بول مخلوف/جريدة الأخبار
ظاهرة شاب لبناني يستثمر شبهه بناطق إسرائيلي ليقدّم محاكاة ساخرة، تتحوّل من ادعاء النقد إلى إعادة إنتاج صورة العدو بشكل مألوف وخفيف. هذا التماهي يميّع العداء ويحوّله إلى مادة ترفيهية، كاشفًا التباس الهوية وحدود الصراع، وعاكسًا أزمة ثقافية وسياسية تتجاوز الفرد إلى المجتمع
«يخلق من الشبه أربعين». هكذا يردد المثل الشعبي. غير أن هذا المثل، في اختصاره، يحجب خطورة قد تكون كامنة في الحكاية: ماذا لو كان بين هؤلاء الأربعين عدوّان شبيهان؟ كيف نتعاطى مع الشبه حين لا يعود مجرد تقارب في الملامح، بل استثمارًا ذاتيًا يصبو إلى قوّة تربك فكرة العداء، حين نرى عدوّين نقيضين في تجاور بصري واحد؟
لبنان بلد العجائب. هنا تجد الحكايات تتمتها، وبعضها يبلغ حدّ العجائبيّ. ليست مغارة جعيتا آخر العجائب، إنّما مواطن لبناني يدعى محمود عياش. هذا معجزةٌ تشبه الغرق في وعاء من زيت. والحقّ، أنّ عياش هذا يحتاج إلى قراءة أنطولوجيّة لفهمه واستيعابه. لعلّه سيغري تلامذة المثاليّة الألمانيّة، إذ سيجدون فيه نموذجًا طريفًا للجدل الهيغلي. مثل بهلوانٍ في السيرك، يمشي عياش على حبال المطابقة والاختلاف في الهوية، عارضًا نفسه على أنه الشيء ونقيضه معًا.
هو محمود عياش اللبناني، الذي صار على ما هو عليه، مثل أننا نكتب عنه الآن، لأنه يشبه الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، لكن كونه ليس أفيخاي أدرعي بل شبيهه النقيض، فقد ارتأى أن يكون أفيداي أدرعي.
زاعمًا هذا النفي المعلن، يعرِّف محمود عياش، الذي استبدل الخاء العبرية بالدال العربية (حرف أكثر نعومة من الضاد الذي يُتّخذ فخرًا للغة) بهويته. كان هيغل قد بيّن لنا أن النقيض لا يفهم إلا كتأكيد سلبي لما ينفيه؛ فالنفي لا يعدم موضوعه بل يبقيه حيًا ويضمن استمراره. لذلك، وربما من دون علمه، يثبِّت أفيداي هوية أفيخاي أكثر مما يزحزحها، وهو بذلك، يفتح له باب الحضور، أي يؤنسنه. فالأصل لم يعد غائبًا ومحرّمًا بل دخل إلى حيّز الألفة عبر شبيهٍ يخفف من وطأته ويحوّل أسلوبه إلى مادة قابلة للتداول والتسلية. غير أنّ أفيداي، كمقلِّد ساخر كما يقدِّم نفسه، يطبّع بالتقليد ولا يقاوم بالنفي.
هنا تحديدًا تكمن المفارقة. فالتقليد لا يهدم النموذج بل يعيد إنتاجه في صيغة أخفّ وقابلة للاستهلاك. وهذه خطيئة شائنة أفدح مما تقود إليه الهيغلية التي تشترط الاعتراف بهوية أفيخاي، أي بإسرائيليته، ويفترض أن الصراع معها يمرّ عبر نفيٍ متبادل يُفضي إلى تركيب أعلى.
مع أفيداي لا صراع بل تآلف يفرغ العداوة من حدّتها عبر الاستنساخ الساخر، فنغدو أمام مشهد قابل للفرجة. هكذا، يبدو أفيداي وكأنه انزياح طفيف وليس نفيًا حاسمًا، أو لنقل نفيًا بلا تجاوز، فالاختلاف هنا يكاد يختفي، بل يأخذ المطابقة إلى حد إعادة إنتاجها في صيغةٍ أكثر نعومة. أفيداي نسخة تترك شُبهَة أكثر مما تعلن عن صاحبها بأنه شبيه.
بزوغ الشبهة
إنّه جدلٌ مُفرغ من توتّره، على أيّ حال. حتى هيغل لو أقحم قسرًا في هذه الجغرافيا لاستعصى عليه لبنان، كيف إذا كان الأمر يتعلق بمحمود عياش، آخر المعجزات اللبنانية؟ والحال، أن اللعبة هذه، أي استحضار هيغل إلى مسرح عياش ووضع الأصل والشبيه وجهًا لوجه تبدو مسلية. بيد أنّ وراء هذا المكر الأنطولوجي خطرًا سياسيًا مضمرًا على واحدنا ألا يغفل عنه. ذلك أن رهبة المجرم الذي يظن مقلده أنه يسخر منه، يسهم التقليد في التقليل من شرّه أوّلًا، أما الباقي، ففي التفاصيل.
لنعد إلى البدء. هو محمود عياش. أحد إفرازات الرأسمالية المتأخرة في طورها الرديء. هو من أولئك الذين يعرَّفون بأنهم «تيك توكرز». يصنع فيديوهات «مسليّة» محاكيًا فيها أفيخاي أدرعي، آملًا أن يستقبل من جمهوره هدايا على شاكلة أسود ووطاويط. بيد أن عياش هذا، رغم رداءة ما يقدِّم، هو حالة ثقافية عجيبة لا بدّ من التوقف عندها لأن في طياتها قصّة بلد. لبنان العجائب الذي يفتقد السيادة على حدوده الجغرافية يبدو كأنه يفقدها أيضًا على مستوى الصورة و... الملامح.
عياش عامل ديليفري نشيط. هو بلا شكّ أكثر نشاطًا وانتظامًا من مسؤولي هذا البلد الذين لا ينجحون في توصيل ما يجب إيصاله، إلى الداخل قبل الخارج. لكنه لا يعلم، على الأرجح، أن السذاجة التي يقدمها تخلف أثرًا معكوسًا عمّا يريد تقديمه. أفصح في حديث لصحيفة «لوريان لوجور» الآتي: «أفيخاي الناطق، أنا الناقد». لكنّ أحدًا لم يخبر عياش، الذي يبدو أنه لا يعلم، أنّ نقده مجهض قبل ولادته، لأنّ أطروحة إسرائيل وناطقها الإعلامي منفية في قاموسنا، وما يفعله لا يعدو كونه نقدًا بل محاكاة ساخرة قائمة على تماثل بصري مع العدو.
ما يجب أن يقال لمحمود عياش هو أن في هذا التماثل الذي يؤديه عبر شخصية أفيداي، صورةً مغرية، وبضاعة يريد الإعلام الإبستيني والأنيماليستيك الذي يستضيفه إيصالها: عدوّان يجتمعان في هيئةٍ واحدة. لبناني وإسرائيلي معًا وعهدًا جديدًا وهيا بنا. تتحدد الشُبهة هنا: عندما يغدو الرهان على الشبه ليس في التقاطع العرضي بين وجهين، إنما في صورة تروم في جوهرها محو المسافة الفاصلة (قاطعة) بين عدوين، ودمجهما معًا.
مسألة قدرية
على أنّ الشبه في الملامح بين محمود عياش والناطق باسم «جيش» الاحتلال قائمٌ فعلًا. من تدويرة الرأس إلى بنية الجسد، من النظارات إلى تسريحة الشعر، ومن الوقفة إلى المشي وصولًا إلى القميص الزيتي، وحتى حين يتكلم أفيداي يتحدث بنبرة أفيخاي ذاتها. كأننا إزاء نسخة مكرورة لا اختلاف فيها سوى اسمها، أو بالأحرى حرفًا بشعًا من اسمها.
عياش في أحاديثه إلى وسائل الإعلام يبدو شخصية مقهورة ومظلومة، وترد قهرها إلى عامل الجينات. يقول إنه طُرد من عمله، وإن الناس غضبوا منه، ووالدته ضاقت به لأنه يشبه أفيخاي. لا يحق لأحد أن يطالبه بتغيير هندامه أو شكله بطبيعة الحال، غير أنّ قوله هذا يفتح سؤالًا بديهيًا: إذا كان هذا التشابه يزعجه ويجلب له المتاعب، لماذا يمعن في إعادة إنتاجه ويحوّل المصادفة إلى خيار؟ لنتخيَّل مثلًا أنّ لاعب كرة القدم البولندي، روبرت ليفاندوفسكي، الذي يشبه هتلر، قرر رسم شاربين قصيرين وأن يتقمّص هيئة تحيل إليه، ألن يثير ذلك، ولو قدّمه كاستفزاز ساخر، الاستهجان والغضب؟ ألن يفهم تصرفه هذا على أنه استفزاز متعمّد وإعادة استحضار إحالة ثقيلة؟
تنسحب السذاجة التي تطفح بها شخصية أفيداي إلى اعترافات عياش نفسه. فهو يصوِّر مأساته كأنها مسألةٌ قدرية، ضمن قراءة أسطورية للعالم خالية من أي مساءلة نقدية للذات. على أن هذه المأساة القدرية التي لا يكفّ عياش عن استحضارها، تدفع الإعلام الذي يستضيفه، ومن يروون بأفيداي صورة مهضومة عن أفيخاي، أن يجعلوا سرديتهم السياسية التي تفيد بأن قدرنا الجغرافي مأساوي، وعليه، يحتِّم علينا الإقرار بالسلام والاندماج في صورة واحدة مع العدو، هائمة على الوجه وبريئة تمامًا.
الحال أنّ ما يبدو قدريًا عند عياش ليس سوى انخراطٍ واعٍ في الصورة، إذ يتضح أنّ عياش متواطئ مع هذا الشبه، مستثمرًا إيّاه في صناعة حضور يدرّ عليه، مبدئيًا، شهرةً وإطلالاتٍ إعلاميةً، وما يتبعها من أسودٍ ووطاويط.
وطن يشبه موديل العائلة
يروي محمود عياش في إطلالته الإعلامية تفاصيل علاقته بوالدته، وكيف أثّر شبهه بأفيخاي سلبًا على تلك العلاقة، وحوّل حياة عائلة إلى تعاسةٍ وجودية تثقل كاهل أفرادها. محمود عياش معجزة لبنانية فعلًا. كل المناطق التي تطأها قدماه هي مناطق ملتبسة، وملغومة، هي مناطق تحذّر الأم، عادةً، ولدها من السير فيها.
من الشَّبه الفطريّ، مرورًا بالمأساة القدرية، وصولًا إلى توترٍ بلغ حد القطيعة مع الأمومة، يبدو محمود عياش راويًا بديعًا يكتب السردية اللبنانية بكل تفاصيلها الدرامية. الطفل الملعون الذي قدِّر له أن يكون شبيهًا بعدوّ، تقتات حكايته المكثفة مناعة المشاهد أمام أسئلة من شاكلة: ما ذنبه، ماذا يفعل... وتترك المشاهد مريضًا.
ثمة والدة ترمز إلى السلطة، تمارسها بلا تساهل في عدائها مع العدو إلى درجة أنها امتعضت من تصرفات ابنها، يقابلها الابن الذي ارتأى أن يكون أفيداي، وأعاد ترتيب حلّته بما يشبه إعادة ترتيب المنطقة لنفسها. وبين سلطة أمٍ يُنظر لها كاستبداد لا تصفح عن «خلقة» ابنها، وبين ابنٍ لا يجد في القطيعة التامة مع العدو ضرورة، بل تشبعه المجابهة الناعمة كما تفرضها تمثلات وسرديات التيك توك، تتشكل علاقة ملتبسة بين ماضٍ ومستقبل عائليّ وسياسي على إثر هذا الفطام. هكذا تتقاطع سيرة الطفل الضحية مع سيرة وطن الضحية، ويتحول الوجه إلى بوصلة توجّهنا وتعيد ترتيب علاقتنا بالعداوة.
عندما أنظر إلى أفيداي، فكأني أنظر إلى من يحوِّل نفسه إلى أفيخاي، التطبيع يدخل رويدًا رويدًا إلى لا وعينا. عدوي الآن صار يمتلك نسخة تهريجية. عدوّي بات مرئيًا. في إطلالات هذه النسخة التهريجية على الإعلام، أسمع تذمرًا من حياته الشخصية إلى حدّ يكاد يبكي. التطبيع أوله ضحك وآخره بكاء. محمود عياش يجمع الاثنين، إنه أعجوبة لبنانية فعلًا.