يقدّم كتاب "1929" نظرة من الداخل على أكبر انهيار في تاريخ وول ستريت - وكيف حطم أمة"، " 1929: Inside the Greatest Crash in Wall Street History – and How It Shattered a Nation لأندرو روس سوركين قراءة تتجاوز الوقائع الاقتصادية لتطرح أسئلة فكرية حول طبيعة السلوك الجماعي في أوقات الازدهار والثقة المفرطة. الكتاب يتعدى سرد الانهيار المالي في وول ستريت، إلى تتبع المزاج الثقافي والفكري الذي مهّد له، ويفتح المجال لفهم كيف تتحول القناعات الجماعية إلى مسلّماتٍ صعبة المساءلة.
يعيد روس سوركين القارئ إلى عشرينيات القرن الماضي كمرحلة ثقافية قبل أن تكون فترة مالية، حين اعتقد المجتمع الأميركي أنه دخل عصرًا جديدًا تجاوز فيه تقلب الأسواق والمخاطر. أصبحت الأسواق مرآة للثقة الوطنية، وتراجع الصوت التحذيري لمصلحة سرديةٍ جماعية ترى الاستمرار دليلًا على الصحة. هذا المناخ الفكري كان نتيجة قناعةٍ راسخة بأن التجربة الإنسانية تجاوزت أخطاء الماضي، وأن القدرة على احتواء الأزمات مضمونة.
الكتاب يستند إلى أرشيف واسعٍ يشمل اليوميات والرسائل ومذكراتٍ غير منشورة، ومحاضر الاجتماعات، والتغطيات الصحافية المعاصرة، ما يسمح بإعادة بناء الحدث من الداخل. عبر هذا التوثيق، يظهر كيف تدرّجت الممارسات والمعتقدات لتتحول إلى أوهام جماعيةٍ، وكيف ساهمت تصورات أصحاب النفوذ في صناعة مسار انتهى إلى الانهيار.
المراجعات الصادرة عن صحيفتي "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" الأميركيتين و"فاينانشال تايمز" و"ذا غارديان" البريطانيتين، أشارت إلى أن هذا العمق التوثيقي يمنح الكتاب قيمة فكرية تتجاوز التاريخ الاقتصادي، ويجعله دراسة في الذهنيات الجمعية أكثر من كونه سردًا لانهيارٍ ماليٍّ محدد.
يمتد أثر ما يصوره روس سوركين إلى ما هو أبعد من الانهيار المالي ذاته، إذ يعرض كيف يمكن للثقافة الجماعية والروايات المتداولة عن النجاح المستمر أن تشكّل قرارات الأفراد والمؤسسات. في عشرينيات القرن الماضي، كانت وسائل الإعلام، والإعلانات، والمنتجات الاستهلاكية الجديدة مثل أجهزة الراديو والسيارات تعكس روح التفاؤل وتشكّلت حولها تصوراتٌ واسعة عن ازدهار دائم. روس سوركين يوضح كيف أسهمت هذه الدينامية في ترسيخ افتراضات غير محلّلة لدى المستثمرين وأصحاب القرار، وكيف تحولت الثقة المفرطة إلى أرضٍ خصبة للمجازفة الجماعية.
المراجعات قالت إن هذا البعد الفكري يجعل الكتاب ذا صلة بالحاضر، إذ تعيد الوقائع والأرشيف إلى سؤال أساسي، مفاده كيف يمكن للتصورات الجماعية عن النجاح والمستقبل أن تعيد إنتاج أخطاء الماضي، حتى مع تغير الأدوات والأسواق؟ يمكن ربط هذا الدرس التاريخي بتجارب معاصرة في حياة المجتمعات الحديثة، حيث يظهر أثر الاعتماد المفرط على الثقة في الأنظمة المستقرة.
في أوروبا، على سبيل المثال، أدت أعطال متكررة في الكهرباء وشبكات الاتصالات، وتأخر القطارات، وتعطل أنظمة المستشفيات والمدارس، إلى خلق شعور واسع بانعدام اليقين. هذه الأحداث التقنية، رغم أنها فردية، تتراكم لتشكّل تجربةً جماعيةً جديدة للعيش في مجتمعات اعتادت على الاستمرارية والكفاءة. كما يوضح روس سوركين بالنسبة لعشرينيات القرن الماضي، فإن الاعتماد على اليقين وثقافة الثقة المفرطة يمكن أن يهيمن على السلوك الفردي والجماعي ويعيد إنتاج نفسية الخطر الجماعي، رغم اختلاف الزمان والأدوات.
التركيز على البعد الإنساني للكتاب يتم عبر تتبع أصحاب القرار والنفوذ، وليس عبر سرد أعداد الضحايا. يظهر الكتاب كيف ساهمت تصورات هؤلاء للأحداث في صناعة مسار انتهى إلى الانهيار، ويطرح الخيار مسألةً نظامية وفكرية بدلًا من كونه أخطاء فردية. هذا الربط الذكي بين الماضي والحاضر يبيّن كيف يمكن لثقافة الثقة المفرطة والاعتقاد بأن المستقبل مضمون أن تهيمن على قرارات جماعية في مختلف المجالات، من التكنولوجيا إلى المؤسسات الحديثة.
صدر الكتاب عن "دار فيكينغ / بنغوين راندوم هاوس" في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ويقدم من خلال أرشيف واسع وحكايات دقيقة لمجموعة من الشخصيات المؤثرة في وول ستريت، من بينها تشارلز ميتشل، رئيس بنك ناشيونال سيتي (المعروف اليوم باسم سيتي بنك)، وتوماس لامونت، شريك بارز في بنك جي بي مورغان، وجوني راسكوب، التنفيذي السابق في شركتي دوبونت وجنرال موتورز، بالإضافة إلى رؤى عن شخصيات عامة مثل الرئيسين الأميركيين كالفن كوليدج وهربرت هوفر. هذه الأمثلة تعزز فهم كيف أن الذهنيات الجمعية والقرارات المرتبطة بالثقة والنجاح يمكن أن تتحكم في مسار الأحداث، سواء في الماضي أو في الحاضر