د. ليندا غدار (صحيفة البناء)
لا يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في لبنان، وخصوصاً في جنوبه الصامد، على أنه مجرد جولة عسكرية جديدة في صراع طويل. ما يحدث يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، ويكشف عن مرحلة مختلفة تتداخل فيها الحرب مع محاولات إعادة رسم ملامح المنطقة.
فالتدمير اليوم لم يعد مجرد وسيلة عسكرية لتحقيق أهداف ميدانية، بل تحوّل إلى نهج يهدف إلى إضعاف المجتمع وتغيير معادلات الأرض والناس، بما يترك آثاراً تتجاوز الدمار المباشر إلى البنية الاجتماعية والسياسية نفسها.
الميدان كمنصة لاختبار التوازنات
يقف لبنان اليوم في قلب مرحلة إقليمية حساسة، حيث تتشابك المفاوضات والتحولات الكبرى مع واقع الميدان. فالجنوب لم يعد مجرد جبهة حدودية، بل أصبح مساحة لاختبار توازنات جديدة، يسعى من خلالها العدو الإسرائيلي إلى فرض وقائع تتجاوز المواجهة العسكرية نفسها، لتصل إلى محاولة التأثير على موقع لبنان ودوره في أيّ نظام إقليمي مقبل.
من إدارة التناقضات إلى سياسة الأرض المحروقة
لطالما اعتبرت دراسات ومقاربات “إسرائيلية” أنّ لبنان ساحة يمكن النفاذ إليها من خلال استثمار أزماته وانقساماته الداخلية. لكن ما نشهده اليوم يبدو مختلفاً؛ إذ لم تعد المسألة مرتبطة بإدارة التناقضات اللبنانية، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على التدمير الواسع واستهداف مقومات الحياة نفسها.
فالهدف لم يعد يقتصر على مواجهة قوة عسكرية، بل يمتدّ إلى الضغط على البيئة الاجتماعية عبر جعل مناطق كاملة أكثر صعوبة على مستوى العيش والاستقرار، بما يضع السكان أمام تحديات إنسانية واقتصادية قاسية.
ويظهر ذلك في طبيعة الاستهداف الذي لم يعد يقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة، بل امتدّ إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل شروط بقاء الناس في أرضهم.
حرب الاستنزاف الشامل
غيّر العدو أدوات المواجهة. فبدل المغامرة في اجتياحات واسعة قد تكون مكلفة، اتجه إلى أسلوب يقوم على الاستنزاف متعدد المستويات…
ـ استهداف البنية التحتية ومقومات الحياة.
ـ الضغط النفسي والاجتماعي عبر نشر الخوف وعدم الاستقرار.
ـ زيادة الكلفة الاقتصادية والبشرية لتحويلها إلى عامل ضغط على الدولة والمجتمع.
إنها معركة لا تستهدف الجغرافيا فقط، بل تحاول إنهاك المجتمع نفسه.
الصمود كخيار وطني
في مواجهة هذا الواقع، لا يصبح الصمود مجرد ردّ فعل عاطفي، بل يتحوّل إلى ضرورة وطنية واستراتيجية. فالحروب الحديثة لا تُحسم فقط بالتفوق العسكري، بل أيضاً بقدرة المجتمعات على التماسك والاستمرار وعدم الانهيار من الداخل.
ومن هنا يصبح التضامن الوطني والتكافل الاجتماعي عنصراً أساسياً في حماية البلد ومنع تحويل الدمار والنزوح إلى شرخ داخلي جديد.
الوعي… أرض المعركة الأخيرة
يبقى التحدي الأكبر أمام اللبنانيين هو القدرة على رؤية الصورة الكاملة، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى تفاصيل المعركة اليومية. فالخطر لا يكمن في حجم الدمار وحده، بل في أن يتحوّل هذا الواقع مع الوقت إلى أمر معتاد. إنّ الرهان الحقيقي قد لا يكون فقط على نتائج الميدان، بل أيضاً على تعب الناس وتفكك رؤيتهم الوطنية.
وتحت دخان المعارك يبرز السؤال: أي لبنان نريد؟
هل نريد لبنان الساحة المفتوحة لتجاذبات الخارج ومشاريعه؟ أم لبنان الوطن القادر على حماية قراره، وصون أرضه، وبناء دولته؟
لبنان الذي نريده ليس وطناً يعيش على الأزمات ولا بلداً ينتظر التسويات من الخارج، بل وطناً يتوحد فيه أبناؤه حول فكرة الدولة والكرامة والسيادة، لأنّ الأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضاً وعي شعوبها وقدرتها على التمسك بحقها في البقاء.
هكذا يصبح الدفاع عن الجنوب دفاعاً عن لبنان كله، عن أرضه، وهويته، ومستقبله.