سلامة عبد الحميد/العربي الجديد
في كتابه "صُنع في أميركا: التاريخ المظلم الذي قاد إلى دونالد ترامب" (بنغوين راندوم هاوس، نيويورك، 2026) يقدّم الإعلامي البريطاني إدوارد ستورتون إسهامًا مهمًا في فهم صعود الشعبوية اليمينية في الولايات المتحدة، كما يحاول دحض أسطورة "الشذوذ" التي تتمسك بها نخب ليبرالية أميركية لتفسير فوز ترامب بالرئاسة. ويمثل الكتاب رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية، والإمبريالية، والتعصب الديني، والشمولية الأمنيّة التي يرى الكاتب أنها شكلت هوية الولايات المتحدة، ويقدّم فكرة مفادها أن ترامب ليس انحرافًا عن المبادئ الأميركية الرائجة، بل هو "التجسيد الأكثر صدقًا لجوهرها المظلم"، مضيفًا: "ترامب ليس ظاهرة، بل مرآة لدولة استعمرت، وطهّرت عرقيًا، وشوهت دستورها طوال تاريخها".
يرى ستورتون (1957) أن ترامب رئيس يعيد إنتاج وقائع تاريخية سابقة، وأن قراراته المثيرة للجدل لم تكن مجرد قرارات رئاسية عابرة، ولا هلوسات شعبوية، كما يحلو للبعض وصفها، بل هي "صدى مباشر" لأنماط حاكمة في السياسة الأميركية تمتد إلى ثلاثة قرون مضت. عمل ستورتون في مجال البث الإذاعي والتلفزيوني لأكثر من 40 عامًا، واشتهر بكونه أحد المقدمين الرئيسيين لبرنامج "اليوم" على راديو "بي بي سي 4"، ويعتمد كتابه "صُنع في أميركا" على رصد ستّ سمات رئيسية تميز السياسة الترامبية، وهو يتتبع كلّ سمة منها عبر ربطها بسابقة تاريخية أو أكثر.
أولى سمات ترامب التي لها سوابق تاريخية هي الإرث التوسعي الإمبريالي، فترامب الذي تحدث علنًا عن جعل كندا "الولاية 51"، وأعاد إحياء فكرة شراء جزيرة غرينلاند، لم يبتدع ذلك، إذ إن الولايات المتحدة التي نعرفها اليوم بُنيت على صفقات توسعية متعددة تجاهلت تمامًا حقوق السكان الأصليين، وصبغت توسعها بمفهوم "القدر الجلي" الذي جعلها "أمة إمبريالية" بامتياز، بينما قدمت نفسها لاحقًا قوة مناهضة للإمبريالية. ويستعرض الكتاب مثال "صفقة لويزيانا" في العام 1803 مثالًا، حين اشترى الرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون إقليم لويزيانا من فرنسا، بينما لم تكن تلك الأراضي الشاسعة ملكًا للإمبراطورية النابليونية كي تبيعها، بل كانت مأهولة بعشرات القبائل من السكان الأصليين، ثم "الحرب المكسيكية" (1846-1848) التي أجبرت سلطات المكسيك على التنازل عن نحو نصف أراضيها، بما فيها كاليفورنيا وتكساس، مقابل 15 مليون دولار.
السمة المشتركة الثانية التي رصدها الكتاب هي التعصب الديني، ويربط الكاتب بين مقولة حاكم مستعمرة خليج ماساتشوستس، المحامي البيوريتاني جون وينثروب، في العام 1630: "يجب أن نعتبر أنفسنا مدينة على تلّة. أعين العالم كلها علينا"، وبين مصطلح "أميركا أولًا" الذي يعتمده ترامب وحركة "ماغا" حاليًا. يسأل ستورتون: "كيف يمكن للإنجيليين المحافظين، وهم من أشد المؤمنين بالأخلاق المسيحية، أن يدعموا رجلًا اتُهم بالاعتداء الجنسي والكذب والفساد؟"، ثم يجيب: "مدينة وينثروب أيضًا لم تكن نموذجًا للتسامح، بل لمشروع تطهير ديني في مستعمرة خليج ماساتشوستس، حيث كان المخالفون يتعرضون للجلد أو النفي أو الإعدام". ويضيف: "النزعة الاستعلائية التي يتبناها الإنجيليون اليوم، واستعدادهم لتبرئة ترامب في سبيل الأجندة المحافظة، هي نفس النزعة التي جعلت وينثروب يطرد المخالفين (الكويكرز) خارج مستعمرته".
السمة المشتركة الثالثة في الكتاب هي الشوفينية والاعتقالات الجماعية، فسياسات ترامب تجاه المهاجرين، ولا سيما بناء جدار الفصل على الحدود المكسيكية، والفصل العائلي للمهاجرين ليست اختراعًا، بحسب ستورتون، لكنها إحياء لـ"قوانين الأجانب" التي أصدرها الرئيس الأميركي الثاني جون آدامز في العام 1798، والتي أعطته صلاحية اعتقال وترحيل أي أجنبي يعتبره "خطرًا على السلام والأمن"، وسجن الصحافيين المعارضين بتهمة "التحريض"، وهذه القوانين جرى إسقاطها في وقت لاحق باعتبارها تمثّل انتهاكًا صارخًا للتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يحمي حرية التعبير والصحافة.
أما السمة الرابعة فتناول من خلالها ستورتون تجاهل ترامب المؤسسات القضائية، وتعمده توسيع صلاحيات الرئيس، سواء عبر تجاهل الأحكام، أو مهاجمة القضاة الذين يصدرون أحكامًا لا تعجبه، معتبرًا أن ترامب لم يخترع فكرة تجاهل أحكام القضاء. بل أحيا ما فعله الرئيس السابع أندرو جاكسون، والذي تجاهل ما قضت به المحكمة العليا في قضية وورستر ضد جورجيا في 1832، وهو الحكم الذي أكد حقوق قبيلة شيروكي من السكان الأصليين في التحكم بأراضيها، وليس ولاية جورجيا. وحينها قال جاكسون ساخرًا: "القاضي جون مارشال أصدر حكمه، فليقم بتنفيذه بنفسه"، ثم أمر بترحيل 60 ألفًا من السكان الأصليين قسرًا عبر ما يعرف في التاريخ الأميركي بـ"درب الدموع والآلام"، وخلال هذا الترحيل الدامي قضى نحو ربع المُرحّلين نحبهم.
رحلة استقصائية في جذور سياسات الهوية والإمبريالية والتعصب الديني
يتناول الكتاب في السمة المشتركة الخامسة أزمة التعرفات الجمركية الحمائية التي فرضها ترامب على الصلب والواردات الصينية، ثم على دول عدة، واصفًا نفسه بـ"رجل التعرفات"، ويشير ستورتون إلى أن ذلك مجرد تكرار فج لما فعله في العام 1890، الرئيس الخامس والعشرون ويليام ماكينلي، الملقب أيضًا بـ"نابليون التعرفات"، حين رفع الرسوم الجمركية إلى أعلى مستوياتها في تاريخ الولايات المتحدة. ويؤكد الكاتب أن "حمائية" ماكينلي لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل كانت خطابًا شعبويًا هدفه المعلن "حماية العامل الأبيض من المنافسة الأجنبية"، وهو الخطاب ذاته الذي يستخدمه ترامب حاليًا.
ترصد السمة المشتركة السادسة في الكتاب ظاهرة "معاداة الإعلام"، ويقول ستورتون إن ترامب الذي يوصف بأنه "رئيس التغريدات"، يكرر الهجوم على وسائل الإعلام غير الموالية، ويواصل تشويه سمعة الإعلام المستقل بزعم "حماية الأمن القومي". ثم يحيلنا في الكتاب إلى السيناتور جوزيف مكارثي، الذي استغل منصته في "اللجنة الفرعية للتحقيق" (1950-1954)، لتلفيق التهم وإرهاب الخصوم، معتمدًا على الصحف والإذاعة في نشر الخوف.