علي عواد/جريدة الأخبار
لم يكن أحد من المحلّلين السياسيين، والمعلّقين الاستراتيجيين، ومؤرّخي الحركات الشعبوية كذلك، يتوقّع أن تأتي اللحظة التي يُطرح فيها السؤال المؤجَّل منذ عام 2016 بهذه الحدّة: هل كانت حركة «ماغا» (اختصاراً لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً») يوماً مشروعاً سياسياً له عقيدته وكوادره ومثقّفوه وأفقه التاريخي، أم أنّها لم تكن في جوهرها سوى ظلّ ممتدّ لرجل واحد أحاط نفسه بجمهور واسع، ونجح في إقناع هذا الجمهور بأنّ ولاءه له هو الولاء للحركة نفسها؟
إذا كانت هذه الأسئلة قد ظلّت طوال تسع سنوات تُطرح ثم تُؤجَّل، وتُطرح ثم تُدفَن تحت ركام الاستحقاقات الانتخابية والمعارك الإعلامية اليومية، فإنّ الأسبوع السادس من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران قد أتى ليضع هذه الأسئلة على طاولة النقاش بشكل لا يمكن تخطيه، لا لأنّ الحرب بحدّ ذاتها كانت الحدث المفصلي الذي أنتج الانقسام، ولكن لأنّها صارت تفعل في جسد الحركة التي أوصلت الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرّتين إلى البيت الأبيض فعلَ الحمض على المعدن: تآكلت طبقات الطلاء التي كانت تُخفي البنية الحقيقية للحركة، وبدأ المعدن نفسه في الذوبان أمام أعين المراقبين الذين طالما صدّقوا أنّ ما يرونه صلبٌ يدوم.
تأثير الحرب
جاءت الطلقة الأولى في هذه المواجهة من الرئيس نفسه، حين نشر يوم الخميس الماضي منشوراً مطوّلاً من 482 كلمة على منصّته «تروث سوشال»، تلك المنصّة التي أسّسها بعد طرده من «تويتر» إثر أحداث السادس من كانون الثاني (يناير) 2021، وصارت في غضون سنوات قليلة تمثّل النموذج الأوضح لما يمكن تسميته بـ«البنية التحتية الرقمية البديلة» التي صارت تنتجها القوى الشعبوية اليمينية في مواجهة هيمنة منصّات وادي السيليكون الكبرى، قبل أن تتحوّل إلى ما يشبه الغرفة السوداء التي يُدار منها الخطاب الرئاسي في الولاية الثانية، بعيداً عن أيّ رقابة تحريرية أو وساطة مؤسسية.
هاجم الرئيس في هذا المنشور، بلغة لا تليق بالمكتب البيضاوي، أربعةً من أبرز أعمدة الإعلام المحافظ الذين لعبوا منذ عام 2016 دور المختبر الفكري لحركة نهضت أصلاً بلا مثقّفين: الإعلامي تاكر كارلسون، والإعلامية ميغن كيلي، والمعلّقة كانداس أوينز، ومقدّم البرامج أليكس جونز. اختار الرئيس ترامب لهؤلاء الأربعة ألقاب «الخاسرين» و«المجانين» و«مثيري الشغب».
لا يمكن فهم الدور الذي لعبه هؤلاء الأربعة تحديداً في صناعة خطاب «ماغا» وتشكيل وعي قاعدتها الشعبية، في معزل عن التحوّل الأكبر الذي طال الفضاء الإعلامي الأميركي منذ نحو عقد ونصف العقد، والذي أطلق عليه باحثون في علم اجتماع الإعلام اسم «التشظّي الخوارزمي»: أي ذلك التفكّك البطيء للفضاء الإعلامي الوطني الذي ظلّ لعقود يُنتج ما يشبه الرواية المشتركة بين الأميركيين على اختلاف مشاربهم، وتحوّله إلى أرخبيل من الفضاءات المتوازية التي يحكم كلّاً منها منطقه الخاصّ في اختيار المحتوى وترتيب أولوياته وتضخيم ما يراه جديراً بالتضخيم. ولم يعد الأميركيون، في ظلّ هذا التحوّل، يتلقّون الأخبار نفسها ولا يرون الصور عينها ولا يتناقشون حول الأسئلة نفسها، فصار كلّ طرف منهم يعيش في بيئة معلوماتية مغلقة لا تكاد تلتقي بالبيئات المجاورة لها إلّا في لحظات الصدام العلني، حين تنكشف المسافة الهائلة التي كانت تفصلها عنها طوال الوقت دون أن يشعر بها أحد.
المنصّات البديلة من نوع «تروث سوشال» التي أسّسها الرئيس ترامب بعد طرده من «تويتر»، و«ربل» التي صارت الحاضنة الأبرز للمعلّقين المحافظين الذين طُردوا من منصّات وادي السيليكون الكبرى، و«إكس» بعد استحواذ الملياردير إيلون ماسك عليها وإعادة هندسة خوارزمياتها، لا تمثّل سوى التعبير الأجلى عن هذه الظاهرة في صيغتها اليمينية، إذ لا تكتفي هذه المنصّات بتوفير فضاء تقني للنقاش، وإنّما تُنتج هي ذاتها ما يمكن تسميته بـ«البيئة الحسّية» التي يعيش فيها جمهورها، ويُعاد من خلالها تشكيل وعيه بالعالم والدولة وبمكانه منهما.
في هذه البيئة بالتحديد، لا في استوديوهات «فوكس نيوز» ولا في صالات تحرير الصحف الكبرى، جرى بناء خطاب «ماغا» وتحويله من مجموعة شعارات مبعثرة إلى ما يشبه الرؤية المتماسكة للعالم، وهي مهمّة اضطلع بها الأربعة الذين طردهم الرئيس ترامب هذا الأسبوع من الحركة بجملة واحدة: «ليسوا ماغا».
لمن تعود «ماغا»؟
فترامب، الملك كما يود أن يكون، أعاد تعريف الحركة بجملة ثانية أكثر دلالة: «ماغا تعني الفوز والقوة عبر عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي». وإذا كان هذا التعريف قد قُدّم باعتباره توضيحاً لجوهر الحركة، فإنّه في الحقيقة لم يكن سوى انقلاب على ما كان يُعدّ حتى الأمس القريب من ثوابتها، وهو الرفض الجذري للانخراط في حروب خارجية جديدة باسم مصالح لا تخصّ الأميركي العادي، ذلك الرفض الذي تحوّل منذ عام 2016 إلى ما يشبه «الإطار التفسيري الكبير» الذي قرأت الحركة من خلاله كلّ الملفّات الدولية.
الملاحظ هنا، أنّ القائمة التي اختارها الرئيس لم تُصَغ من فراغ، ولم تكن مجرّد ردّ فعل لحظي على انتقادات عابرة، ولكنّها كانت تعبيراً عن إدراك متأخّر لحقيقة صارت مستعصية على التجاهل: أنّ هؤلاء الأربعة تحديداً قد لعبوا خلال السنوات الماضية دوراً لا يمكن اختزاله في وظيفة الناطقين الإعلاميين عن الحركة، فهم الذين ترجموا خطاب ترامب المبعثر إلى شيء يشبه العقيدة، وهم الذين نقلوا غضب الريف الأميركي من الهوامش إلى جوهر النقاش القومي، وهم الذين صاروا يُنتجون للحركة ما عجزت عن إنتاجه لنفسها، وهو «الخطاب المؤسِّس» الذي يُعطي للغضب الشعبي معناه ويوجّهه وجهةً بعينها.
لهذا، صار ثمن صدّقهم بوعد «لا حروب جديدة» أنّهم اكتشفوا في نهاية المطاف أنّ هذا الوعد قد تعامل معه الرئيس مثل أيّ شعار انتخابي قابل للسحب عند الحاجة، لا باعتباره ركيزة عقائدية تُلزم من أطلقها.
جاءت الردود في أقلّ من ساعة، وبصيغة لم تعهدها المؤسسة الإعلامية الأميركية من قبل في علاقة صوت محافظ كبير برئيس من حزبه. فقد دعا الإعلامي تاكر كارلسون في تعليقاته الأخيرة المساعدين العسكريين الأميركيين إلى رفض أيّ خطط تستهدف المدنيين الإيرانيين، في لغة لم تخرج من صوت محافظ بهذا الحجم منذ عقود. لم يكتفِ كارلسون بذلك، فوضع الحلفاء الإسرائيليين أنفسهم في قفص الاتّهام، متسائلاً عن جدوى التزام واشنطن تجاه دولة وصفها بـ«الدولة التابعة»، وبـ«الدولة الصغيرة عديمة الأهمية، ذات عدد السكان والاقتصاد بالغَي الضآلة، التي لا وجود لها إلّا لأنّ أميركا تحميها وتدفع ثمن كلّ شيء». واقترح علناً أن تبلّغ واشنطن حلفاءها في تل أبيب: «نحن نسعى إلى السلام. سنُنجز هذا. وأنتم كفّوا». وهذه اللغة بحدّ ذاتها، بصرف النظر عن الموقف الذي تُعبّر عنه، لم تكن قبل سنوات قليلة متاحة لأيّ صوت يطمح إلى البقاء في دائرة الإعلام المحافظ الرئيسي، صارت اليوم تخرج من حلق الرجل الذي كان يُعدّ، قبل أقلّ من ثلاث سنوات، وجه هذا الإعلام ومرجعه الأوّل.
ذهبت المعلّقة كانداس أوينز إلى المدى الأقصى الممكن في الخطاب المحافظ الأميركي، فكتبت على منصّة «إكس»: «يجب تفعيل التعديل الخامس والعشرين. إنّه مجنون إبادي. لقد تجاوزنا كلّ حدود الجنون». طالبت بذلك الكونغرس والمؤسسة العسكرية بالتدخّل عبر التعديل الدستوري الخامس والعشرين (وهو التعديل الذي يُجيز لنائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة تنحيةَ الرئيس من منصبه إذا ثبت عجزه عن أداء مهامّه، جسدياً كان هذا العجز أم عقلياً).
سار مقدّم البرامج أليكس جونز (أحد أهمّ منظّري المؤامرات الذين اتّكأت عليهم حركة «ماغا» في صعودها) في الإتجاه نفسه تقريباً، فتساءل علناً في برنامجه عن كيفيّة تفعيل التعديل الخامس والعشرين ضدّ ترامب، ووصف ما يصيبه بـ«الخَرَف»، واتّهم إسرائيل بأنّها «أوقعت به» في الحرب، مستعيداً المثل الإنكليزي القديم «رجلٌ مرّة، طفلٌ مرّتين»، في إشارة إلى ما رآه انهياراً في قدرات الرئيس الذهنية.
أمّا الإعلامية ميغن كيلي، فقد قدّمت ربّما أبلغ التشخيصات للحظة الراهنة حين قالت إنّ «التحالف الذي أوصل ترامب إلى الرئاسة تفكّك وتحوّل إلى شظايا»، وإنّ قاعدته الشعبية «تهتمّ بما يجري في ولاية آيوا، لا بما يجري في إيران». وإذا كانت هذه الردود قد جاءت كلّها من وجوه إعلامية، فإنّ الردّ الأقسى قد أتى من جهة سياسية لم يحسب لها الرجل حساباً: النائبة السابقة مارغوري تايلور غرين، المرأة التي ظلّت إلى جانبه حين تخلّى عنه كثيرون.
كتبت جملة تستحقّ التوقّف عندها: «حاربتُ جنباً إلى جنب مع تاكر كارلسون وميغن كيلي وكانداس أوينز وأليكس جونز لإيصال ترامب إلى الرئاسة. والآن يهاجمنا جميعاً في منشور واحد. نحن لم نتغيّر، ترامب هو من تغيّر». ردّ عليها الرئيس بلقب «مارغوري الخائنة» (مع أنّه كتب اسمها العائلي خطأً «براون» (بنّي) بدل «غرين» (أخضر)، في زلّة اعتبرها البعض عنصرية مقصودة).
يختلف هذا الانقسام، في طبيعته، عن كلّ ما سبقه من عواصف داخلية في تاريخ الحركة القصير. فهو لا يدور حول تعيين وزير ولا حول خلاف تكتيكي على مقعد في مجلس الشيوخ، ولكنّه يدور حول السؤال الذي ظلّ مؤجَّلاً تسع سنوات كاملة: لمن تعود ملكية «ماغا»؟ وقد حسم الرئيس ترامب هذا السؤال في آذار (مارس) الماضي بثلاث كلمات بدت في حينها عابرة لا تستحقّ كثيراً من الاهتمام: «ماغا هي ترامب».
تحوّلت هذه الكلمات في غضون أسابيع، من عبارة دفاعية ًاطلقت في لحظة انفعال، إلى ما يشبه العقيدة الرسمية للجناح الموالي داخل الحركة. صارت، في الوقت نفسه، الفتيل الذي أشعل تمرّد الجناح الآخر الذي ظلّ يرى في الحركة شيئاً أكبر بكثير من صاحبها، ومشروعاً تاريخياً لا يمكن اختزاله في شخص عابر مهما بلغ حضوره.
في الضفّة المقابلة، موجود ما يمكن تسميته بـ«ماغا الإسرائيلية»، تمثّله وجوه مثل المدوّنة لورا لومر، ومارك ليفين، وبن شابيرو الذي فقد خلال الأشهر الأخيرة القسم الأكبر من قاعدته الجماهيرية، وحفنة من المستشارين غير الرسميين. تراجع حضور هذا الجناح في الشارع الشعبوي. لكن ازداد قربه من أذن الرئيس. ويختصر هذا التناقض بين «ماغا الشعبية-الانعزالية» من جهة، و«ماغا السلطوية-الإسرائيلية» من جهة أخرى، القصّةَ التي يتفادى الإعلام الأميركي السائد تسميتها باسمها الحقيقي: حركة «ماغا» تنقلب على النخبة التي أفرزتها.
البيت ينقسم
وتحسم الأرقام الجدل لصالح المتمرّدين داخل «ماغا» نفسها. فقد كشف أحدث استطلاع لمركز «بيو ريسيرش» أنّ تأييد الرئيس ترامب داخل الحزب الجمهوري نفسه قد هبط إلى 73 في المئة، بعد أن كان في منتصف الثمانينيات في وقت سابق من ولايته، وهو تآكل لم يعهده الرجل طوال تسع سنوات من الحضور في الحقل السياسي الجمهوري. وأظهر استطلاع محطة «سي إن إن» أنّ نسبة الجمهوريين الذين يؤيّدون أداء الرئيس «بقوّة» قد هبطت من 52 في المئة في كانون الثاني الماضي إلى 43 في المئة في نيسان الحالي.
أمّا الرقم الأكثر دلالة من ذلك كلّه، فهو أنّ هذا التآكل يتركّز بشكل حاد لدى الجمهوريين من الفئة العمرية دون الخامسة والأربعين، إذ هبط تأييدهم للرئيس في الملفّ الاقتصادي وحده بـ 23 نقطة خلال أشهر قليلة، وهي تحديداً الشريحة التي شكّلت العمود الفقري لـ«ماغا الشعبية» منذ عام 2016، والتي منحت الرئيس أصواتها عام 2024 على أساس وعد واحد لا غيره: «لا حروب جديدة». وحين اختار الرئيس أن يطرد الأصوات التي كانت تترجم هذا الوعد طوال تسع سنوات بجملة واحدة على «تروث سوشال»، بدل أن يُقنعها بالعودة إليه، فإنّه كان يُعلن ضمنياً أيّ الجناحين صار يمثّل «ماغا» في نظره.
يتشابك في هذه اللحظة بالتحديد ملفّان كانا يُدفعان، في حسابات البيت الأبيض، في اتجاهين متضادّين: تفتح الحرب جرحاً، ويفتح ملفّ سيء الذكر جيفري إبستين جرحاً موازياً. والتقى الجرحان الأسبوع الماضي في مشهد لم يتوقّعه أكثر المراقبين تشاؤماً. خرجت السيدة الأولى ميلانيا ترامب يوم الخميس من «البهو الكبير» في البيت الأبيض. ألقت بياناً من خمس دقائق، نفت أيّ علاقة لها بجيفري إبستين وشريكته غيلين ماكسويل. قالت السيدة الأولى إنّها «لم تكن يوماً صديقة لإبستين». وصفت مراسلاتها مع ماكسويل بـ«الملاحظة التافهة».
أقفلت البيان ببند فاجأ الجميع: طالبت الكونغرس بعقد جلسة علنية يُسمح فيها لضحايا إبستين بالشهادة تحت القسم. وإذا كان التوقيت هو المفتاح الحقيقي لقراءة ما جرى، فإنّ هذا الخروج قد أتى في أسوأ لحظة ممكنة لزوجها، وبطريقة فاجأت مسؤولين كباراً في البيت الأبيض أنفسهم، ممّن ظنّوا أنّ حرب إيران ستبتلع كامل القصة في واشنطن وتدفعها إلى الهامش.
الطلقات الأولى
لعلّ أكثر ما يستحقّ التوقّف عنده في هذه اللحظة، أنّ موجة العداء التي صارت تُعبّر عن نفسها داخل الجناح الانعزالي من «ماغا» تجاه إسرائيل قد بلغت من الحدّة والصراحة ما لم يعرفه الخطاب السياسي الأميركي منذ عقود، ولا حتى في أكثر لحظاته توتّراً خلال حقبة الحرب الباردة أو في ذروة الجدل حول غزو العراق. فاللغة التي صار يستعملها معلّقون محافظون كبار في وصف إسرائيل، ومن ذلك الطعن العلني في جدوى التزام واشنطن بحمايتها والتشكيك في مشروعية الاستثمار الأميركي الضخم في بقائها، لم تكن قبل سنوات قليلة تخرج إلّا من هوامش اليسار الراديكالي أو من أصوات معزولة لا وزن لها، فصارت اليوم تصدر من القاعدة الشعبية لحزب ظلّ يُعدّ، على مدى نصف قرن، الحاضنة الأصلب للوبي الإسرائيلي في واشنطن.
هذا التحوّل ليس تحوّلاً في النبرة ولا في اختيار المفردات، ولكنّه تحوّل في البنية العميقة للعلاقة التي ظلّت تُقدَّم باعتبارها «علاقة خاصّة» لا تقبل المراجعة، صارت اليوم موضع تشكيك جذري من جهة لم تكن تُعدّ يوماً مصدراً لمثل هذا التشكيك. والمفارقة أنّ هذا العداء الجديد لا يُبنى على أسس يسارية مألوفة من نوع التضامن مع الفلسطينيين أو نقد السياسات الاستيطانية، وإنّما يُبنى على منطق «أميركا أوّلاً» الذي كان يُفترض أنّه يخدم إسرائيل لا أن ينقلب عليها، والذي صار في لحظتنا الراهنة يُنتج استنتاجاً لم يتوقّعه أصحابه أنفسهم: أنّ الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل يمثّل استنزافاً لموارد أميركا ودمها ومكانتها، لا حمايةً لمصالحها كما دأبت الرواية الرسمية على تصويره منذ عقود.
لهذا، فإنّ ما يجري داخل الجناح الانعزالي من «ماغا» لا يمكن قراءته ضمن خانة الخلافات التكتيكية حول سياسة خارجية بعينها، ولكنّه يُعلن عن بداية مراجعة جذرية لعلاقة ظلّت لعقود بمنزلة المسلّمة التي لا تُناقش، ويضع في التداول سؤالاً كان يُعدّ قبل سنوات قليلة من المحظورات: ما الذي يبرّر، من منظور المصلحة الأميركية الصرفة، استمرار هذا الالتزام المفتوح تجاه إسرائيل؟
يقف الأميركيون اليوم أمام لحظة من النوع الذي لا يتكرّر كلّ عقد، ولا يمكن فهمها بأدوات التحليل السياسي اليومي المعتادة (صار هناك حاجة لأن يكون المحلل من الملمين بحركة الجمهور والمنشورات على منصات التواصل). فقد عجزت الحركة التي قُدّمت طوال تسع سنوات باعتبارها تياراً شعبوياً مناهضاً لـ«حروب النخب» عن حماية حجر الزاوية في عقيدتها، ساعةَ قرّر زعيمها الذهاب إلى حرب جديدة.
اكتشفت الوجوه الإعلامية المحافظة الكبرى التي صنعت خطاب «ماغا» وحَمَلته من ولاية إلى ولاية أنّها كانت تبني، من دون أن تدري، صرحاً لرجل واحد. واكتشف الرئيس ترامب من جهته أنّ الحركة التي صنعها لا يمكن نقلها من كتف إلى كتف كما ظنّ، وأنّ ثمّة خطّاً أحمر واحداً لم يحسب له حساباً في كلّ معادلاته السابقة: خطّ الحرب. ويبقى القادم أسوأ: تستمرّ الحرب، ويعود ملفّ إبستين إلى الواجهة بدفع من السيدة الأولى نفسها، ويصير واضحاً، لمن يتابع مجتمع الإمبراطورية، أنّ الاقتتال داخل «ماغا» لم يبدأ فعلاً، وأنّ ما رأيناه هذا الأسبوع لم يكن سوى الطلقات الأولى في حرب أهلية داخل «ماغا» نفسها، صارت، بعد أن ظلّت طويلاً في خانة التكهّنات، أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال.