مدينة النبطية وقرى القضاء تنتظر عودة الدولة…

post-img

عباس قبيسي (صحيفة البناء)

لم يكن قضاء النبطية يوماً مجرد مساحة جغرافية على خارطة الجنوب، بل كان دائماً عنواناً للصمود، وحاضناً لأهله الذين عرفوا كيف يتمسكون بأرضهم رغم الحروب والاعتداءات والأزمات. واليوم، ورغم عدم اليقين بوقف إطلاق النار يقف أبناء المنطقة أمام استحقاق جديد، هل تعود الدولة معهم، أم يبقى المواطن وحيداً يواجه آثار الخراب والدمار؟

فالناس لا تبحث عن الخطب ولا عن الصور التذكارية، بل تنتظر مؤشرات عملية تؤكد أنّ مرحلة ما بعد الحرب قد بدأت فعلاً، وأنّ الدولة اللبنانية قرّرت أن تكون حاضرة في الجنوب، لا زائرة له بين الحين والآخر.

إنّ أولى رسائل الطمأنينة التي يحتاجها أبناء منطقة النبطية ليست التصريحات، بل عودة مؤسسات الدولة إلى العمل الكامل في مركز المحافظة والقضاء، فعودة الأجهزة الأمنية بكلّ تشكيلاتها وفتح الدوائر الرسمية وانتظام عمل الإدارات العامة واستعادة المحاكم والدوائر العقارية والمالية والبلديات وسائر المؤسسات الرسمية لنشاطها الطبيعي، ليست مجرد إجراءات إدارية عادية، بل هي إعلان واضح بأنّ الدولة استعادت حضورها، وأنّ المواطن لم يعد متروكاً لمصيره.

إنّ الاستقرار لا يُقاس فقط بغياب أصوات القصف، بل بوجود الشرطي في مركزه والقاضي في مكتبه والموظف في عمله والمؤسسة التي تقدّم الخدمة للمواطن دون عناء أو سفر أو انتظار.

وهنا لا يمكن الحديث عن عودة حقيقية للحياة من دون معالجة الملف الأكثر إلحاحاً وهو ملف التعويضات، فآلاف العائلات ما زالت تنتظر التعويض عن الأضرار الجزئية او الكُلية التي لحقت بمنازلها لتتمكن من إصلاحها قبل حلول موسم الشتاء والمدارس، فيما تقف الأسر التي دُمّرت منازلها بالكامل أمام مستقبل مجهول، بانتظار إطلاق ورشة إعادة إعمار جدية تعيد إليها حقها الطبيعي في السكن والاستقرار.

إنّ كلّ يوم تأخير في دفع التعويضات يعني مزيداً من المعاناة والبقاء في أماكن النزوح، وبالتالي مزيداً من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والمالية على عائلات أنهكتها الحرب، فيما المطلوب أن تتحوّل الوعود إلى قرارات تنفيذية فورية وتُرصد الاعتمادات اللازمة بعيداً عن الروتين والتجاذبات السياسية.

ومنذ توقف الغارات، شهدت محافظة النبطية زيارات متتالية لعدد من الوزراء والمسؤولين، وهي زيارات مرحب بها إذا كانت بداية لمسار إنقاذي حقيقي، لكن المواطنين يريدون أن يلمسوا نتائجها وصرفها على أرض الواقع ويريدون أن يروا الطرقات قد أُصلحت، وشبكات الكهرباء والاتصالات قد استعادت كامل جهوزيتها، والدوائر الرسمية قد فتحت أبوابها، والخدمات العامة قد انتظمت والمؤسسات الأمنية والإدارية تؤدي دورها الطبيعي.

إنّ الجنوب لا يحتاج إلى مواسم تضامن، بل إلى سياسة دولة ثابتة تعتبر أنّ إعادة الحياة إلى المناطق المتضررة مسؤولية وطنية لا تخضع للحسابات الضيقة وما قدّمه أبناء النبطية ومنطقتها من تضحيات طوال السنوات الماضية يستحق أن يُقابل بخطة متكاملة تعيد بناء الإنسان وتؤسّس لمرحلة يشعر فيها المواطن بأنّ دولته تقف إلى جانبه بالفعل.

إنّ النبطية اليوم لا تطلب امتيازات بل تطالب بحقوقها، تطالب بأن تعود الدولة بكلّ مؤسساتها لأنّ عودة المواطن إلى منزله لا تكتمل إلا بعودة الدولة إلى مسؤولياتها، فالرهان الحقيقي ليس على عدد الوفود الوزارية التي تزور الجنوب، بل على حجم القرارات التي ستنفذ بعد مغادرتها، وعندما يشعر المواطن أنّ الأمن حاضر والإدارة تعمل والخدمات متوافرة والتعويضات تُدفع وقطار الإعمار قد انطلق، عندها فقط يمكن القول إنّ الحرب أصبحت فعلاً خلفنا، وإنّ الدولة عادت إلى النبطية كما يستحقّ أهلها، لا كضيف عابر بل كشريك دائم في صناعة الأمن والأمان والحياة الكريمة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد