عماد ياغي (صحيفة البناء)
لم يعد بالإمكان الحديث عن الأزمة اللبنانية من زاوية واحدة، فهي ليست أزمة مالية فقط، ولا سياسية فقط، ولا اجتماعية فقط، بل هي انهيار شامل لمجمل البنية التي قام عليها النظام منذ نهاية الحرب الأهلية. وكلّ محاولة لفهم ما حدث لا بدّ أن تبدأ من العلاقة المعقدة بين الفساد والانهيار: هل كان الفساد هو السبب المباشر الذي قاد لبنان إلى ما وصل إليه؟ أم أنّ الأزمة نفسها، بعد انفجارها، أنتجت أنماطاً جديدة من الفساد أكثر اتساعاً وعشوائية مما كان قائماً قبلها؟ هذه العلاقة الدائرية تجعل من الصعب تحديد نقطة البداية، لكنها تكشف عن حلقة جهنمية لا تزال تتحكم بمصير البلد حتى اليوم.
ورغم أنّ اللبنانيين اعتادوا سماع كلمة «فساد» حتى أصبحت جزءاً من القاموس اليومي، إلا أنّ موقع لبنان في المؤشرات الدولية يعيد تذكيرهم بالحقيقة القاسية بعيداً عن الشعارات. فبحسب تقرير «شفافية دولية»، سجّل لبنان 22 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد، وهو رقم يضعه في موقع متدنٍّ بين دول العالم. أما على مستوى الترتيب، فقد حلّ في المراتب 154 إلى 156 من أصل 180 دولة، وفقاً لاختلاف المصادر التي وثّقت نتائج العام نفسه. هذا التراجع لا يُقرأ كرقم مجرد، بل كمرآة لانهيار منظومة الرقابة والمحاسبة، ولتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة. إنه موقع لا يدعو للسخرية قدر ما يدعو للتأمل المرير: كيف تحوّل بلد بقدرات بشرية هائلة إلى نموذج تُدرّس عبره آليات الفشل المؤسسي في العالم؟
منذ مطلع التسعينيات، بُني لبنان على نموذج سياسي يقوم على المحاصصة بدل المؤسّسة. الدولة لم تُدار كمؤسسة وطنية، بل كعملية تقاسم بين القوى الطائفية. الوزارات صارت حصصاً، والإدارات تحوّلت إلى مناطق نفوذ، والمشاريع العامة إلى مورد تمويل للزعيم لا لخزينة الدولة. وفي ظلّ غياب أيّ مساءلة حقيقية، نشأت طبقة سياسية ـ إدارية تملك القدرة على التحكم بكلّ مسار إداري أو مالي، فيما تمّت محاصرة مؤسسات الرقابة والقضاء وتحويلها إلى أدوات تابعة لمن يفترض أن تخضعهم للمحاسبة. بهذه الطريقة، نشأ فساد هيكلي، منظّم، تحرسه السياسة ويغذّيه النظام نفسه.
ومع الوقت، لم يعد الفساد مجرد ممارسة فردية أو حالات معزولة، بل صار جزءاً من آلية الحكم. وكلّ صفقة كانت تتمّ تحت عنوان “التوافق”، وكلّ مشروع كان يمرّ بشرط “الحصة”، وكلّ قرار كان يأتي وفق قاعدة “مَن يأخذ ماذا؟” بينما كانت المالية العامة تنهار ببطء، كان البلد يغرق أكثر في الدَّين العام، والسلطة تواصل الإنفاق بلا حدود، والمصارف تقدّم القروض بفوائد مغرية اعتقاداً أنّ الدولة لا تسقط، وأنّ الليرة ثابتة إلى الأبد. هكذا، وبلا أيّ مفاجأة، اكتمل بناء نموذج هشّ قام على الوهم أكثر مما قام على الواقع.
غير أنّ لحظة الانهيار في عام 2019 لم تغيّر المسار كما توقّع كثيرون، ولم تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاح. على العكس، انفجار الأزمة لم يُسقط فقط النظام المالي، بل أسقط معه شكل الفساد القديم وأفسح المجال لولادة أشكال أكثر فوضوية واتساعاً. ففي دولة فقدت مؤسّساتها القدرة على ضبط السوق، وتراجعت فيها قوة العملة، وبات راتب الموظف لا يساوي ثمن فاتورة كهرباء خاصة، نشأ نوع جديد من الفساد: فساد الحاجة لا فساد الرفاه.
صار الموظف الذي كان يرفض سابقاً أي تجاوز، يلجأ اليوم لطلب مبلغ ليتمكن من الوصول إلى عمله أو تأمين دواء لأولاده. وأصبح المواطن الذي كان يطالب بالدولة القوية، يبحث عن أيّ وسيلة غير قانونية لتخفيض فاتورة أو الحصول على مساعدة. وتحوّل التاجر العادي إلى لاعب في سوق تسيّره الفوضى، يجرّب الأسعار كما يشاء، ويخزّن السلع لرفع ثمنها، ويتعامل بأيّ عملة متاحة. وهكذا تمدّد الفساد من الطبقة السياسية إلى المجتمع نفسه، لا لأنّ اللبناني فاسد بطبيعته، بل لأنّ الانهيار حوّل القواعد الأخلاقية إلى رفاهية لا يمتلكها كثيرون.
ومع تراجع دور الدولة، ظهرت اقتصاديات ظلّ موازية، باتت في سنوات قليلة أقوى من الاقتصاد الرسمي. تجارة العملة صارت أكثر ربحاً من أيّ قطاع منتج، والتهريب أصبح مؤسسة قائمة بذاتها، وتوزيع الخدمات الأساسية تحوّل إلى سوق خاص: كهرباء بديلة، مياه بديلة، أدوية بديلة. هذه الاقتصاديات لم تكن ممكنة لولا الانهيار، الذي فتح الباب لشبكات مصالح جديدة تستفيد من الفوضى وتعيق أي محاولة لإعادة بناء الدولة.
وفي غياب الثقة، وهي العنصر الأخطر في المشهد اللبناني، تحوّلت أزمة الفساد إلى أزمة وجود. المواطن لم يعد يثق بمؤسسات الدولة ولا بوعود السياسيين ولا بخطط الإنقاذ، ولا حتى بالقضاء أو بإمكان الوصول إلى عدالة حقيقية. والمودعون فقدوا ثقتهم بالمصارف وبالليرة وبالمنظومة المالية كلها. وعندما تنهار الثقة، يصبح أي إصلاح مهما كان منطقياً، عرضة للشك والرفض، لأنّ الناس باتوا مقتنعين بأنّ كلّ خطوة تحمل وراءها نية خفية أو مصلحة ضيقة.
هنا، يولد سؤال جديد: لماذا لا تستطيع الدولة كسر هذه الحلقة؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط بواقع أنّ النظام نفسه مبنيّ بطريقة تمنع الإصلاح. فكلّ تغيير يتطلب توافقاً بين قوى لا تتفق إلا على تقاسم الحصص، وكلّ خطوة إصلاحية تُقارَب بمنطق “من يربح ومن يخسر”. ومع تضارب المصالح، تصبح القوى المستفيدة من الانهيار أكثر تأثيراً من تلك التي تريده أن ينتهي. فهناك من يربح من اقتصاد التهريب، ومن ارتفاع سعر الدولار، ومن بيع السلع نقداً، ومن غياب الرقابة. وهذه الفئات ليست صغيرة، ولا ضعيفة، ولا بلا نفوذ.
وهكذا يجد لبنان نفسه عالقاً في مفارقة مؤلمة: الفساد القديم دمّر الدولة، والفساد الجديد يمنعها من النهوض. الفساد الأول كان منظماً تحكمه الطبقة السياسية، أما الفساد الثاني فهو عشوائي يشارك فيه المجتمع مرغَماً. الأول أسقط المؤسسات، والثاني يمنع إعادة بنائها. الأول صنع الأزمة، والثاني يصنع استمرارها.
لكن رغم هذا المشهد القاتم، يبقى سؤال الأمل مطروحاً: هل يمكن للبنان أن يخرج من هذه الدائرة المغلقة؟ نعم، لكن ليس عبر حلول سريعة أو شعارات. يحتاج البلد إلى إرادة سياسية تتعامل مع الدولة كمؤسسة لا كغنيمة، وإلى إعادة بناء الثقة عبر قضاء مستقلّ وشفاف، وإلى اقتصاد واقعي يعتمد الإنتاج لا الاستدانة، وإلى سلطة تتعامل مع المواطن بوصفه شريكاً لا تابعاً.
في النهاية، يصبح السؤال «أيهما أولاً: الفساد أم الأزمة؟» أقلّ أهمية من السؤال الأكبر: «كيف نكسر العلاقة بينهما؟». فلبنان اليوم يعيش بين فسادين، فسادٌ صنعه النظام السياسي، وفسادٌ صنعته الفوضى. وما لم يُكسر أحدهما، سيبقى البلد أسير حلقة تبدأ بالانهيار وتنتهي بفساد جديد، ثم تبدأ من جديد. الخيار اليوم واضح: إما إعادة بناء الدولة من جذورها على أساس العدالة والشفافية، وإما استمرار الدوران في زمن لا يشبه إلا السقوط المستمر. بين هذين الخيارين، يتقرّر مصير لبنان لسنوات طويلة آتية…