اوراق خاصة

مشهد التعاطف الشعبي العربي إزاء إيران وتحولات في رؤيته للعدو

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

لا يمكن فهم موجة التعاطف العربي، لا سيما المصري، مع إيران في سياق الحرب الراهنة من دون تفكيك البنية العميقة للوعي الجمعي الذي تشكّل عبر عقودٍ من الصراع والهزائم وإعادة تعريف العدو.

ما يبدو ظاهريًا هو انحياز حاد لطرفٍ إقليميٍّ مثيرٍ للجدل، هو في جوهره تعبيرٌ مركّبٌ عن تحوّلٍ أعمق في إدراك الشعوب العربية لموقعها داخل معادلة القوة العالمية، أكثر مما هو تبنٍّ مباشرٌ لمشروعٍ سياسيٍّ بعينه.

المعادلة، هنا، لا تُبنى على أساس الإعجاب بإيران بقدر ما تتأسس على تراكمٍ كثيفٍ من العداء إزاء ما يُدرك بوصفه منظومة هيمنةٍ ممتدة. هذا التراكم لم يتشكّل من فراغ، إنما من خبراتٍ تاريخيةٍ مباشرة، من حروبٍ غير متكافئة، وتدخلاتٍ خارجية وانحيازٍ دوليٍّ فاضحٍ لمصلحة الكيان الصهيوني، وصولاً إلى سياساتٍ اقتصاديةٍ أعادت إنتاج التبعية بأدواتٍ جديدة. ضمن هذا السياق، يصبح أيّ اشتباكٍ مع هذه المنظومة، أيًا كان فاعله، قابلاً ليُقرأ شعبيًا بوصفه لحظة تصدٍّ، لا بوصفه مجرد صراعٍ إقليميٍّ محدود.

في مصر؛ يتخذ هذا التفاعل طابعًا أكثر كثافة. إذ إن المجتمع الذي يحمل ذاكرةً طويلةً من المواجهة والتحولات الكبرى التي انتهت إلى انسداداتٍ سياسيةٍ واقتصادية، يعيد باستمرار إنتاج ثنائية "المقاومة مقابل الهيمنة" بوصفها إطارًا تفسيريًا للعالم. داخل هذا الإطار، لا تُستدعى إيران بوصفها نموذجًا سياسيًا يُحتذى، بل بوصفها موقعًا متقدمًا في الاشتباك مع القوة المهيمنة. هذه القراءة، مع اختزالها، لا تنبع من سطحية، هي إعادة ترتيبٍ واعيةٍ للأولويات في لحظةٍ هي لحظة صراعٍ كبرى.

بناء على ما تقدم؛ هذا التفاعل الشعبي لا يمكن اختزاله في سؤال المعرفة التفصيلية بطبيعة النظام الإيراني أو تعقيداته، لأنه يتجاوز ذلك إلى مستوى أعمق يتعلق بإعادة تعريف موقع العدو نفسه. الاصطفاف هنا لا يُعبّر عن تبنٍّ شاملٍ لكل ما تمثّله إيران، هو تموضعٍ في مواجهة مركز الثقل في منظومة الهيمنة. ما قد يبدو، من خارج هذا السياق، تبسيطًا أو اختزالاً، يظهر من داخله آلية عقلانية يعيد بها الوعي الجمعي ترتيب أولوياته، حيث تتقدّم مواجهة الخصم المركزي على ما سواها من تناقضات.

في المقابل؛ تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مضاعِفًا لهذا الاتجاه، حيث تقوم بتسريع إيقاعه. هي لا تنتج الوعي بقدر ما تعيد تدوير صوره الأكثر حدّة، عبر التركيز على مشاهد القوة والخطاب الصدامي والانتصارات الرمزية. هذا النمط من التداول لا يخلق الانحياز، لكنه يمنحه شكله الأكثر وضوحًا وانتشارًا.

يظهر ذلك بجلاء، في مصر، حيث تحوّلت بيانات حزب الله عن الاشتباكات مع العدو الإسرائيلي إلى مادة احتفاءٍ واسعة التداول، بوصفها تمثيلا مكثّفا لفكرة الفعل المقاوم في لحظة يشعر فيها الجمهور بغياب هذا الفعل من محيطه المباشر. هذا الاحتفاء لا يتوقف عند حدود المتابعة، هو يمتد إلى إعادة إنتاج رموزه، كما حدث في تداول صورٍ لشهيدٍ مصريٍّ استدعته الذاكرة الجماعية بوصفه جزءًا من معركة الإسناد لغزة، حتى وإن لم يرتقِ في سياقها الزمني المباشر.

هذه الظاهرة لا يمكن قراءتها على أنها خطأ معلوماتي بقدر ما تعكس حاجةً رمزيةً عميقة لإعادة وصل الذات بالفعل المقاوم. الجمهور، في هذا السياق، لا يكتفي بالتلقي، هو يسعى إلى إدخال نفسه، ولو على مستوى الرمز، في معادلة الصراع بإعادة تعريف الانتماء إلى هذه اللحظة. بهذا المعنى، يتحول الاحتفاء إلى فعل مشاركة رمزية، يعوّض غياب الحضور المباشر، ويعيد إنتاج الإحساس بالاشتباك مع العدو، ولو في المجال الرمزي.

غير أن هذا المشهد لا يتشكل فقط من الداخل، إنما يتعرض أيضا لمحاولاتٍ مستمرة لإعادة توجيهه في خطابٍ يقوم على تبسيطاتٍ ومغالطاتٍ منهجية، تُقدَّم في صورة نقاشٍ فكري. أبرزها: اختزال تياراتٍ تاريخيةٍ واسعة، مثل الناصرية، في نماذج سطحية أو ممارساتٍ فردية، ثم تعميم هذه الصورة بوصفها تمثيلاً كاملاً للفكرة. كما يظهر في الربط المباشر بين أيّ تقاطعٍ سياسيٍّ مع قوى إقليمية، وبين افتراض الولاء الكامل لها، في تجاهلٍ لطبيعة السياسة بوصفها مجالاً متحركًا تحكمه المصالح والسياقات، لا الانتماءات الجامدة.

هذا النمط من الطرح لا يهدف إلى الفهم بقدر ما يدفع نحو إرباك الوعي، بنقل النقاش من سؤال الصراع الأساسي إلى سجالاتٍ جانبية تستنزف طاقته. بهذا، يتحول الجدل من أداة تفسير إلى أداة تشتيت، تُفقد المزاج الشعبي تركيزه على بوصلة الصراع الحقيقية.

مع ذلك، الإشكالية الحقيقية تكمن في كيفية توظيف هذا التعاطف، لا في مجرد حصوله. إذ إن المزاج الشعبي حين يبقى في مستوى التفاعل العاطفي غير المؤطَّر يظل قابلاً لإعادة الاستخدام من قوى متعددة، وقد يتحول من طاقة ضغطٍ حقيقية إلى صدى لصراعاتٍ لا يملك أدوات التأثير فيها. هن؛ا يبرز التحدي في نقل التعاطف من مستوى الانفعال إلى مستوى الفعل الواعي.

في النهاية، ما نشهده هو إعادة صياغةٍ تدريجيةٍ لمفهوم العدو والصديق في الذهنية العربية؛ وليس مجرد انحيازٍ عابر. هذه العملية، على الرغم مما تحمله من توترٍ وعدم استقرار، قد تمثل بداية تشكّل وعيٍ سياسيٍّ أكثر استقلالاً، شرط أن يُستكمل هذا المسار بقدرةٍ على تمييز المغالطات، لا الوقوع في شَرَكِها، وبنقدٍ ذاتيٍّ لا يُضعف الانحياز، بل يعمّقه ويمنحه صلابةً أكبر.

الرهان الحقيقي لا يكمن في اختيار طرفٍ بقدر ما يكمن في القدرة على امتلاك زاوية نظرٍ مستقلة، ترى في الصراع ما هو أبعد من ظواهره المباشرة، وتعيد تعريف موقعها داخله، لا بوصفها متلقيةً له، بل طرفا يسعى، ولو تدريجيا، إلى التأثير في مساراته.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد