اوراق مختارة

لبنان بين ضياع الأرض والثروات والتحكّم بالقرارات

post-img

ابراهيم مصطفى (صحيفة البناء)

لبنان اليوم يشبه صفحةً تمزّقت أطرافها: أرضٌ تتراجع كأنّها تخجل من أهلها، وثرواتٌ تُستنزف كما لو أنّها غنائم في زمن الفوضى، وقرارٌ وطني يتنازع عليه الداخل والخارج، فيما تقف المقاومة وسط المشهد، ثقيلة الحضور، لا يمكن تجاهلها مهما اختلفت القراءات…

الأرض في هذا الوطن لم تكن يوماً مجرد حدود تُرسم بالحبر؛ إنها ذاكرةُ احتلالٍ ووجعٍ ودمٍ، وحين ظهر الخطر كان حضور المقاومة جزءاً من معادلة الردع التي منعت الذئاب من التهام ما تبقّى من السيادة… غير أنّ هذا الحضور نفسه صار مادة جدل لا يهدأ: هناك من يراه درعاً، وهناك من يراه قيداً، وهناك من يخاف أن يبقى السلاح ظلّاً أطول من ظلّ الدولة…

أما الثروات، فحكايتها أقرب إلى كنزٍ يراه الجميع ولا يلمسه أحد، فالبحر يَعِد بالغنى، والناس يغرقون في الفقر… وفي قلب هذا الملف الحساس، أصبحت المقاومة أيضاً لاعباً في مفاوضات الحدود والغاز، فتارة تُعتبر قوة ضغط تحمي الحقوق، وتارة يُنظر إليها كعامل يزيد التعقيد تعقيداً، بينما المواطن ينتظر معجزةً تُعيد إليه شيئاً من الكرامة الاقتصادية…

القرار الوطني، هو الآخر، لم يعد قراراً واحداً. إنه طاولة مزدحمة بالأيادي، لكلّ طرفٍ فيها أجندة وهمسٌ خارجي. وفي هذه الزحمة، بات وجود المقاومة عنصراً لا يمكن تحييده: قوة صنعت توازنات على الحدود، لكنها في الداخل تفتح باب الأسئلة حول الدولة والشراكة والسيادة. أسئلة مشروعة، لكنها كشرارةٍ يمكن أن تشعل هشيم البلاد في أي لحظة…

ومع كل هذا التداخل، يبقى لبنان قادراً على صياغة مستقبلٍ أقل تشظّياً. فلا خلاص بالإنكار ولا بالتقديس، ولا بقيام دولةٍ منقوصة أو مقاومة خارج النقاش الوطني… الرؤية التي يحتاجها البلد هي تلك التي تُعيد ترتيب العلاقة بين مكوّناته بميزان دولة لا بميزان أشخاص، وتضع كل قوة في مكانها الطبيعي داخل مشروع سيادي واحد لا مشاريع متوازية…

هذا الوطن، رغم تعب السنين، ما زال يملك القدرة على النهوض. يكفي أن تعود الكلمة إلى موضعها الصحيح، وأن يُستعاد القرار من ضجيج القنوات الجانبية إلى يدٍ واحدة… يد الوطن. وحين يحدث ذلك، سيكتشف لبنان أنه لم يفقد ضوءه قط، بل كان الغبار كثيفاً لا أكثر…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد