أهل مكة حقًا .. أدرى بشعابها؟
نقدم؛ هنا، استعراضًا تاريخيًا لحروب السعودية ضد اليمن :
العجز أمام صخرة الجغرافيا والإرادة
عند تفكيك التاريخ العسكري المشترك بين البلدين، يتضح جليًا أن التدخلات العسكرية السعودية في اليمن ليست وليدة الصدمة أو نتاج اللحظة الراهنة، هي امتداد لنهج تاريخي متجذر سعى على الدوام إلى إخضاع الجار الجنوبي، أو فرض الوصاية السياسية عليه، أو إبقائه في ضعف مستمر.
1- في العام 1934؛ كانت حرب السيطرة وتثبيت الحدود؛ حيث اندلعت الحرب بين المملكة السعودية الناشئة والمملكة المتوكلية اليمنية حول مناطق جيزان ونجران وعسير. على الرغم من التقدم العسكري السعودي الأولي والوصول إلى الساحل في منطقة "الحديدة"، إلا أن الرياض اصطدمت بالعجز الكامل عن التوغل في العمق الجبلي اليمني الوعر، وانتهت الحرب بتوقيع "معاهدة الطائف" بصفتها صيغة تسوية حدودية مؤقتة، من دون أن تنجح الرياض في إخضاع القرار السياسي اليمني أو كسر الإرادة القتالية لليمنيين.
2- في الأعوام 1962 – 1970؛ كان استنزاف الثورة ونظام الجمهورية؛ إذ عقب قيام ثورة 26 سبتمبر/أيلول وإعلان الجمهورية في اليمن، سارعت السعودية لضخ إمكانات ماليّة وعسكرية هائلة لدعم "الملكيين" بهدف إسقاط النظام الجديد، مدفوعة بهاجس خوفها من تمدد الفكر الجمهوري التحرري إلى شبه الجزيرة العربية. على الرغم من استنزاف اليمن خلال سنوات من الحرب الأهلية المدمرة، انتهت المواجهة بانتصار الإرادة الجمهورية، واضطرت السعودية مرغمة للاعتراف بالجمهورية اليمنية في العام 1970، ليفشل مخططها في إعادة الوصاية الملكية.
3- في العام 1994؛ كانت محاولة تفتيت الكيان الموحد؛ حيث حاولت الرياض استغلال أزمة انفصال الجنوب لإضعاف اليمن وتفكيكه كونها قوة إقليمية صاعدة بعد الوحدة. قدمت دعمًا ماليًا وسياسيًا هائلًا لقادة الانفصال، لكن الحسابات السعودية سقطت مجددًا بعدما حسمت صنعاء المعركة ميدانيًا، وفرضت الوحدة، ما شكّل صفعة قوية لسياسة الرياض الخارجية.
4- في الأعوام 2009 – 2010؛ كانت المواجهة المباشرة الأولى (الحرب السادسة)؛ حين دخلت السعودية عسكريًا بشكل مباشر للمرة الأولى في "صعدة" عقب مناوشات حدودية، وانتهت الحرب من دون تحقيق أي من أهدافها المعلنة بالقضاء على القوة الناشئة، فاضطرت للقبول بوقف إطلاق النار بعد تكبد قواتها البرية خسائر ميدانية وتكتيكية فادحة؛ أثبتت عدم جهوزيتها لحروب الجبال المعقدة.
5- في الأعوام 2015 – 2022؛ كانت "عملية عاصفة الحزم" وما تلاها؛ حين أطلقت السعودية تحالفًا عسكريًا واسعًا لإنهاء السيطرة على صنعاء. استمرت العمليات العسكرية والقصف والحصار سنوات، من دون تحقيق الحسم، حتى توقفت العمليات ودخلت المنطقة في هدنة في العام 2022 بعد تثبيت اليمنيين لمعادلات ردع قوية وعجز التحالف عن تحقيق أهدافه الأصلية.
تأسيسًا على هذا الرصد الممتد لقرن من الزمن، يتجلى الاستنتاج التاريخي الثابت بأن الحروب السعودية كلها باءت بالفشل؛ إذ لم تنجح في كسر الإرادة اليمنية، بدلًا من أن تُنتج استقرارًا على حدود المملكة، كانت ترتد عكسيًا لتثبت أن الحسابات العسكرية السعودية تسقط دائمًا أمام صخرة الجغرافيا الصعبة وتركيبة اليمنيين القتالية الفريدة.
رواية الرياض الرسمية وهاجس الأمن والملاحة
في المقابل؛ تبرز سردية المملكة العربية السعودية السياسية والعسكرية لتسويغ خياراتها الحالية في العام 2026. إذ تطرح الرياض أمام المجتمع الدولي خطابًا يرتكز على مفاهيم "الأمن القومي والدفاع الوقائي"، فبرأيها أن قرار قصف المطارات اليمنية ومنع الطائرات الإيرانية من الهبوط في مطار عدن أو صنعاء ينطلق من مخاوف مشروعة؛ لمنع تحويل الأجواء والمطارات اليمنية إلى قواعد إمداد عسكري لوجستي حية لـ"الحرس الثوري الإيراني". كما تشدد الرواية السعودية على أن تحركاتها العسكرية، بالتوازي مع عملية "فجر اليمن"، هي حماية لسيادتها وحدودها من جهة، ودفاع عن أمن الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة في البحر وضد التحريك الإيراني؛ من جهة أخرى.
التوقيت والدوافع .. التوظيف الأمريكي وتحييد الجبهة اليمنية
بيد أن تفكيك هذه السردية ومقارنتها بالوقائع الصلبة على الأرض يُسقط الحجة السعودية برمتها. على المستويين السياسي والعسكري، حافظ اليمنيون على التهدئة والتزموا ببنود الهدنة طوال السنوات الماضية، فلم يبادروا إلى ضرب العمق السعودي. هنا يتجسد المَثَل الشعبي بوضوح: "مَن أتى بالدب إلى الكرم؟"؛ فالوقائع تؤكد أن القيادة السعودية هي من خرقت الاستقرار حين بادرت بقصف منشآت حيوية لدعم عملية "فجر اليمن" الميدانية، ليكون رد الفعل اليمني باستهداف المطارات السعودية نتيجة حتمية ومباشرة لهذا الاعتداء من الرياض، وليس بإيعاز من أي طرف خارجي؛ فلو حافظت السعودية على الهدنة, لَمَا تعرض عمقها الاستراتيجي للخطر.
علاوة على ذلك؛ يثير توقيت التصعيد السعودي علامات استفهام كبرى حيال الخلفيات الحقيقية. إذ يربط التحليل السياسي والوقائع الميدانية هذه الخطوات مباشرة بمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الاستراتيجية العليا. إذ إن واشنطن ترى في استئناف الرحلات الجوية الدولية خطرًا يمنح اليمنيين القدرة على الانفتاح ومراكمة أوراق القوة، ما يجعلهم رقمًا صعبًا بوجه أمريكا وتل أبيب في صراع المحاور في البحر الأحمر.
لم يعد هذا الاستنتاج مجرد قراءة شخصية، لقد غدا حقيقة موثقة بأدلة ملموسة كشفتها كبريات وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الدولية، والتي أكدت وجود تنسيق واستقواء أمني واستخباراتي ثلاثي (أمريكي-سعودي-إسرائيلي). تجلى هذا التنسيق في محطات موثقة؛ بدءًا من تقارير شبكة كبريات القنوات الإخبارية عن وجود أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي للتخطيط للضربات ضد الحوثيين، مرورًا بكشف الصحف الدولية اجتماعات مغلقة برعاية القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في ألمانيا؛ حيث جمعت قادة عسكريين واستخباراتيين من أمريكا وإسرائيل والسعودية لبناء نظام راداري ودفاعي مشترك، وصولًا إلى تأكيدات المنصات الاستراتيجية بأن الاستخبارات الإسرائيلية تقدم مساعدة مباشرة للجانب السعودي لتحديث بنك الأهداف داخل اليمن لضرب المنصات الصاروخية. هذا التنسيق الثلاثي يبرهن على أن صانع القرار في الرياض انساق وراء الأهداف الغربية التي تسعى لـتحييد الجبهة اليمنية عن صراع المحاور، وتحويل الجهد اليمني إلى جبهة استنزاف حدودية تحمي المصالح والأساطيل الخارجية بالدرجة الأولى.
دروس الماضي والحاضر المعطلة.. حتمية التفاوض والمكابرة
أمام هذه المعطيات، يبرز السؤال الأهم عن غياب قراءة الرياض الواقعية: لماذا لم تتعلم الإدارة السياسية والعسكرية السعودية من دروس الماضي البعيد، أو حتى من دروس الحاضر القريب؟
لقد سقط من حسابات الرياض التقويم الدقيق لتنامي قدرات اليمنيين العسكرية والدفاعية، والتي تطورت بشكل مضطرد، في سلاح المسيرات والانقضاضيات والصواريخ الباليستية والذكية بعيدة المدى القادرة على اختراق المنظومات الدفاعية الأكثر تطورًا، واستهداف مطارات الممكلة الحيوية والعمق الاقتصادي والاستراتيجي.
إن هذا التغافل والاندفاع غير المحسوب سيكبّد السعودية، تلقائيًا، خسائر اقتصادية وعسكرية وأمنية هائلة، ويهدد بشكل مباشر "رؤيتها الاقتصادية الاستراتيجية" التي تعتمد بالكامل على الاستقرار الأمني لجذب الاستثمارات والسياحة.
في نهاية المطاف، ومهما طال أمد التصعيد وارتفع سقف القصف الجوي، فإن الحقائق الميدانية والسياسية تؤكد أن الخيار العسكري لن يحسم المعركة أبدًا، والرياض ستجد نفسها مجبرة، تحت وطأة الاستنزاف المستمر وضغط الخسائر، على الجلوس مجددًا إلى طاولة المفاوضات مع اليمنيين والاعتراف بالأمر الواقع، تمامًا كما حدث في جولات تفاوضية سابقة.
الحقيقة الميدانية التي فرضت نفسها
بناءً على ما تقدم من شواهد تاريخية واستقراء موضوعي للمشهد، على ما يبدو أن أهل مكة ليسوا أدرى بشعابها. الوقائع الميدانية والسياسية الراهنة في العام 2026 تثبت يومًا بعد آخر أن الكفة تميل استراتيجيًا لمصلحة اليمنيين الذين استطاعوا تحويل التهديد والحصار إلى فرصة لتطوير الترسانة وتثبيت معادلات ردع جديدة فرضت نفسها بقوة على أمن المطارات والمنشآت السعودية الحيوية. إن الاستمرار في قراءة قوة اليمن بالعقلية القديمة والانسياق الأعمى وراء الحسابات والتخطيطات الغربية والإسرائيلية المشتركة، والتي تبحث عن مصالحها الخاصة، لا يعكس فقط عدم دراية بشعاب وجغرافيا وتاريخ الجار الجنوبي وتعقيداته، يزج أيضا بالمملكة في دوامة استنزاف لا تنتهي، كان يمكن تفاديها لو قُرئ التاريخ بعين الحكمة والواقعية والاعتراف بحقوق أهل السياسية والسيادية.
أولًا- الوثائق والبيانات الرسمية الأممية والحكومية
1- البعثة الدبلوماسية للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة. (2026). الرسالة الرسمية الموجهة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي بشأن التدابير الوقائية وأمن الطاقة وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر. نيويورك: مجلس الأمن الدولي.
2- وزارة الدفاع اليمنية - المركز الإعلامي للقوات المسلحة. (2026). البيانات الميدانية الرسمية حول سير العمليات العسكرية المشتركة لعملية "فجر اليمن" في جبهات تعز، مأرب، والجوف. عدن.
ثانيًا- التقارير الاستخباراتية والمنصات الاستراتيجية المتخصصة
1- موقع أكسيوس الاستخباري (Axios). (سبتمبر 2026). تقرير خاص: قنوات التنسيق الأمني والتبادل الفوري للمعلومات الرادارية بين تل أبيب والرياض برعاية واشنطن. واشنطن العاصمة.
2- موقع شير بوست الاستراتيجي (ScheerPost). (أكتوبر 2026). دراسة تحليلية: دور مجتمع الاستخبارات الغربي والإسرائيلي في تحديث وتطوير بنك الأهداف البرية في جغرافيا اليمن. لوس أنجلوس.
ثالثًا: التغطيات الصحفية والتحقيقات الاستقصائية الدولية
1- صحيفة ذا جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post). (أكتوبر 2026). تسريبات عسكرية: تفاصيل الاجتماعات المغلقة للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في ألمانيا لبناء منظومة دفاع إقليمية مشتركة. القدس.
2- شبكة سي إن إن العالمية (CNN Middle East). (سبتمبر 2026). تحقيق استقصائي: غرف العمليات المشتركة ودور المستشارين العسكريين الأمريكيين في تقديم الدعم اللوجستي وتحديد الأهداف في العمق. واشنطن العاصمة.