اوراق خاصة

وزارة الطاقة بين وعود القوات والواقع المظلم: الكهرباء مقطوعة!

post-img

محمد باقر ياسين

منذ تسلّم فريق سياسي جديد (القوات اللبنانية) وزارة الطاقة، عاد ملف الكهرباء إلى واجهة الجدل في الساحة اللبنانية، محمّلًا بوعود سابقة بتأمين التغذية 24/24 خلال فترة قصيرة، وبخطاب سياسي وإعلامي يؤكد حدوث "تحسّن" في الخدمة. إلا أن الواقع الميداني، كما تعكسه ساعات التغذية الفعلية، وارتفاع الفواتير، وتصاعد الاعتراضات الشعبية والإعلامية، يرسم صورة مغايرة تمامًا.

بين انتقادات صحافية مباشرة، واعتراضات على قانونية الجباية من دون خدمة، وتناقض الأرقام المعلنة مع ما يعيشه المواطن يوميًا، تتراكم الأسئلة حول أداء الوزارة الحالية، وحدود مسؤوليتها، وما إذا كانت الإنجازات المعلنة ثمرة عمل راهن أم نتيجة مسارات سابقة لا تزال قائمة.

انتقادات إعلامية لأداء وزير الطاقة 

خلال مقابلة تلفزيونية، وجّه رئيس تحرير موقع MTV داني حدّاد انتقادات حادّة لأداء وزارة الطاقة، محمّلًا حزب القوات اللبنانية مسؤولية الفشل في إدارة الملف، ومعتبرًا أن الاستمرار في تغطية الوزير جو صدي لم يعد مبرَّرًا.

وتركّز الانتقاد على صمت الوزير وامتناعه عن تقديم أي شرح أو إجابة عن واقع الكهرباء، رغم الأسئلة المباشرة التي طُرحت عليه من صحافيين، ما عزّز الانطباع بغياب الشفافية والمساءلة.

جباية بلا خدمة: إشكالية قانونية في فواتير الكهرباء والمياه

تحت عنوان: "بين الفواتير المنتفخة والانقطاع المستمر… هل يمكن مقاضاة مؤسستي الكهرباء والمياه؟"، طرحت صحيفة "النهار" مسألة الجباية من دون تأمين الخدمة كقضية قانونية واضحة.

وخلص الطرح إلى أن "استيفاء الرسوم من المواطنين دون توفير خدمة فعلية يُعدّ مخالفة صريحة لمبادئ القانون الإداري اللبناني، لا سيّما مبدأ "المنفعة مقابل الرسم"، ما يفتح الباب نظريًا أمام إمكان الملاحقة القانونية".

اعتراضات شعبية على ارتفاع الفواتير وتراجع التغذية

سُجّلت خلال الأشهر الماضية اعتراضات متكرّرة لمواطنين في عدد من المناطق اللبنانية، من بينها عكّار، طرابلس، البقاع، والجنوب، احتجاجًا على ارتفاع الفواتير الكهربائية في مقابل تراجع ساعات التغذية.

وتُظهر هذه الاعتراضات أن الأزمة شاملة وعابرة للمناطق والطوائف، وترتبط مباشرة بالسياسات المعتمدة في الجباية والتغذية.

التغذية الفعلية بالأرقام: تفنيد ادعاء "تحسّن الكهرباء 15%"

في تقرير لقناة OTV بعنوان "لبنان يدخل العتمة مع خروج معمل دير عمار من الخدمة"، جرى توثيق واقع التغذية الكهربائية التي تتراوح بين حد أقصى 4 ساعات يوميًا، وتنخفض إلى ساعتين أو عتمة شاملة في فترات الأزمات.

وبناءً على أرقام التغذية السابقة (نحو 10 ساعات يوميًا)، فإن أي تحسّن بنسبة 15% يفترض أن يرفع التغذية إلى ما يقارب 11.5 ساعة يوميًا، وهو ما لا يلمسه أي مواطن لبناني، ما يُسقط عمليًا مصداقية هذا الادعاء.

اتهامات بالفساد وسوء الإدارة: ملف المناقصات وتوقف المعامل

نقل موقع Lebanon Debate تصريحات للمهندس فوزي مشلب، اتهم فيها وزارة الطاقة بـ"التلاعب بحق اللبنانيين" في ملف الكهرباء، كاشفًا أن معمل الزوق متوقف عن العمل بسبب نفاد الفيول أويل.

وأشار مشلب إلى تعديل طرأ في آخر يوم عمل على مناقصة بتاريخ 18-11-2025، شمل تغيير مواعيد تسليم البواخر، ما أدّى إلى اعتراض أحد العارضين وإحالة الملف إلى مجلس شورى الدولة، معتبرًا أن ما جرى لا يخرج عن إطار "الغباء أو الفساد".

القوات اللبنانية .. من الوعود إلى تبرير العجز

قبل تسلّم الوزارة، وعد رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوات اللبنانية شارل جبور حرفيًا: "إذا تسلم وزير من القوات اللبنانية وزارة الطاقة، فإنهم سيؤمنون الكهرباء 24/24 خلال سنة إلى سنة ونصف، مؤكداً أن هذا وعد وقادرون على تحقيقه"، فيما تراجع الواقع بعد ذلك إلى 4 ساعات يوميًا كحد أقصى.

أما رئيس حزب القوات سمير جعجع، فخرج للدفاع عن الوزير واصفًا الحملة الإعلامية ضده بأنها حملة سياسية من إعلام محور الممانعة، تستغلّ التزام الأخير الصمت، غالبًا، كما تقصيره في التعبير، وهو ما يدحض زعمه التقارير التي أوردناها أعلاه من صحف ومواقع مقربة من حزبه (كقناة MTV وصحيفة النهار)،  كما حمّل المسؤولية للوزارات السابقة، وما أسماه "فساد وزراء الممانعة المتعاقبين"، و"عجز الدولة عن إعطاء ضمانة سيادية، ورفض أي دولة تقديم مساعدة قبل إنجاز ملف حصريّة السلاح"، مع التمسك بادعائه أن "التغذية الكهربائيّة تحسّنت بنسبة بلغت 15%"، وهو ما يتناقض مع الوقائع الميدانية والأرقام المدعومة بالمصادر الإعلامية السابقة.

النفط العراقي: استمرارية قائمة منذ 2021 لا إنجاز مستجد

تعود اتفاقية تزويد لبنان بزيت الوقود العراقي إلى عام 2021، بمبادرة من رئيس مجلس النواب نبيه بري ومباركة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وجاءت كحل بديل عن الدفع بالدولار.

وقد تم تمديد الاتفاق أكثر من مرة، آخرها في مارس 2025 ثم في يناير 2026، ما يؤكد أن استمرار التغذية الجزئية الحالية هو نتاج هذا المسار السابق، لا نتيجة سياسات جديدة اعتمدتها الوزارة الحالية، مع الإقرار بوجود عراقيل تقنية ولوجستية خارجة عن القرار اللبناني المباشر، مثل تأخر الشحنات نتيجة العواصف وظروف النقل.

ويتبين مما سبق، أن الوقائع تُظهر ما يشهده قطاع الكهرباء اليوم من حدّ أدنى في التغذية لا يمكن فصله عن مسارات واتفاقيات أُنجزت في مراحل وزارية سابقة، وعلى رأسها اتفاقية النفط العراقي التي ما زالت تؤمّن استمرارية جزئية للتيار. في المقابل، فإن ما يُسجَّل كنتاج مباشر لأداء الوزارة الحالية ينعكس بشكل أساسي على جيب المواطن، عبر فواتير متصاعدة تُجبى من دون حصوله على خدمة مستقرة أو عادلة.

وبين الوعود البراقة غير المتحققة، والدفاع السياسي عن الفشل، يبقى المواطن اللبناني الطرف الوحيد الذي يعيش الواقع المرّ ويدفع ثمن الكهرباء مرتين: مرة عبر الجباية الرسمية، ومرة عبر تحمل تكاليف إضافية ليبعد عنه شبح العتمة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد