عبد الله عبد/جريدة الأخبار
بينما تشتعل الميادين، يبرز حسن أحمديان كأهم مكاسب المواجهة الراهنة؛ ليس كشخص، بل كنموذج للشباب الإيراني المتسلح بالمعرفة. بهدوء واثق ولغة عربية ناصعة، يُفكك بروباغندا القوة، ويواجه جيوشًا من المحللين بمنطق الأرقام والرصانة، محوّلًا الشاشة إلى جبهة وعي تُربك «عنجهية المستكبر» وتنتصر للعقل
أهمّ مكاسب جولة الحرب الحالية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل (والدول الخليجية) من جهة أخرى، أمران:
الأول هو تمريغ عنجهية دونالد ترامب في القار القاني الثقيل لآبار النفط الذي يلهث وراءه، وفي طمي مضيق هرمز الذي يريد قرصنته كما فعل بغيره من مناطق الثروات وممراتها.
هذا التمريغ فعل ضروري يجب أن يستمر حتى امّحاء الملامح، فرغم عدم توافقكَ مع الأدبيات السياسية والدينية للنظام في إيران، فإنكَ ستفهم معنى مصطلح «المستكبر» من خلال هذا الأخرق المختلّ، بالنظر إلى تصريحاته وأفعاله، وطريقته في ليّ شفتيه وشموخ رأسه، وحركة يديه اللتين كأنّه يُنهي بهما نِزالًا في المصارعة الاستعراضية، التي يُشبهها من حيث أنّ كل ما فيها مُضخَّمٌ وغير حقيقي، بدءًا بعضلات المصارعين، مرورًا بتصريحاتهم المتوعّدة قبل النزال، انتهاءً بالنزال نفسه وما ينتج منه من ربح، حتى لَيبدو أنّه تعلّم السياسة من كل ذلك. أما الأمر الثاني، فهو حسن أحمديان.
في حال أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، ليس الأمر شخصيًا، مع أن الأسباب الشخصية لا تنقص للإعجاب به، بل الغيرة منه. أنتَ كشاب (أو أنتِ كفتاة)، لا يمكن إلا أن تندم على الوقت الذي أضعته في أفعالٍ غير القراءة والتعلّم، وأنتَ تستمع إلى تحليله الهادئ الرصين، المدعّم بالأرقام وبهدوء واثق جليدي، وتشاهد جلسته الراسخة، بعمود فقري مستقيم، ويدين متشابكتي الأصابع مستقرتين فوق الطاولة، من دون أن يتكلّم في غير الوقت المخصص له، ومن دون أن يسمح لأحدٍ بمقاطعته، مُذكِّرًا بأنّه لم يقاطع أحدًا. في الأوقات الساخنة، «احفظ رأسكَ باردًا»، يقول جوزيف سماحة، ويُطبّق حسن أحمديان.
يُقدّم أحمديان قراءته للأحداث على شاشة قناة «الجزيرة» القطرية، في مختلف فترات اليوم، بلغة عربية سليمة وناصعة، على نحو يُخجِل الضيوف اللبنانيين والخليجيين، قبل أن يُخجلهم بعمق تحليله وقوة حجّته، على نحوٍ يجعلهم يتعثّرون بالأحرف والأفكار، فيبتعدون أكثر عن المنطق العلمي الصحيح، الذي لا يخفى على المتابع العادي، بسبب وضوح العدوان في هذه الحرب، ومشروعية الرد على مصادره. كما يُطلّ الشاب الإيراني في لقاءات عبر قنواتٍ أجنبية على اليوتيوب، متحدثًا بلغة إنكليزية صحيحة، بنبرته العقلانية الباردة ذاتها، وقد زادت مشاركته في هذه القنوات بسبب رواج مقاطع فيديو قصيرة له، يصرع خلالها مُساجله العربي بكلمات قليلة، مُسكتًا إياه إلى حين استعادة تماسكه.
المحطة اليومية الأبرز لأحمديان، التي أصبحت منتظَرة من المشاهدين، هي مشاركته في برنامج «نقاش الساعة»، الذي يُبثّ بين الساعتين 10 و11 على «الجزيرة». يشارك في هذا البرنامج ثمانية ضيوف، لا تملك وأنت ترى أحمديان يُصارعهم فكريًا، ويُفحمهم كابحًا اندفاعتهم الفارغة، إلا أن تقول مُعجبًا: «السبع بسبعة! ».
في الحقيقة، ليس السبعة الآخرون جميعًا ضده تمامًا، لكنّ أيًا منهم ليس معه تمامًا أيضًا، في حين أنّ التوافق، بل التحالف، لا يغيب عن اثنين أو أكثر من الضيوف الآخرين: هناك أحد «فلول صدّام»، الذي تلقفته إحدى مؤسسات قطر بصفة «باحث أول»، وهو الذي أغاظه جدًا في بداية الحرب مشهد المواطنين الإيرانيين يشترون لوازم فطورهم من أحد مولات طهران، ويمارسون حياتهم اليومية العادية، فأكّد أن الولايات المتحدة لن تحقق شيئًا من الحرب إن لم يحسّ هؤلاء بالخوف ويمتنعوا عن الخروج إلى الشوارع. وهناك الضيوف الخليجيون، سريعو الانفعال والارتباك، ضِعاف الإعداد والتحضير، حتى أنهم يستعينون بهواتفهم خلال الحلقة للتحقق من الإنترنت من صحة مادة قانونية دولية ذكرها أحمديان، ويكرّرون الكلام ذاته خلال الحلقة، ومن يوم إلى آخر.
هناك أيضًا الضيوف اللبنانيون، الضليعون جدًا في القوانين الدولية، ولكن ليس إلى درجة إدانة إسرائيل التي تخرقها في كل ثانية، أو الولايات المتحدة التي اعتدت على دولة ذات سيادة، بل فقط لإدانة من يقاومون إسرائيل، ومن يرد على العدوان عليه بإغلاق مضيق هرمز إغلاقًا موجعًا للمعتدي ومستضيف قواعده العسكرية.
هناك أخيرًا باحثون وأساتذة جامعيون فلسطينيون، يحاولون أن يكونوا موضوعيين، قدر إمكانهم، في بيان العدوان والغدر الأميركيين، والإشارة إلى العقلانية والنية الطيبة لدى إيران، والحديث عن ضرورة مراجعة الدول الخليجية لجدوى الاتكال على الولايات المتحدة دفاعيًا، وحتمية حوارها مع إيران بعد انتهاء الحرب (التي كان هدفها إسقاط النظام هناك)، والمكاشفة التامة بينها في ما يخصّ المخاوف المتبادلة ومستقبل المنطقة وأمنها، لكنّ هؤلاء لا يمكن أن يذهبوا بعيدًا في وضع النقاط على الحروف، لأنّهم يعملون في «مراكز الأبحاث» القطرية، ويُدرّسون في «جامعات» الدوحة، من ضمن خطة الاحتواء للنخب الفلسطينية التي أقدمت عليها قبل سنوات عدة الإمارة الغنية بالموارد الطبيعية، الفقيرة بالموارد البشرية.
كنت أقول إن الأمر ليس شخصيًا في حالة حسن أحمديان، بل يمكن تعميمه على شريحة الشباب الإيراني. لنسأل أنفسنا: كيف نهض هذا البلد المحاصر، بعد أن شُنّت عليه حرب في الأشهر الأولى لانتصار ثورته؟ كيف ثبت على مدى حربين في مواجهة قوتين هائلتين، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرّض لها على مستوى قادته؟ ألم يعوّض الشباب أنفسهم القادة الأكبر سنًّا الذين تمّ اغتيالهم؟
أخيرًا، ما الفرق بين الشباب في إيران، والشباب في دول الخليج العربية، ولنأخذ السعودية كمثال، كونها أكبر تلك الدول؟ أليست اعتماديّة الشعب الإيراني على نفسه، من خلال قواه الشابة تحديدًا، في مختلف المجالات، بدءًا من الزراعة وصولًا إلى الصناعات العسكرية والطاقة النووية، وقطيعته مع الدول الرأسمالية الغربية، سببًا كافيًا لخشية هذه الدول منه، ولشنّ كبيرتها ورديفة هذه الأخيرة حربًا عليه، لمحاولة القضاء على النموذج نفسه، لا على هذه الحالة فقط؟