فادي الحاج حسن/كاتب لبناني
في مشهد عالمي سريع التغير، تحل النماذج التقليدية لحروب القرن العشرين، والتي تميزت بالانتصارات العسكرية الحاسمة أو معاهدات السلام الرسمية، محل "لا حرب ولا سلم". هذه المنطقة الرمادية تنطوي على تداخل مستمر بين التهديدات العسكرية والضغوط الاقتصادية والحرب السيبرانية. يُعد الصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة، لا سيما في سياق حرب العام 2026، نموذجًا حاسمًا لهذه الحقبة الجديدة من العلاقات الدولية.
أولًا- من الحرب الباردة إلى الصراع الهجين
تجد فكرة "لا حرب ولا سلم" جذورها التاريخية في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السابق في القرن االماضي، حين تجنبت القوى العظمى المواجهة المباشرة لمصلحة صراعات غير مباشرة. مع ذلك، فإن التجسيد الحديث لهذا النوع من الصراعات، في شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط) هو أكثر تعقيدًا، مستخدمًا مجموعة متطورة من الأدوات الهجينة:
|
فئة الأداة |
تجليها في الصراع الإيراني-الأمريكي |
|
الاقتصادية |
عقوبات مكثفة تستهدف قطاعات النفط والتجارة والمال. |
|
السيبرانية |
عمليات متقدمة تستهدف البنى التحتية الحيوية وأنظمة الطاقة. |
|
العسكرية |
ضربات محدودة وموجهة واغتيالات استراتيجية. |
|
بالوكالة |
صراعات إقليمية مستمرة تشمل أطرافًا غير حكومية. |
أدى هذا التطور إلى تحول الصراع إلى صراع مستدام منخفض الحدة، يدمج الضغط العسكري والاقتصادي من دون التصعيد إلى حرب شاملة وكارثية.
ثانيًا- القوة محرك أساسي
وفقًا لنظرية الصراع في علم الاجتماع السياسي، العلاقات الدولية مدفوعة بالتنافس على القوة والموارد والهيمنة بدلًا من التوافق. يُعد التوتر الإيراني - الأمريكي صدامًا أساسيًا بين مشروعين استراتيجيين متنافسين:
- مشروع الهيمنة العالمية لواشنطن: يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، والحد من نفوذها الإقليمي، والسعي لتغيير النظام للحفاظ على نظام عالمي أحادي القطب.
- مشروع الاستقلال الإقليمي لطهران: يرتكز على السيادة الوطنية ورفض الإملاءات الخارجية، ويعتمد الأصول الاستراتيجية مثل البرنامج النووي رموزًا للاستقلال.
يضمن هذا الصدام بين الإرادات أن تظل حال "لا حرب ولا سلم" هي التوازن الوحيد الممكن للطرفين.
ثالثًا- مقاربة متعددة الطبقات
تفترض نظرية يوهان غالتونغ للعنف أن الضرر لا يقتصر على القوة البدنية المباشرة. في السياق الإيراني - الأمريكي، يتجلى العنف في ثلاثة أشكال متميزة:
- العنف المباشر: ضربات عسكرية مرئية، اشتباكات تكتيكية واغتيالات.
- العنف البنيوي: الضرر “غير المرئي” الناجم عن العقوبات الاقتصادية الشاملة والحصار المالي الذي يستهدف رفاهية السكان المدنيين.
- العنف الرمزي: استخدام الخطاب الإعلامي والتأطير السياسي والتجريد الدبلوماسي من الشرعية لتسويغ العداء المستمر.
في ظل نموذج "لا حرب ولا سلم"، لا يغيب العنف؛ بل يرسخ حالًا دائمة ومنخفضة الحدة.
رابعًا- حرب العام 2026 تصعيد بلا حل
شهد اندلاع الأعمال العدائية في فبراير/شباط 2026، والتي بدأت بهجمات أمريكية - إسرائيلية على أصول إيرانية استراتيجية، تصعيدًا كبيرًا واغتيال المرجع الأعلى للثورة الإسلامية آية الله الإمام الخامنئي. مع ذلك، ظل الصراع ضمن حدود محسوبة. وشملت السمات الرئيسة لهذه المرحلة:
- الاستنزاف البحري: حصار في مضيق هرمز يؤثر في ما يقرب من 20% من إمدادات النفط العالمية.
- الجبهات السيبرانية: هجمات متطورة تستهدف البنية التحتية للطاقة الأمريكية كشكل من أشكال الانتقام الهيكلي.
- الجمود الاستراتيجي: على الرغم من شدة الضربات، لم يحقق أي من الطرفين نصرًا حاسمًا، ما يعزز منطق التصعيد الدائم أداة للمساومة بدلًا من الحل الشامل.
خامسًا- الاستنزاف المتبادل وحدود القوة
تكشفت حرب العام 2026 حدود القوة التقليدية. إن استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية، لا سيما أنظمة الصواريخ المتقدمة وقدرة إيران المستمرة على التكيف مع سياسة "الضغط الأقصى"، من خلال شبكات اقتصادية بديلة، يثبت أن القوة العسكرية والاقتصادية وحدها لا يمكنها كسر الجمود الاستراتيجي. لقد تحول الصراع من معركة قدرات إلى معركة إرادات طويلة الأمد.
سادسًا- التداعيات الجيوسياسية
الصراع الإيراني - الأمريكي ليس مجرد قضية ثنائية؛ هو نقطة محورية في الجغرافيا السياسية العالمية، ويمتد تأثيره إلى:
- أمن الطاقة العالمي: تؤدي هشاشة مضيق هرمز إلى تقلبات دائمة في أسواق الطاقة.
- الاستقرار الإقليمي: يجبر نموذج "لا حرب ولا سلم" الفاعلين جميعهم شرق غرب آسيا (الشرق الأوسط) على التنقل في مشهد من التوتر المستمر والمُدار.
- القانون الدولي: يمثل استخدام العنف الهيكلي والرمزي تحديًا للتعريفات التقليدية للحرب والسيادة.
سابعًا- استراتيجية الصمود
نموذج "لا حرب ولا سلم" ليس مرحلة انتقالية، هو استراتيجية دائمة لإدارة الصراعات الدولية في القرن الحادي والعشرين. بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران، يستلزم هذا النموذج الالتزام بـالصمود الاستراتيجي، بتكييف هياكلها الاقتصادية والعسكرية لمقاومة الضغوط الخارجية المستمرة، فقد أثبتت إيران أن الدولة المستعدة للاستنزاف الدائم يمكنها مواجهة حدود القوة الصارمة بفعالية.
في نهاية المطاف، يؤكد الصراع الإيراني - الأمريكي حقيقة عالمية جديدة: أنه في هذا العصر أصبحت فيه تكاليف الحرب الشاملة باهظة، تصبح حال "لا حرب ولا سلم" هي المعيار المؤسسي للمنافسة الدولية.
المراجع
- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS): تحليل الأهداف الاستراتيجية الأمريكية والقدرات العسكرية الإيرانية.
- ألاكو (Alaco): تقارير عن تأثير العقوبات الاقتصادية على قطاعات النفط والتجارة الإيرانية.
- سيسام ديسك (Sesame Disk): توثيق تصعيد فبراير 2026 وديناميكيات الصراع الإقليمي.
- الدبلوماسية الحديثة (Modern Diplomacy): تحليل تأثير الصراع على إمدادات الطاقة العالمية والملاحة البحرية.
- الإيكونوميك تايمز (The Economic Times): تقارير عن استنزاف المخزونات العسكرية وحدود الحرب التقليدية.
- أكسيوس (Axios): بيانات عن مضيق هرمز ودوره في أمن الطاقة العالمي.
- الجارديان (The Guardian): تغطية أزمة الشرق الأوسط والتوترات الدبلوماسية.
- مجلة نيويورك (New York Magazine): تحليل احتمالية الحرب المباشرة مقابل الصراع المستمر.
- أسوشيتد برس (AP News): تقارير عن الصدام الأمريكي-الإيراني حول البرامج النووية والمعاهدات الدولية.