اوراق مختارة

العدوان الإمبريالي والاستعمار الحديث.. التاريخ والنقد

post-img

محمد قعدان/جريدة الأخبار

اتصل بي صديقي في عصر يوم الجمعة، 27 فبراير، واقترح أن نذهب إلى القدس مع صديقٍ آخر. كان يومًا عاديًا: ثلاثة شباب صائمين، ليسوا متدينين كثيرًا، متجهين إلى المسجد الأقصى لأداء صلاة التراويح. عند أذان المغرب لم نفطر كثيرًا؛ بضع حبات من الفلافل مع الجبنة وكعك مقدسي (خبز) كانت كافية. بعد أن أنهينا صلاة التراويح توجهنا إلى مطعم البغدادي لنأكل لحمًا مشويًا. هناك، وقعت عيني على خبرٍ يتحدّث عن تعثّر المفاوضات، بينما كان دونالد ترمب يقول إنه لا بأس، يمكن تأجيلها إلى الأسبوع القادم.

تعرف في داخلك أن هذا الرجل كاذب. سيرته السياسية تقوم على كسر الحاجز بين الصدق والكذب؛ يقول أمرًا ويفعل عكسه تمامًا. تكتب حنة أرندت في مقالها "الحقيقة والسياسة" أن فرص الواقع في الثبات والصمود أمام سطوة السلطة ضئيلة جدًا. لكن ما هي الحقيقة إذًا؟ هل كانت المفاوضات مجرد خدعة؟ وهل وقعت إيران في هذا الفخ؟ وقد برزت أيضًا، بعد حرب الاثني عشر يومًا، تحليلات عديدة تتحدث عن خدعة أميركية–إسرائيلية لإيران وتنسيق بين الطرفين خلال المفاوضات، بحيث جاءت الضربة مفاجئة وأكثر وقعًا وصدمة لإيران وللجميع من العدوان الأخير في صباح السبت 27 شباط.

يبقى سؤال الحقيقة والواقع، في ظلّ الأزمات الكبرى، مفتوحًا للنقاش. فما هي علاقة الحرب الإقليمية في مصر مثلًا عام 1956؟ ماذا حدث فعلًا، وكيف تدخّلت الإمبريالية، وما كان موقع الكتلة السوفيتية في تلك اللحظة؟ التاريخ يعلّمنا أن الإمبريالية حين تفرض الحرب لا تخرج دائمًا منتصرة، لكنها في الوقت نفسه ليست منهزمة بالضرورة. فهناك منزلة بين المنزلتين، مساحة رمادية تتشكّل فيها النتائج الفعلية للصراعات. لهذا لا يمكن فهم العدوان الإمبريالي إذا حصرنا التفكير في ثنائية النصر والهزيمة فقط. إنّ فهمه يتطلّب النظر إلى معايير الحركة والتحولات التي تُحدثها الحروب في موازين القوى، وفي الوعي السياسي، وفي مسارات المنطقة نفسها.

لنعد إلى العام 1956: في كثير من مقالاتي أعود إلى هذا العام تحديدًا، حتى كأنني أصبحتُ مهووسًا به. لماذا؟ لأن مصر، بقيادة جمال عبد الناصر، استطاعت أن تتغلب على العدوان الثلاثي على قناة السويس. وفي اللحظة نفسها تقريبًا برز الفلسطينيون مرة أخرى في قلب الحدث، مع احتلال غزة ووقوع مجازر مثل رفح وكفر قاسم. في هذه المقالة أريد أن أتوقف عند مآلات فشل هذا العدوان.

في العام 1957 حدث أمر لم يكن في الحسبان في سوريا: ميل واضح نحو اليسار، بل نحو الشيوعية والاتحاد السوفياتي، في سياق ثوري معادٍ للإمبريالية الأميركية. ومع ذلك لم يكن هذا الميل مصحوبًا بعداء للناصرية. فقد كان أحمد عفيف البزري، رئيس أركان الجيش السوري، متعاطفًا مع الشيوعيين، ويحظى بتقدير من جمال عبد الناصر بالرغم من نقدهِ الشديد على الناصرية، عيّنهُ الرئيس شكري القوتلي في هذا المنصب. هذه التطورات أطلقت أزمة ديبلوماسية كبيرة كادت تتحوّل إلى عدوان إمبريالي على سوريا. وهو مثقف وكاتب غزير درس في فرنسا العسكرية، وكان لديهِ علاقات مع شيوعيين فرنسيين.

يروي المؤرخ سليم يعقوب في كتابه "احتواء القومية العربية: مبدأ أيزنهاور والشرق الأوسط"، نشر باللغةِ الإنكليزية عام 2004، أن الإدارة الأميركية أعلنت ما عُرف بمبدأ أيزنهاور، أو الترجمة الأدق ربما "عقيدة"، في تقليد أصبح مألوفًا سخيفًا في السياسة الأميركية، منذ إعلان مبدأ ترومان عام 1947 وأيضًا نجد مبدأ ريغان في الثمانينيات. باختصار، هدف أيزنهاور كان وضع استراتيجيات عسكرية وسياسية واقتصادية لمنع صعود أي قوة شيوعية في الشرق الأوسط وحماية النفوذ الأميركي في مواجهة الاتحاد السوفياتي.

لكن تحليل يعقوب يذهب أبعد من ذلك؛ فالمعنى التطبيقي لهذا المبدأ لم يكن فقط احتواء الشيوعية، بل أيضًا منع صعود أي قوة عربية سيادية في المنطقة. ومن هنا أصبحت محاربة "القومية العربية" جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، عبر إعادة تعريف العروبة ومحاولة توجيهها سياسيًا وثقافيًا، خصوصًا من خلال حلفاء واشنطن مثل الأردن والسعودية. ومع ذلك، كانت السعودية في بعض اللحظات تخشى الطموح الهاشمي أكثر ممّا تخشى عبد الناصر، وهو ما جعل بناء تحالف إقليمي متماسك مهمة صعبة.

أزمة عام 1957 كانت إذًا نتيجة مباشرة للتحولات التي أعقبت حرب السويس. ومن هذا المنظور يمكن أيضًا التفكير في الأزمات والحروب اللاحقة في المنطقة. فالهزيمة لا تُفهم دائمًا من خلال حدث عسكري واحد، لأن التحولات السياسية أوسع من ذلك. كما رأينا، فإن صمود مصر في 1956 دفع سوريا إلى مزيد من الراديكالية السياسية والتقارب مع اليسار.

بعد ذلك جاء تعيين عبد الحميد السراج في الحكومة السورية ليزيد التوتر مع الولايات المتحدة، خاصة أن لواشنطن مصالح حيوية في مدّ أنابيب نفط للشركة البترولية العراقية. وكان هذا المشروع أولوية استراتيجية لواشنطن، خصوصًا بعد أن قام السوريون بتخريب خطوط النفط خلال العدوان على مصر. تدريجيًا بدأ التعاون بين الولايات المتحدة وكل من الذراع الاستعماريّة إسرائيل وتركيا، بقيادة عدنان مندريس، لتصوير سوريا كخطرٍ يهدّد المنطقة.

بالفعل وُضعت خطط لغزو سوريا، وبدأت تركيا بحشد قواتها على الحدود. عندها تدخّل وزير الخارجية السوفياتي أندري غروميكو مهدّدًا بردّ قوّي. لم يكن متوقعًا أن تصل التوترات في الحرب الباردة إلى هذا الحدّ في الشرق الأوسط، لكن هذا التهديد فرض واقعًا جديدًا حدّ من احتمالات الحرب. إلى جانب ذلك، لعب جمال عبد الناصر دورًا مهمًّا عندما أرسل قوات مصرية إلى سوريا لكسر عزلتها السياسية والعسكرية.

كيف تفكّر الإمبريالية الأميركية؟

في عام 1962 نشر أحمد عفيف البزري كتابه المهم «الناصرية في جملة الاستعمار الحديث»، في سياق محاولة بناء نظرية عربية لمواجهة الإمبريالية. في هذا الكتاب وضع البزري أسسًا نقدية لفهم السياسة العربية المعاصرة، مميزًا بين الاستعمار القديم والاستعمار الحديث. فالأول كان قائمًا أساسًا على الاحتلال المباشر، بينما يتأسّس الثاني على النفط والاقتصاد والرأسمالية الاحتكارية. لكن النقطة الأهم في تحليله هي أن الاستعمار الحديث، في جميع أشكاله، يشكّل سندًا أساسيًا للمشروع الاستعماري الاستيطاني في فلسطين. ومن هنا يشرح كيف انتقلت الهيمنة في المنطقة من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، في إطار إعادة تشكيل منظومة السيطرة الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية.

في هذا السياق يوجّه أيضًا نقدًا للناصرية، معتبرًا أن سياساتها حملت، في بعض لحظاتها، طابعًا انتهازيًا في التعامل مع هذه التحولات. تكمن أهمية الكتاب في أنه يدعونا إلى التفكير في الغزو الإمبريالي بوصفه منظومة متعدّدة الأشكال. فالبزري يرفض الفكرة الشائعة التي تقول إنّ الاستعمار الحديث لم يعد يعتمد على الجيوش والأساطيل والغزو المباشر. في رأيه، لم تختفِ العسكرية من منظومة السيطرة، بل جرى تنظيم استخدامها وضبطه ضمن شبكة أوسع من العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية.

بهذا المعنى، ما زال الجيش والحرب جزءًا من بنية الاستعمار الحديث، لكنهما لم يعودا الأداة الوحيدة. فالعسكرية تبقى حاضرة دائمًا، جاهزة للمعركة القادمة أو للتهديد بها، كما تفعل الولايات المتحدة عبر قواعدها العسكرية وانتشارها العالمي. غير أنها أصبحت تعمل داخل منظومة رأسمالية أوسع من الحسابات الاقتصادية والسياسية، بحيث قد تتحوّل الحرب في النهاية إلى الوسيلة الأخيرة بعد استنفاد أدوات الهيمنة الأخرى.

في هذا السياق، يكتب أحمد عفيف البزري في كتابه «العسكرية الأميركية سياج العبودية المعاصرة» (دار دمشق، ١٩٨٤)، حيث يقدّم خلاصة رؤيته العسكرية والسياسية والاقتصادية لدور الولايات المتحدة الإمبريالي في العالم والمنطقة، إذ إنّ الكتاب يعرض لنا نشأة ما يسمّيه الرأسمالية الاحتكارية باعتبارها الناظم الأساسي للعلاقات مع الولايات المتحدة، ثم يبيّن عقيدة الإمبريالية، من خلال علاقاتها مع دول استعمارية استيطانية، ثم دول رجعية مثل إندونيسيا، والسعودية وغير ذلك، النقطة الأهم التي يعرضها هي أن الولايات المتحدة تعمل من خلال النظام الرأسمالي والاستعمار الحديث وهو الذي يهتم في تفوق أميركا بل وأيضًا عدم تغيير في نظام القوى العالمي، والتغير في المراكز، على سبيل المثال تصاعد قوة إيران والصين في العقود الأخيرة، وكيف يمكن مواجهة ذلك.

بالتالي، الحفاظ على العلاقات ومراكز القوى هو بغاية الأهمية. البزري في تجربتهِ يرى أيضًا أن العداء الأميركي لمنطقتنا هو مرتبط في النفط، صحيح، ولكن أيضًا في ضبط النظام العالميّ الرأسمالي الاحتكاريّ ودور إسرائيل هو حيويّ كما السعودية. خصص فصلًا كاملًا للحديث فقط عن العسكرية الأميركية وقواعدها وشبكاتها المنتشرة حول العالم، كيف تعمل، وكيف تخطط؟

الإمبريالية الأميركية في العداء ضد المنطقة التي تسمّى الشرق الأوسط، تفكر من خلال ثلاثةِ أمور: النفط (ضد الاقتصاد)، الهيمنة (ضد السيادة)، إسرائيل (ضد فلسطين). وهي تستهدف شعوب المنطقة من خلال الأمور الثلاثة. والعدوان وإعلان الحرب هو تفاعل من أجل حماية مصالح وشبكة قواعد عسكرية، وتخوض الولايات المتحدة من أجل هذهِ الأهداف، لكن هل بالفعل دخول الحرب هو يحمي هذهِ المصالح أم يعرّضها أكثر للخطر، هذا سؤال آخر. كي تستطيع القوى التحررية التفكير عليها الخروج من أسباب شخصية، ودوافع مؤقتة، لأنها تصادر إمكانيات الفعل والتفكير، أمّا التفكير في البنية فهو يعيد لنا فهمًا واسعًا وتصوّرات المنطقة من جديد.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد