أوراق ثقافية

جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إيران وأبحاث الذكاء الاصطناعي

post-img

تعرضت "جامعة شريف التكنولوجية" في طهران للقصف الاثنين قبل الماضي، مما أسفر عن تدمير وإلحاق أضرار جسيمة بمبانٍ متعددة، من بينها مرفق وصفته السلطات بأنه مركز لأبحاث الذكاء الاصطناعي يضم قواعد بيانات حيوية. كما توقف الموقع الإلكتروني الرسمي للجامعة وخدماتها الرقمية عن العمل بشكل كامل إثر الضربة.

صرح رئيس الجامعة، مسعود تجريشي، قائلاً: "نحن على يقين بأن السبب وراء استهداف العدو لهذه المباني وتدمير البنية التحتية برمتها هو رغبته في الحيلولة دون امتلاكنا لتقنية الذكاء الاصطناعي". وأوضح أن هذه المنشأة التعليمية المرموقة كانت تعكف منذ عامين على تدريب نماذج للذكاء الاصطناعي باللغة الفارسية، وتقدم خدماتها لمئات الشركات الوطنية. وأضاف تجريشي، متحدثاً من موقع القصف يوم الثلاثاء: "العدو لا يريد لنا النجاح أو التطور والتقدم، لكن هجماته هذه وحدت صفوف جميع جامعاتنا الآن".

لم تمضِ دقائق على تصريحه حتى استهدف هجوم آخر العاصمة، حيث شوهدت صواريخ كروز تحلق على ارتفاع منخفض فوق وسط طهران بالتزامن مع انطلاق نيران الدفاعات الجوية. وأشار تجريشي أيضاً إلى أن الحصار المفروض على إيران حال دون تعاون أي دولة لتزويدها بالمعرفة والخبرة اللازمة في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي، بسبب العقوبات الأمريكية والمنافسة التقنية، مما جعل جميع الأبحاث المنجزة ثمرة جهود وطنية خالصة.

حتى اللحظة، لم تقدم الولايات المتحدة أو إسرائيل مبرراً رسمياً لاستهداف كبرى الصروح التعليمية أو مواقع التراث الثقافي في إيران، وهي مواقع تندرج تحت فئة البنية التحتية المدنية. ورغم عدم تسجيل إصابات بشرية داخل جامعة "شريف" نظراً لاعتماد نظام التعليم عن بُعد، إلا أن حصيلة ضحايا الحرب الإجمالية تجاوزت ألفي قتيل.

تأتي الضربة التي استهدفت الجامعة العريقة، التي تم تأسيسها منذ ستة عقود، في سياق سلسلة من الغارات الجوية المماثلة التي طالت مراكز أبحاث في مرافق بارزة أخرى؛ شملت "معهد باستور" الذي يعود تاريخه لقرن من الزمان، ومختبر البصريات بجامعة "الشهيد بهشتي"، ومختبر تطوير الأقمار الصناعية بجامعة "العلم والتكنولوجيا".

في تصريح لشبكة الجزيرة الأسبوع الماضي، كشف وزير العلوم والبحوث والتكنولوجيا الإيراني، حسين سيماي صراف، أن أكثر من 30 جامعة تضررت جراء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية منذ اندلاع المواجهات في 28 فبراير/ شباط الماضي. وقد دفعت هذه الاستهدافات المتكررة "الحرس الثوري الإيراني" إلى إعلان الجامعات التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل "أهدافاً مشروعة".

من جانبه، كان محمد حسين أميد، رئيس جامعة طهران، قد وجه رسالة نيابة عن 15 من رؤساء الجامعات الكبرى الأسبوع الماضي، حث فيها الحرس الثوري على ضبط النفس وعدم استهداف الجامعات الأخرى، تأكيداً على التزام طهران بحماية مرافق التعليم العالي في كل مكان باعتبارها "تراثاً إنسانياً وعالمياً".

مع ذلك، تراجع أميد عن موقفه لاحقاً وطالب بردود انتقامية مماثلة إثر ضغوط وانتقادات حادة من وسائل الإعلام المحلية المتشددة. وتواصل القوات الأمريكية والإسرائيلية غاراتها في أنحاء إيران مستهدفة البنية التحتية، وذلك قبل ساعات من انقضاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران للاستسلام لمطالبه.

في تصريح مثير للجدل قبل الهدنة المؤقتة، قال ترامب: "حضارة كاملة ستموت الليلة" في إيران، وهو ما جاء بعد أيام من استهداف واسع لمصانع الصلب ومنشآت البتروكيماويات، في خطوات تمس حياة أكثر من 90 مليون إيراني بشكل مباشر. كما تفاخر ترامب بأن إعادة إعمار ما دمرته الحرب سيستغرق 20 عاماً في حال توقفت واشنطن اليوم، بينما قد يمتد الأمر لمائة عام إذا استمرت الحرب.

استهداف الدولة أم النظام؟

داخل أروقة جامعة "شريف" المدمرة يوم الثلاثاء قبل الماضي، أصر أستاذ للرياضيات على إعطاء محاضرة عبر الإنترنت من وسط الأنقاض في رسالة تحدٍ تعكس الرغبة في الاستمرارية. بالقرب منه، وضعت السلطات لافتات كتب عليها: "لقد وصلت مساعدة ترامب".

تحمل هذه العبارة دلالة ساخرة تشير إلى الادعاءات المتكررة للرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برغبتهما في "مساعدة" الشعب الإيراني للإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية، الذي يواجه احتجاجات داخلية منذ سنوات. غير أن الاستهداف الممنهج للبنية التحتية المدنية أثار قلقاً عميقاً بين الإيرانيين، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية وأزمات الطاقة التي كانت تعصف بالبلاد قبل الحرب.

قال طالب في جامعة "الشهيد بهشتي"، طلب عدم ذكر اسمه: "إنه لشعور موحش أن تستيقظ لتجد جامعتك قد قصفت، ناهيك عن رعب التفكير في انقطاع الكهرباء الذي قد يمنعك من معرفة ما يدور حولك غداً". وأضاف: "إذا كان بإمكانهم تبرير ضرب محطات الكهرباء ومصانع الصلب والجسور والجامعات، فبإمكانهم تبرير أي شيء".

أدت هذه الهجمات أيضاً إلى تأجيج الخطاب الإعلامي المحلي ضد الإيرانيين المعارضين في الخارج، الذين أيد بعضهم الضربات العسكرية أملاً في سقوط النظام.

ادعت وكالة "فارس" للأنباء، التابعة للحرس الثوري، أن الهجوم على جامعة "شريف" لم يكن ليتم لولا "خيانة" المعارضين في الخارج، موجهة الاتهام للأستاذ السابق والمعارض علي شريفي زارجي بتسريب إحداثيات المركز المدمر، دون تقديم أدلة ملموسة.

ورد شريفي زارجي في تغريدة موضحاً أن موقع المركز متاح للجميع عبر "خرائط جوجل"، مؤكداً أنه يدين قصف الجامعات والمواقع المدنية، لكنه أردف قائلاً: "إن هدف أي هجمات يجب أن يكون الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية الذي احتجز الشعب رهينة للقمع والقتل الجماعي".

تداول الأستاذ رسالة صادرة عن مجموعات طلابية مستقلة أدانت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، لكنها حملت السلطات الإيرانية مسؤولية اتباع سياسات صدامية وضعت البلاد في مهب الريح.

جاء في رسالة الطلاب: "شعبنا يريد العمل والدراسة والتنفس، يريد الوصول إلى الإنترنت وبناء مستقبله. إن العقول التي تهاجر لا تعود، والفتاة التي تُعتقل تضيع فرصها الدراسية، والطفل الذي تُقصف مدرسته لن يكبر. ثمن هذه الخسائر الفادحة سيدفعه مستقبلنا جميعاً، بما في ذلك أولئك الذين يستثمرون في هذا الانقسام اليوم".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد