أديب إسماعيل محفوض (صحيفة الأخبار)
في مديح العجز: حين تصبح التبعيّة استراتيجية دفاع
بين ثقل الجغرافيا التي وضعت لبنان على خط الزلازل السياسية، وتبعيّة السلطة التي لا تجيد سوى لغة الارتعاش أمام القوى الكبرى، لا يواجه المواطن أطماع عدو يمارس توحشه بلا رادع فحسب، بل يصطدم بمنظومة تقتات على التسويات الهشة وتتقن فن الانكفاء كلّما دنت الأخطار. إنها مفارقة الوجود في بلدٍ يُطلب فيه من الضحية أن تعتذر عن دفاعها عن نفسها، بينما تكتفي المنظومة الحاكمة بدور «شاهد الزور» الذي ينتظر الضوء الأخضر من عواصم القرار الدولي ليرسم ملامح سيادةٍ مشوهة ومسلوبة الإرادة، ومجردة من أي فعل حقيقي يحمي دماء الناس ويصون كرامتهم.
حركة المقاومات في التاريخ الحديث: بين احتضان الشعوب وتوجس السلطات
لم تكن المقاومة يوماً مجرد خيار عسكري عابر أو ترفاً أيديولوجياً، بل هي الانعكاس الطبيعي والضروري لغريزة البقاء لدى الشعوب التي استُبِيحت أرضها وانتهكت سيادتها. عبر التاريخ الحديث، وتحديداً منذ الحرب العالمية الثانية، برزت حركات المقاومة كضرورة وجودية حين تعجز الجيوش النظامية عن صد الغزاة. من المقاومة الفرنسية التي واجهت آلة الحرب النازية رغم ترهل الدولة في باريس، إلى جبهة التحرير الوطني في الجزائر التي قلبت موازين الاستعمار باللحم الحي، وصولاً إلى تجربة فيتنام المريرة في وجه التكنولوجيا العسكرية الأمريكية، كانت المقاومة تنبت دائماً من رحم المعاناة الشعبية، وبعيداً عن كراسي الحكم الرسمية وصالونات الدبلوماسية المترددة.
غالباً ما تعاملت الحكومات القائمة تحت وطأة الاحتلال، أو تلك التي تتسم بالهشاشة البنيوية، مع حركات المقاومة بنوع من التوجس الممزوج بالعدائية الصامتة. فالسلطة، بطبيعتها البيروقراطية، تميل نحو الاستقرار والاعتراف الدولي الذي يفرضه "المنتصر" أو القوي في النظام العالمي، بينما تمثل المقاومة خروجاً عن هذا الانصياع وكسراً لقواعد اللعبة التي تضعها القوى الكبرى. في التجارب العالمية، تبين أن النصر يصبح حتمياً فقط حين تتماهى الشعوب مع مقاومتها، فتتحول القرى والمدن إلى حاضنة وعمق استراتيجي لا يمكن اختراقه. أما الحكومات التي نشأت في ظل هذه الحركات، فقد انقسمت تاريخياً إلى فئتين: فئة أدركت أن المقاومة هي الذراع الوطني الذي يمنحها شروطاً أفضل للتفاوض وتحصيل السيادة، وفئة أخرى غلب عليها الخوف من تعاظم قوة «المقاوم» الذي يمتلك شرعية الميدان، فبدأت بمحاولة تقويض هذه القوة لصالح شرعية تقليدية هشة لا تحمي وطناً ولا تردع عدواً. هذا التوتر التاريخي بين «الشرعية السياسية» المرتبطة بالنظام الدولي و«الشرعية النضالية» المرتبطة بتراب الأرض، هو الذي رسم ملامح الصراعات الكبرى، حيث ثبت أن الجيوش قد تنهزم في الحروب التقليدية الخاطفة، لكن الشعوب التي تقرر المقاومة لا يمكن اقتلاعها، لأن قتالها نابع من حقها في الوجود قبل أي طموح سياسي.
معضلة السلطة المكبّلة والجيش الأعزل
يعيش لبنان في اللحظة الراهنة مفارقة سياسية وأمنية ممعنة في السريالية وتكاد تلامس حدود العبث. تقف السلطة السياسية أمام واقع المقاومة بموقف الرفض القاطع لأي سلاح يقع خارج إطار قرارها الرسمي أو إشرافها المباشر. هذا الموقف، وإن بدا منطقياً في سياق الدول الطبيعية المستقرة، إلا أنه يصطدم في الحالة اللبنانية بجدار الحقيقة المرة والواقع الجيوسياسي القاسي. فالسلطة تطلب علانية تسليم زمام الأمور والقرار العسكري لجيش وطني يدرك الجميع، في الداخل والخارج، أنه ممنوع بقرار دولي صارم من امتلاك أسلحة كاسرة للتوازن أو منظومات دفاع جوي متطورة قادرة على لجم الغطرسة الإسرائيلية ومنع استباحة الأجواء اللبنانية ليل نهار.
بناءً على هذا المعطى، تتحول الدعوة إلى «حصرية السلاح» في ظل غياب القدرة العسكرية الرادعة للجيش إلى دعوة مكشوفة لتجريد البلاد من دفاعاتها الوحيدة الفعالة. يتجلى هذا التناقض في أوضح صوره وأكثرها خطورة حين تخرج توجهات رسمية، موثقة في كواليس القرار ومسودات الاتفاقات، تطلب من الجيش اللبناني الانكفاء أو الانسحاب من جنوب الليطاني عند وقوع أي مواجهة برية محتملة مع العدو الإسرائيلي. الجيش اللبناني، الذي يتمتع بعقيدة وطنية، يجد نفسه هنا بين مطرقة العدوان الإسرائيلي وسندان القرارات السياسية العليا التي تكبل يديه وتمنعه من خوض معركة الدفاع عن السيادة. إصرار الحكومة على تسليم المناطق الحدودية الحساسة لقوات دولية أو لجيش يتم حرمانه من أدوات الردع الصاروخي، يعني تحويل الجنوب إلى منطقة مكشوفة أمنياً وجغرافياً. هذا الواقع يضع الدولة في مقام العاجز الذي لا يكتفي بعدم القدرة على توفير الحماية لمواطنيه، بل يسعى بنشاط لتفكيك المنظومة الشعبية والعسكرية التي أثبتت نجاعتها في لجم الأطماع الإسرائيلية طوال عقود، مما يجعل السيادة اللبنانية مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي لا قيمة له أمام مجنزرات العدو.
المقاومة كفعل وجود
بعيداً عن برودة أروقة القرار في العاصمة بيروت وحسابات الربح والخسارة السياسية، يمتلك الجنوب اللبناني تقويماً زمنياً خاصاً وتاريخاً لا يُقرأ إلا من خلال الجراح العميقة والذاكرة الموشومة بالنار. منذ النكبة عام 1948، لم يكن أهل الجنوب مجرد شهود عيان على قيام الكيان الصهيوني، بل كانوا المختبر الأول لسياساته العدوانية وضحاياه المباشرين قبل أن تلتفت إليهم أعين الدولة. بالنسبة لصاحب الأرض في القرى والبلدات الحدودية، المقاومة ليست خياراً حزبياً يمكن مراجعته أو تبديله في المواسم الانتخابية، بل هي فعل وجود بيولوجي واجتماعي. لقد تجذرت فكرة التصدي في وجدان الناس نتيجة شعور مرير ومديد بـ «اليتم القومي»؛ فالعدو الذي استهدف المدرسة والمستشفى والحقل لم يترك لهم ترف الانتظار الطويل لقرار يصدر عن مجلس الأمن أو مبادرة تأتي من الخارج.
المقاومة في العقل الجنوبي هي ذاك الابن الذي يحرث الأرض نهاراً ويحرسها ليلاً، وهي الذاكرة التي تختزن مرارة الاقتلاع المتكرر، وترفض أن يستمر الجنوب كمجرد خزانٍ للنازحين، فهي تعي أن العودة ليست مجرد قرار سياسي، بل هي انتزاعٌ للحق في الحياة فوق أرضٍ لم تحمِها يوماً تفاهمات بيروت أو عواصم الخارج. هذا الالتصاق العضوي بالأرض يجعل من أي محاولة لنزع السلاح، دون بديل رادع، بمثابة دعوة للانتحار أو القبول بالعبودية تحت رحمة التهديد الإسرائيلي الدائم.
التمهيد بالانكفاء: عن السلطة كجسر عبور
تضع التوجهات الحالية للسلطة اللبنانية، التي تتأرجح بين الرغبة في تقييد حركة المقاومين وبين منع الجيش من خوض غمار المواجهة الحقيقية، البلاد في عين عاصفة وجودية. يطرح هذا السلوك تساؤلات مشروعة حول الجدوى من إضعاف الجبهة الدفاعية في ذروة التهديد الإسرائيلي. هل تدرك الطبقة الحاكمة أن تفريغ القرى الحدودية من عناصر قوتها ومحاولة محاصرة المدافعين عنها يؤدي حتماً إلى خلق مناخ يسهل عملية الاجتياح البري؟ حين يُحرم المقاوم من غطائه السياسي ويُمنع الجيش من ممارسة واجبه في التصدي، يصبح الطريق ممهداً أمام آليات العدو للتقدم دون كلفة عسكرية رادعة، مما يحول الدفاع إلى مجرد محاولات يائسة ومعزولة.
لا يمكن عزل هذا التوجه السياسي عن الارتهان الواضح للإرادة الأمريكية، التي تعمل تاريخياً كظهير سياسي ودبلوماسي للمطامع الإسرائيلية في المنطقة. واشنطن، التي تمارس ضغوطاً هائلة لنزع السلاح وتطبيق القرارات الدولية من طرف واحد، لا تقدم في المقابل أي ضمانات ملموسة لحماية لبنان من الانتهاكات اليومية أو الأطماع التوسعية في مياهه وأرضه. رضوخ السلطة لهذه الإملاءات يضع مصالح أصحاب الأرض في كفة، والمصالح الخارجية الكبرى في كفة أخرى، مع ترجيح واضح للثانية على حساب دماء اللبنانيين. هذا المسار، سواء سلكته الحكومة عن قناعة أو تحت وطأة العجز، يخدم في نهاية المطاف المشروع الصهيوني الذي يطمح دوماً للوصول إلى بيئة لبنانية هشة ومفككة، يسهل اختراقها عسكرياً وسياسياً، مما يجعل السلطة تبدو وكأنها تيسّر عملية الاستباحة بدلاً من أن تكون الحصن المنيع لمواطنيها.
الثمن الباهظ للارتهان
بعيداً عن الميدان العسكري، تبرز المخاطر الكارثية لتصرفات السلطة على مستوى التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي. إن الإصرار على تصوير المقاومة كأنها جسم غريب أو عبء ثقيل على الدولة، في مقابل تصوير الجيش كأداة للحياد أو الانسحاب عند الخطر، يساهم في خلق شرخ عميق وخطير بين المكونات اللبنانية. هذا النهج المتعمد يحول النقاش الوطني من استراتيجية دفاعية موحدة ضد عدو خارجي، إلى صراع هويات وجماعات في الداخل. يشعر أهل الجنوب، ومعهم كل من يرى في المقاومة ضرورة، بأن دولتهم لا تكتفي بتركهم لمصيرهم، بل تحاول تجريدهم من أدوات حمايتهم الشخصية والوطنية، مما يولد شعوراً بالغبن واللاانتماء لدولة لا تحترم تضحياتهم.
في المقابل، يتم دفع فئات أخرى من اللبنانيين للاعتقاد بأن غياب «السيادة الكاملة» بوجود السلاح هو السبب الوحيد للأزمات الاقتصادية والسياسية، مما يخلق حالة من العداء المصطنع بين أبناء الوطن الواحد. هذا التحريض الممنهج، الذي ينمو في بيئة الانهيار الشامل، يهدد بتحويل الانقسام السياسي العادي إلى شرخ وجداني سحيق لا يمكن ردمه بسهولة. إن استثمار السلطة في هذا الانقسام لإرضاء القوى الخارجية هو مقامرة وجودية بكيان لبنان، فالسياسة التي تفرق الناس أمام خطر المحتل هي سياسة فاشلة أخلاقياً ووطنياً. السلم الأهلي ليس مجرد غياب للاقتتال، بل هو الشعور المشترك بالأمان والعدالة، وحين يشعر جزء من الشعب بأنه مستهدف من سلطته لصالح عدوه، فإن العقد الاجتماعي يسقط فعلياً، وتتحول الخارطة اللبنانية من وطن للجميع إلى مناطق استباحة موزّعة بين خنادق التهميش وممرات الارتهان، مما يشرّع الأبواب أمام فوضى لا يستفيد منها إلا من يتربص خلف الحدود.