مروة جردي/جريدة الأخبار
تكشف موجة التعاطف التي ظهرت في الفضاء الرقمي المصري مع إيران خلال الحرب الجارية عن طبقة أعمق من العلاقة بين الشعبين. بعيدًا من التوترات السياسية الرسمية، تستحضر الذاكرة المصرية تاريخًا مشتركًا ورموزًا ثقافية ودينية تجعل طهران أقرب في الوجدان الشعبي، خصوصًا حين يكون الصراع مع «إسرائيل»
«يا إيران يا ملوك النووي، إنتوا زعيمكم من قدّيه، شايف كلب الغرب «يهودي» (صهيوني)، ما أكيد متكتفه إيديه». بهذه العبارات غنّت مجموعة من الشباب المصري لإيران في فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي. ليست المسألة سياسية فقط. ما بين المصريين وإيران المقاومة، المقاوِمة حصرًا، علاقة تطول، وكذلك ما بين الإيرانيين والمصريين، تاريخ من الإعجاب والود، لم تكن بدايته مع العلاقة الفارسية المصرية خلال فترة محمد علي، ولن تكون نهايته بالتأكيد مع حالة الود والتفاعل الجميل الذي نشهده كلّنا اليوم على منصّات التواصل الاجتماعي.
تعود العلاقات بين مصر وإيران إلى محطات سياسية وشخصية متشابكة، تبدأ من علاقة المصاهرة التي جمعت العائلتين الملكيتين في عهد الملك فاروق، ثم الصداقة الوثيقة التي ربطت شاه إيران محمد رضا بهلوي بالرئيس المصري أنور السادات، الذي استقبله في القاهرة بعد سقوط حكمه عام 1979، حيث دُفن لاحقًا. لكنّ روابط مصر وإيران، بالتأكيد، لا تقتصر على علاقات المصاهرة على مستوى الدولة.
حتى مع افتراق السياسات، لم تُلغِ المسافات السياسية، تقاربًا واضحًا على مستوى المزاج الشعبي، الذي ميّز في مصر، أقلّه، بين احترام الدولة ومواقفها الرسمية، وبين موقفه الثقافي المتقارب مع كل مَن يرفض التطبيع مع «إسرائيل».
هذا التمايز بين الرسمي والشعبي يقدّم مفتاحًا لفهم جانب من التفاعل المصري مع الحرب الحالية، إذ تميل تعليقات واسعة في الفضاء الرقمي المصري إلى إبداء تعاطف مع إيران، والنظر إلى المواجهة الجارية بوصفها صراعًا مع «إسرائيل» وحلفائها، أكثر منها امتدادًا لخلافات إقليمية تقليدية.
من العدوان الثلاثي إلى الثنائي... العدو واحد
«منولد منكرههم». بهذه العبارة لخّص أحد التعليقات المصرية على منصات التواصل الاجتماعي الموقف الشعبي من «إسرائيل». مع اندلاع الحرب الجارية، استعاد كثير من المحللين والناشطين المصريين ذاكرة العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، في مقارنة بين ذلك الهجوم وما تتعرّض له إيران اليوم من عدوان إسرائيلي ـــ أميركي.
بين استدعاء التاريخ واستحضار الأمثال الشعبية مثل «العِبرة في الخواتيم»، يعبّر بعض المعلقين عن اعتقاد بأنّ نتائج الحروب لا تُقاس بحجم الدمار الذي تخلّفه، بل بمصير القوى المعتدية في نهايتها، خصوصًا عندما يكون الاستهداف موجهًا ضد دولة يُنظر إليها باعتبارها تقف في مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.
في السياق نفسه، أعاد بعض الحسابات المصرية تداول أبيات للشاعر هشام الجخ يعبّر فيها عن النظرة الشعبية المصرية تجاه «إسرائيل»، إذ يقول: «وكنّا محض أطفال تحركنا مشاعرنا... ونسرحُ في الحكايات التي تروي بطولتنا... وأن بلادنا تمتد من أقصى إلى أقصى... وأن حروبنا كانت لأجل المسجد الأقصى... وأن عدونا صهيون شيطان له ذيل». أبيات تبيّن بوضوح سلامة البوصلة المصرية تجاه العدو الدائم. من مقاطع الفيديو التي حققت انتشارًا واسعًا أيضًا، تسجيل لمجموعة من المنشدين في مدينة أسوان يغنون دعمًا لإيران بكلمات تقول: «رجال غزة بيكم تفرح… بصواريخ إيران نتفاجئ… وكلامهم جد ما هو هزار».
في المقابل، كانت مصر قد تعرّضت في السنوات الأخيرة لهجمة إعلامية من بعض وسائل الإعلام في السعودية عقب استئناف علاقاتها مع إيران بعد عقود من القطيعة. علمًا أنّ عودة العلاقات المصرية ــ الإيرانية جاءت في سياق إقليمي أوسع، تزامن مع استئناف العلاقات بين الرياض وطهران أيضًا.
من الناصرية إلى الخمينية
دائمًا ما تمتّع الخليج العربي بعلاقة جيدة مع إيران الشاهية. وصف الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل إيران الشاهية آنذاك بـ «شرطي الخليج». بفضل علاقته مع الولايات المتحدة، كان الشاه قادرًا على الفعل والتدخل حيث يشاء، حتى إنّه - بطلب من كيسنجر - كان الضامن لعدم تعرض السادات لأي تهديد أو إزعاج من العراق أو الخليج. لكن موقف مصر من النظام الإيراني تغيّر بعد انتصار الثورة الإسلامية.
كانت إسرائيل أحد أسباب القطيعة بين البلدين. بُعيد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، قطع قائدها روح الله الخميني العلاقات مع مصر السادات، احتجاجًا على اتفاقية كامب دايفيد وعلى وجود السفارة الإسرائيلية في القاهرة. كانت تلك اللحظة فارقة، إذ أعادت إلى الأذهان، ولو بشكل معكوس، طلب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر من نظام الشاه إغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في طهران كشرط لإعادة العلاقات معها.
هكذا، عندما توترت العلاقة بين الطرفين ــــ إيران الخميني ومصر السادات ــــ سمّت الثورة الإسلامية في إيران أحد شوارع طهران باسم خالد الإسلامبولي منفّذ عملية اغتيال أنور السادات قبل أن تعود لتغيير اسم الشارع العام الماضي بعد عودة العلاقات مع القاهرة.
إيران في عين «هيكل» مصر
في كتابه «زيارة جديدة للتاريخ»، يقول هيكل: «إن محاولاتي لفهم شاه إيران تبدّدت جميعها حين فتح الشاه أبواب إيران على مصراعيها لإسرائيل». مقولة تلخّص العقل الجمعي للمصريين ومنظارهم للآخر. يُعد العداء لإسرائيل في مصر أمرًا جوهريًا وليس مجرد تفصيل.
مقاربة هيكل تلك يُعاد استحضارها اليوم في مصر على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال مقابلة لهيكل على قناة «الجزيرة» يرفض الترويج للرواية التي تقول بالعداء الخليجي العربي ضد إيران، قائلًا: «خايفين من المشروع النووي الإيراني وماحدش خايف من المشروع النووي الإسرائيلي (..) والكل يقول إنّ المشروع الإيراني خطر لأنّ أميركا شايفة كده».
كلام هيكل هذا هو الزاوية التي يطلّ من خلالها المصريون على مشهد اليوم، وقد أكّدها هيكل مرارًا كما في كتبه ومؤلفاته ومقابلاته بأنّ «إيران جوار حقيقي ومختلف عن إسرائيل (...) ولا يجب أن أستبدل عدوًا حقيقيًا بعدو مفترض».
الجدير بذكره هنا، أنّ المسألة الإيرانية والثورة الإسلامية فيها شكّلت أحد أهم الملفات التي كتب عنها هيكل، وأسهمت في بناء اسمه الصحافي من خلال كتابه الأول «إيران فوق بركان» الذي أنجزه في سن الثامنة والعشرين عندما كان مراسلًا لجريدة «الأخبار اليوم» المصرية، والكتاب الأشهر «مدافع آية الله» الذي يبحث في الثورة الإسلامية في إيران، ويضمّ مقابلة خاصة أجراها هيكل مع قائد الثورة روح الله الخميني في منفاه في باريس، ومقابلة مع الشباب الذين اقتحموا واحتلوا السفارة الأميركية في طهران عقب انتصار الثورة.
عند «سيدنا الحسين»
يختصر أحد المحللين المصريين طبيعة التدين في بلاده بعبارة لافتة «مصر دولة سنّية بقلب شيعي». المفارقة أنه رغم سنوات طويلة من الدعاية التي سعت إلى تأجيج الانقسام والعداء السني - الشيعي في المنطقة، قدّمت مصر نموذجًا مختلفًا ظلّ إلى حد كبير بعيدًا من التأثر بهذه الدعاية. يعود ذلك إلى عوامل تاريخية وثقافية عدة؛ فمصر هي الأرض التي قامت عليها واحدة من أهم الدول الشيعية في التاريخ الإسلامي، هي الدولة الفاطمية، إضافة إلى المراجع الثقافية التي تحكم علاقة المصريين بآل البيت. للمصريين علاقة خاصة بآل البيت، وبشخصية الإمام الحسين على وجه الخصوص.
لذا، ليس مستغربًا أن يلحظ الزائر لمصر هذه العلاقة، وهذا الحضور لآل البيت. يقول زائرو مصر إنّ من الطبيعي أن تلمح أسماء آل البيت على الطريق الواصل بين الإسكندرية والقاهرة مكتوبةً على الجدران. كما إنّ كثيرين من سكان «حيّ السيدة زينب» في القاهرة يعتقدون بأنّ لقب «المحروسة» الذي أطلق على القاهرة، إنما المقصود به أنّ المدينة محمية من أخت الحسنين، فالسيدة زينب ابنة فاطمة الزهراء «حامية القاهرة»، وزينب «حنينة»، ولها مقام بقرب الإمام الحسين. تتجاوز هذه العلاقة الإطار الديني التقليدي لتلامس الذاكرة الشعبية والحياة اليومية.
في الوجدان المصري، لا يُنظر إلى الحسين ــــ الشخصية المركزية والرمزية في المذهب الشيعي ــــ كشخصية تاريخية بعيدة أو كرمز مذهبي، بل بوصفه حفيد الرسول و«أبا الفقراء» الذي يسترزق المحتاجون بالتقرب إليه وزيارته، ومخاطبته بعبارات القرب والودّ من دون تكلّف.
تتجلّى هذه العلاقة في مظاهر متعددة من التدين الشعبي المصري، سواء في اللغة التي يستخدمها الناس عند الحديث عن أهل البيت، أو في الألقاب الحنونة التي يطلقونها عليهم، أو في الطقوس والاحتفالات المرتبطة بموالدهم، التي تمتد أيامًا طويلة وتمتزج فيها الروحانية بالفرح الجماعي. كما يظهر هذا الارتباط في الطريقة التي يتعامل بها المصريون مع مقام الحسين في القاهرة، حيث تتحول محبته إلى جزء من ثقافة شعبية واسعة تقوم على الحنان والتبجيل، ويُنظر إليه بوصفه رمزًا للعدل والكرامة.
مع تصاعد التوترات الأخيرة ورفض قطاعات من المصريين للعدوان على إيران، عاد إلى التداول على منصات التواصل عدد من المقاطع المصورة للمرشد الإيراني علي خامنئي تظهر اهتمامه الخاص بمصر وثقافتها. في بعضها يحتفي بمهارة وأصوات قراء القرآن المصريين ويتحدث العربية متأثرًا بمدرستهم، وفي أخرى يستشهد بشخصيات ثقافية مصرية مثل أحمد شوقي، إضافة إلى إشاراته إلى عدد من رموز الفكر الإسلامي أمثال محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وكذلك إلى زعيم الحركة الوطنية سعد زغلول.
من غير المعلوم مدى تفاعل المصريين مع الخامنئي، وقد تبدو الإحصاءات متعذرةً في معرفة حقيقة تفاعل الشعب المصري في الحرب على طهران. لكن المعلوم الوحيد أنّ ثمة علاقة جامعة بين طهران والقاهرة، تتجاوز السياسة إلى ما هو أبعد، وأن هذه العلاقة - القرابة «غير معلومة من قديه».