اوراق مختارة

عن يوميات الجنوبيين تحت المُسيّرات

post-img

صفاء صلال (صحيفة الأخبار)

في جنوب لبنان، تحديداً في النبطية ومحيطها، تتناوب الطائرات المُسيّرة على استباحة الأجواء، فلا يغيب طنينها عن مسامع الجنوبيين إلّا لساعات معدودة. «كنا نبدأ صباحنا بالاستماع إلى أمّ زياد (فيروز)، ولكننا اليوم نحتسي قهوة الصباح على أنغام أمّ كامل»، تقول نور. ورغم أن هذه المُسيّرات لم تعد نفسها «أم كامل» (الاسم الذي أطلقه اللبنانيون على طائرة الاستطلاع «MK»)، وصارت هناك «تشكيلة» واسعة من الطائرات من دون طيار المتطورة، والمختلفة بأشكالها وأحجامها ووظائفها التي تجاوزت الاستطلاع والمراقبة إلى القتل المباشر والحرب النفسية، غير أن اسم «أم كامل» طُبع في رأس بعض الجنوبيين، خصوصاً من الجيل القديم.

تختلف التسميات التي يطلقها الجنوبيون على المُسيّرات بين: المُسيّرة، و«الدرون»، «أم كامل» و«الزنانة»، وتحيل كلها إلى «الجارة الثقيلة» نفسها التي لا تفارقهم، تلاحقهم، وتتعدّى على خصوصياتهم، وتنتهك حرمة منازلهم، وأحياناً تخاطبهم وتحرّضهم على المقاومة، وكثيراً ما تسفك دماءهم وتزهق أرواحهم.

ولأنها تخترق الأجواء اللبنانية منذ عامين، ولا تترك وقتاً للراحة إلّا ما ندر، باتت المُسيّرات وصوتها المزعج حالة لبنانية عامة، الحصة الكبرى منها للجنوب. وصار صوتها عالقاً في آذانهم، يبدأون به نهارهم وينهونه، ويرافقهم في مشاويرهم وجمعاتهم وتفاصيل يومهم.
تنظر نور إلى السماء فلا تجد المُسيّرة، فتتوقف برهة عن الكلام، وتدقّق في السمع، ثم تقول بغرابة: «لا يوجد صوت للمُسيّرة، يبدو أنها غابت». تعود للحديث، ثم تصرخ فجأة: «رجعت». ومثل نور يراقب أبناء الجنوب مواعيد «الجارة الثقيلة» وآخر إصداراتها ومزاياها. يقول أحمد إنه «في المساء تتبدّل المناوبات بين أنواع مختلفة من الطائرات بلا طيار، في الصباح تُصدِر أزيزاً متواصلاً، وفي الليل تضيء السماء من دون صوت».

يعبّر الجنوبيون عن انزعاجهم من صوت المُسيّرة الذي يرافقهم طيلة يومهم، وتشبهه إحداهن بـ«قفير نحل يكاد يصم الآذان». يحاول البعض منهم أن يسكتها، خاصة عن مسامع الأولاد. فاطمة في دير كيفا (قضاء صور)، مثلاً، كانت تستعين بالمروحة والغسالة لتغطّي صوت المُسيّرة صيفاً، ومع قدوم الشتاء، «يبدو أنّي سأستعيض عن المروحة بالهوفر»، تقول ضاحكة.

وعدا صوتها المزعج، يشعر الجنوبيون بأن كل حركة من تحركاتهم مُراقبة وخصوصياتهم مُنتهكة. وعليه، كيّفوا حياتهم مع فكرة أنهم يقبعون تحت مجهر العدو. ومثلما ازداد وعي بعضهم نسبياً حول ما تشكّله أجهزة الموبايل من آذان للعدو بينهم، فتوقفوا عن تبادل «الأحاديث الحساسة» عبر الهاتف، وباتوا يتركون هواتفهم في غرف أخرى بعيدة عن مكان جلوسهم، حتى لا يعطوا أي معلومة للعدو، يزداد وعي كثيرين حول المُسيّرات، وما تشكّله من عين للعدو تلازم السماء لمراقبتهم. ومن دون قصد، صارت نساء جنوبيات يتقيّدن أكثر بالحجاب أمام الدار أو على الشرفة ويعدّلن في طريقة جلوسهن، على قاعدة أنه «إذا كنا نعرف من يسكن قبالنا، فنحن لا نعرف من ينظر إلينا من الأعلى»، كما تقول أم صادق (50 عاماً).

كذلك، يتجنّب أهالي الجنوب التحركات التي قد تسيء فهمها المُسيّرات. وهذا ما فعله محمد أثناء زيارته لبلدته مركبا قبل أشهر ليأخذ بعض الأغراض التي لا تزال جيدة. وصل إلى الغرفة الخلفية في منزله المُهدّم، فـ«لاحقتني المُسيّرة، وراحت تنخفض إلى مستوى رأسي، وظلّت تلازمني حتى خرجت من القرية، ومن دون أن أحمل أيّ شيء من الأغراض».

والنقطة الأهم في وصف المُسيّرات هي أنها تحوّلت إلى «عزرائيل متنقّل» يحصد أرواح الجنوبيين في مشهد يومي ضاغط نفسياً يكرّسه الاحتلال، وسط تصاعد في نوعية الاستهدافات أخيراً، وقتل المدنيين. هكذا، لم تعد «الزنانة» مادة للنكتة والتسلية، يُلوِّح لها الجنوبيون من بعيد، ويسخرون منها. بل مصدر قلق وتوتر. وهذه تماماً سياسة مقصودة يعتمدها العدو في إطار الحملة النفسية لتهجير الجنوبيين. كما لو أنه يقول لهم: «نحن هنا ولم نغادر الجنوب»، «اشعروا بالخطر»، «الحرب مستمرة»... ولأنه لا أحد يمكنه أن يتكيّف مع هذا الواقع، «كلّما حلّقت طائرة في المكان نفسه لبعض الوقت»، لا يقول الجنوبيون سوى: «الله يستر».

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد