اوراق مختارة

حين تستهدف منشآت المياه… الحدّ الفاصل بين الاستمرار والانهيار

post-img

عباس قبيسي (صحيفة البناء)

ليست الحرب دائماً ما يُسمع صداها في الانفجارات فقط، بل أحياناً تتسلّل بصمتٍ إلى تفاصيل الحياة الأكثر بساطة وأهمية، إلى كوب مياه على طاولة الدار تحت شجرة تظلّل تعبنا، إلى صنبور ينتظر أن يروي عطش بيتٍ بأكمله هناك، حيث يبدو كلّ شيء عادياً، تبدأ الحكاية الحقيقية حين تتحوّل الحياة نفسها إلى هدف.

في الجنوب، لم تعد الاعتداءات الصهيونية تكتفي بالحجر ولا بالبشر، بل امتدّت إلى ما هو أبعد، إلى شرايين الحياة نفسها “منشآت مؤسسة مياه لبنان الجنوبي”، تلك التي وُجدت لخدمة الناس وتمنحهم حقّهم الطبيعي في العيش، باتت في مرمى الاستهداف اليومي محطتا أبل السقي والميسات والآبار الإرتوازية والخزانات والشبكات، لم تكن مجرد منشآت تقنية في قرى الحافة الامامية (قضاء بنت جبيل، مرجعيون، صور)، بل كانت اختصاراً لطمأنينة قرى بأكملها وحين أصيبوا تعطّل الضخ لمياه الشفة وتصدّع الإحساس بالأمان.

أما في الزاهرية قناريت (قضاء صيدا) وفي بئر الشرقية (قضاء النبطية) وغيرها حيث كانت الطاقة الشمسية تعوّض بعض غياب كهرباء الدولة، وتمنح الناس قدرةً على الصمود فقد طالتها يد الغدر والتدمير أيضاً وكأنّ الرسالة أوضح من أن تُفسَّر حتى البدائل لم تعد آمنة، وحتى محاولات التكيّف مع الأزمات أصبحت هدفاً، بالإضافة الى ذلك ارتقى من صفوف المؤسسة شهداء كُثُر، سقطوا على مذبح الجنوب وهم يؤدّون واجبهم الوظيفي في خدمة لبنان.

ليست هذه مجرد أضرار مادية تُحصى بالأرقام، بل هي اعتداء على فكرة الحياة بحدّ ذاتها فالماء ليس خدمةً عادية بل أساسية وهي الحدّ الفاصل بين الاستمرار والانهيار، حين تُستهدف يتحوّل العطش إلى سلاح وتصبح المعاناة اليومية جزءاً من مشهدٍ أكبر عنوانه الضغط على الناس في أبسط حاجاتهم وتفاصيلهم الصغيرة.

وما يزيد هذا المشهد قسوة، أنّ استهداف منشآت المياه ليس حادثاً عابراً، بل خرقٌ في وضح النهار لكلّ ما يُفترض أنه يحكم الحروب والنزاعات من قواعد وأعراف تلك القواعد التي وُضعت لتحمي الحدّ الأدنى من الإنسانية، يبدو أنها تسقط تباعاً أمام واقعٍ همجي لا يعترف إلا بالقوة.

لكن في الجنوب ثمّة شيء لا يُقصف، شيء لا تطاله الطائرات الحربية والمُسيّرات ولا تناله الصواريخ هي إرادة الجنوبيين، هؤلاء الذين اعتادوا أن يعيدوا ترميم يومهم كلّ صباح، وأن يبتكروا من العجز حلولاً ومن القسوة قدرةً على الاستمرار.

في الختام، حين يُستهدف الماء لا تكون المسألة عطشاً عابراً لبعض الوقت بل محاولة لإطفاء معنى الحياة في تفاصيلها الأولى، غير انّ الجنوب المجبول على العناد لا ينحني ويبقى عصياً على الكسر ومحاولات الترويض هو الذي تعلّم طويلاً كيف يحرس نبضه رغم كلّ شيء ويكتب أصعب فصول الثبات، يعرف تماماً أنّ الماء قد يُحاصر لكنه لا يموت وفي كلّ مرة يُدمّر فيها بئر أو قصر مائي او شبكة توزيع، تُفتح في مكانٍ آخر ينابيع ومشاريع الصمود، وكأنّ الأرض نفسها تهمس هنا، لا يزال للحياة صوتٌ أعلى، في هذا الركن المثقل شيءٌ ما يقاوم بصمت، أعمق من الضجيج وأصدق من كلّ هذا الخراب…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد