قراءة صابر غل عنبري/ العربي الجديد
على وقع وقف إطلاق نار هش، أعلنت باكستان مساء اليوم السبت انطلاق مفاوضات إسلام أباد بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، التي تتجه أنظار العالم إليها وتترقّب تفاصيلها ومخرجاتها المحتملة، وسط مخاوف متزايدة من عودة الحرب، لما ستحمله من تداعيات واسعة قد تمسّ الأمن في منطقة الخليج، إضافة إلى تأثيراتها بالاقتصاد العالمي.
أعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن محادثات السلام الرامية إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط "بدأت"، وذلك بعد سلسلة لقاءات أجراها الوفد الإيراني معه ومع قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، وسط مساعٍ باكستانية حثيثة لعقدها مباشرةً بين الطرفين. وفي موازاة ذلك، تُطرح تساؤلات عن جدول أعمال هذه المباحثات وآفاقها، وبشكل أدق هل ستفضي إلى إنهاء الحرب بشكل كامل، أم أنها ستفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهة في حال فشلها؟ أم أن المنطقة ستدخل مرحلة طويلة من حالة "اللاحرب واللاسلم"، ما سيعمق التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية؟
تركيبة الوفدين في مفاوضات إسلام أباد
وصل وفد إيراني يضم نحو 80 عضوًا إلى إسلام أباد مساء أمس، وتحمل تركيبة الوفدين، الإيراني والأميركي، رسائل مهمة بشأن أفق المفاوضات واحتمالاتها. فمنذ عام 1979 لم تُعقد مفاوضات بين البلدين على هذا المستوى الرفيع. وتُعد هذه الجولة أعلى مستوى من التمثيل السياسي بين طهران وواشنطن في مسار التفاوض منذ عقود، كذلك فإنها تأتي عقب حرب إقليمية شديدة التعقيد وفي ظرف استثنائي يحظى فيه الوفد الإيراني بدعم عملي واسع وغیر مسبوق من مختلف مؤسسات الدولة وأركانها.
لا تتوافر حتى الآن معلومات دقيقة عن ترکیبة الوفد الأميركي الذي يضم نحو 300 شخص، إلا أن حجمه الكبير يشير على الأرجح إلى مشاركة خبراء ومسؤولين من مجالات متعددة في وفد يترأسه جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ويرافقه المبعوثان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف. ووفد التفاوض الإيراني الذي يترأسه رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، يضم خمس لجان تخصصية تشمل الأمنية والسياسية والعسكرية والقانونية والاقتصادية/العقوبات وهو ما يعكس طبيعة الملفات المطروحة على طاولة البحث وتشعّبها. ويشارك في هذه اللجنان خبراء يُعدّون من بين الأكثر تخصصًا في مجالاتهم داخل إيران.
يرأس وزير الخارجية عباس عراقجي اللجنة السياسية، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي اللجنة الاقتصادية، وأمين مجلس الدفاع العميد علي أكبر أحمديان يتولى اللجنة العسكرية، فيما يتولى نائب وزير الخارجية كاظم غريب أبادي اللجنة القانونية.
أكد النائب الأول للرئيس الإيراني، القيادي الإصلاحي محمد رضا عارف، دعم الحكومة الكامل لقاليباف في مهمته الدبلوماسية، متمنيًا له التوفيق في المفاوضات، ومشددًا على أن قاليباف يقف اليوم في موقع الممثل "للشعب وللنظام". وأضاف عارف في منشور على "إكس": "مثلما كنا سندًا للمقاتلين في جبهات الحرب، فإننا اليوم نقف في الساحات والميادين خلف مفاوضينا، لتمكينهم من أداء المهمة الموكلة إليهم من قبل القيادة والشعب بكل قوة واقتدار".
تدل هذه التركيبة الواسعة للوفدين على مستوى عالٍ من الجدية في التعامل مع المفاوضات، وتوحي بوجود استعداد للعمل المكثف والسريع للتوصل إلى تفاهمات. وفي الوقت نفسه، إن إشراك خبراء من مجالات متعددة يشير إلى أن المباحثات قد تتناول طيفًا واسعًا من القضايا، من الترتيبات الأمنية والعسكرية إلى المسائل الاقتصادية والمالية، بما قد يفتح الطريق أمام صياغة اتفاقات أوسع نطاقًا إذا ما توافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين.
قال الدبلوماسي الإيراني السابق فريدون مجلسي لـ"العربي الجديد" إن ترؤس رئيس البرلمان المحافظ للوفد الإيراني يرتبط بخبرته العسكرية السابقة قائدًا في الحرس الثوري وطيارًا، "ما يجعله أكثر دراية بتفاصيل الحرب ونتائجها وتداعياتها". وبرأيه فإن "المفاوضات لا تقتصر على الجانب السياسي والدبلوماسي، بل تحمل أيضًا أبعادًا استراتيجية وعسكرية تتطلب مشاركة شخصيات مطلعة على الحسابات الأمنية". ولفت مجلسي إلى أن تركيبة الوفد الإيراني تعكس إدراكًا أميركيًا لطبيعة مراكز القوة داخل إيران، إذ لا يقتصر على الحكومة ووزارة الخارجية، بل يضم شخصيات من صلب النظام ذات خلفية عسكرية واستراتيجية.
اعتبر أن تولي فانس قيادة الوفد الأميركي يعكس أهمية هذه المفاوضات بالنسبة إلى واشنطن، مشيرًا إلى أن منصب نائب الرئيس الذي يشغله فانس يؤهله عمليًا كي يصبح رئيسًا محتملًا للبلاد. وأضاف أن الحوار يأتي بعد استعراض للقوة من الطرفين في إطار صراع أوسع بين إيران وإسرائيل المستمر منذ عقود، حيث تلعب الولايات المتحدة دور الداعم الرئيسي لإسرائيل وتمثل مصالحها.
أجندة الطرفين
تنطلق مفاوضات إسلام أباد في وقت لم تُحسم فيه بعدُ الخلافات المتصلة بأجندتها ومحاورها الأساسية. فرغم إعلان الرئيس الأميركي ليل الثلاثاء–الأربعاء، بالتزامن مع إعلان وقف إطلاق النار، أن الورقة الإيرانية المكوّنة من عشرة بنود ستكون أساسًا للتفاوض، عاد لاحقًا ليُدلي بتصريحات تناقض ما ورد في تلك الورقة، خصوصًا قوله إنه لن يسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم. وإلى جانب ذلك، برزت خلافات وتوترات إضافية بشأن تنفيذ بنود تفاهم الهدنة، إذ اتهمت طهران الإدارة الأميركية بثلاثة انتهاكات، تمثلت بـ: عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار، ورفض السماح بتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى دخول مسيّرات صغيرة المجال الجوي الإيراني.
في السياق نفسه، تحدث رئيس البرلمان الإيراني عن شرط إضافي، أمس الجمعة، يتمثل بتعهّد أميركي بالإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمّدة، مؤكدًا أن المفاوضات لن تبدأ اليوم ما لم يُفرَج عن هذه الأموال ويتوقف القصف على لبنان. ورغم أن الهجمات على لبنان تراجعت بشكل ملحوظ، ورغم ما ذكرته وكالة "رويترز" اليوم عن موافقة أميركية على الإفراج عن جزء من الأرصدة الإيرانية، فإنه لا توجد حتى الآن تأكيدات رسمية تُثبت تحقق هذين الشرطين الإيرانيين.
قال فريدون مجلسي إن مفاوضات إسلام أباد من المتوقع أن تبدأ بجلسة تحديد جدول الأعمال، مشيرًا إلى أن "فتح قناة مباشرة للحوار بعد الحرب يُعد بحد ذاته تقدمًا تحقق بكلفة كبيرة". وأوضح الدبلوماسي السابق أن طهران أدركت خلال الفترة الماضية أن المفاوضات غير المباشرة وتبادل الرسائل عبر الوسطاء لم تكن فعالة في معالجة القضايا الجوهرية، وأن البحث الجدي في الملفات المعقدة يتطلب جلوس المسؤولين وجهًا لوجه، حتى مع وجود وسيط.
أضاف أن باكستان تلعب دورًا مهمًا في هذه الوساطة، لكونها دولة مؤثرة في المنطقة ولديها علاقات واتفاقيات دفاعية مع دول كالسعودية التي تأثرت بالحرب، ما يمنحها مصالح مباشرة في مسار مفاوضات إسلام أباد. ويرى مجلسي أن الهدف الأساسي لطهران يتمثل برفع العقوبات الدولية والإفراج عن الأصول المالية الإيرانية المجمدة، وهو ما قد يفتح المجال أمام انتعاش اقتصادي بعد سنوات من الضغوط والخسائر. لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة والدول الغربية ستطرح في المقابل شروطًا تتعلق بفرض قيود على القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، إضافة إلى وقف الدعم المالي والعسكري للجماعات المسلحة الموالية لطهران في المنطقة.
أشار فريدون مجلسي إلى أن حرية الملاحة في مضيق هرمز "تُعد حقًا دوليًا لجميع الدول"، مؤكدًا أن هذا الممر المائي يشكل شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية. وأوضح أن في المضيق مسارين، أحدهما يقع بالكامل داخل المياه الإيرانية بين الساحل الإيراني وجزيرة قشم، حيث تمتلك إيران صلاحية اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة فيه.
أما المسار الرئيسي للملاحة، فيقع بين إيران وسلطنة عُمان، ويُعد ممرًا دوليًا طبيعيًا، لافتًا إلى أن المجتمع الدولي قد يطالب بوجود نوع من الرقابة الدولية على حركة الملاحة فيه. وأضاف أن مثل هذه الرقابة، في حال اعتمادها، يمكن أن تتم مع مشاركة تنفيذية لإيران، بما يضمن أمن الملاحة ويحفظ في الوقت نفسه مكانة إيران وحقوقها في هذا الممر الاستراتيجي.
تحديات جمّة وآفاق ضئيلة
من جانبه، يرى الخبير الإيراني في العلاقات الإيرانية الأميركية إسفنديار خدائي أن مفاوضات إسلام أباد تواجه تحديات كبيرة، موضحًا في حديث لـ"العربي الجديد" أن نجاحها يتطلب اعتراف الطرفين بواقع جديد على الأرض. فبحسب رأيه، "ينبغي للولايات المتحدة أن تقبل بتغيّر ميزان القوى في المنطقة، فيما يتعيّن على الجمهورية الإسلامية التعامل بواقعية أكبر مع بعض الشعارات والأهداف الأيديولوجية، مثل خطاب العداء المطلق للولايات المتحدة، أو هدف القضاء على إسرائيل، لأن التفاوض على أساس الشعارات لا يمكن أن يؤدي إلى نتائج عملية".
أشار خدائي إلى أن أحد أهم التحولات يتمثل بموقع إيران في مضيق هرمز، "حيث أظهرت طهران قدرتها على فرض نفوذها هناك والتحكم بحركة الملاحة، وهو ما منحها ورقة ضغط جديدة في مواجهة العقوبات"، على حد تعبيره. كذلك يرى أن "التجربة العسكرية الأخيرة أظهرت أيضًا أن الخيار العسكري ضد إيران لم يعد سهلًا، إذ إن الولايات المتحدة لم تتمكن من حسم المواجهة رغم إمكاناتها الكبيرة، بينما أصبحت إيران أكثر استعدادًا لأي مواجهة مستقبلية بعد اكتسابها خبرة إضافية ومعالجة نقاط الضعف السابقة".
في ما يتعلق بآفاق المفاوضات، أعرب خدائي عن اعتقاده أن "احتمال عدم التوصل إلى اتفاق قد يكون أكبر من احتمال النجاح، نظرًا لحجم الخلافات بين الطرفين وصعوبة معالجة القضايا المعقدة في فترة قصيرة". وأضاف أن إيران، بعد الحرب، أصبحت تمتلك أوراق قوة إضافية، سواء في ما يتعلق بملف مضيق هرمز أو بالقدرات العسكرية، وهو ما يجعلها أقل استعدادًا لتقديم تنازلات كبيرة، خصوصًا في الملف النووي. وأشار إلى أن إيران قد تستخدم نفوذها في المضيق كورقة ضغط للمطالبة برفع العقوبات.
اعتبر خدائي أن الملف اللبناني يمثل أحد أكثر الملفات تعقيدًا في أي تفاوض محتمل، نظرًا لتداخل مصالح أطراف عدة، بينها الحكومة اللبنانية وإسرائيل وإيران، إضافة إلى دور حزب الله، ما يجعل التوصل إلى تفاهم في هذا الملف أمرًا صعبًا. أما في حال عدم التوصل إلى اتفاق، فتوقع خدائي ألا يكون استئناف الحرب السيناريو الوحيد. ووفق رأيه، قد يستمر الوضع الحالي من دون اتفاق شامل، خصوصًا أن الولايات المتحدة لا ترغب في الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة في المنطقة. وفي المقابل، لا تسعى إيران أيضًا لبدء حرب جديدة، ما يجعل احتمال استمرار حالة الجمود أو التوصل إلى تفاهمات جزئية أمرًا واردًا.