معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
يصعب التعامل مع الجدل في تسمية الخليج بوصفه خلافًا لغويًا أو حتى تاريخيًا صرفًا؛ لأن هذا الجدل في جوهره ليس إلّا انعكاسًا مباشرًا لبنية صراع أعمق تتداخل فيه الهوية مع القوة، والسردية مع النفوذ، والتاريخ مع الحاضر.
المسألة، هنا، لا تتعلق بما إذا كان الأدق هو الخليج العربي" أو "الخليج الفارسي"، إنما بمن يملك القدرة على فرض تعريفه للمجال، وتثبيت هذا التعريف في الوعي الدولي بوصفه حقيقة لا جدال فيها.
منذ البدايات الأولى لتدوين الجغرافيا السياسية؛ ارتبطت تسمية هذا المسطح المائي بميزان القوة السائد. في الأدبيات الكلاسيكية التي صاغها هيرودوت وبطليموس، لم تكن تسمية "الخليج الفارسي" وصفًا محايدًا، إنما عكسَ واقعَ هيمنة الإمبراطوريات الفارسية على الضفة الشرقية وقدرتها على فرض حضورها في الإدراك الجغرافي للعالم القديم. هكذا تشكّل الاسم بوصفه امتدادًا للسيطرة، لا مجرد انعكاس لطبيعة المكان.
لكن هذا التثبيت التاريخي لم يكن نهائيًا، لقد ظل قابلاً لإعادة التشكيل مع كل تحول في بنية القوة. مع دخول المنطقة العصر الحديث وتراجع الإمبراطوريات التقليدية، ثم تفكك المجال العثماني، بدأت الضفة العربية تتحول تدريجيا من هامش جغرافي إلى فاعل سياسي يسعى لإعادة تعريف ذاته ومجاله. هنا؛ تحديدًا، يبدأ الاسم في الانفصال عن تاريخه ليصبح أداة صراع على الحاضر.
اللحظة المفصلية جاءت مع صعود القومية العربية، في منتصف القرن العشرين، حين لم يعد ممكنًا التعامل مع "الخليج الفارسي" على أنه حقيقة مسلّم بها. في سياق مشروع إقليمي قاده الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر؛ أتى إنتاج تسمية "الخليج العربي" بوصفها فعلاً سياسيًا واعيًا، لا مجرد بديل لغوي. لقد كان الهدف واضحا، وهو إعادة ترميز المجال ليعكس هوية الضفة الغربية، ويكسر الاحتكار التاريخي للسردية الفارسية.
غير أن هذا التحول لم يكن معزولاً عن بنية الصراع الدولي والإقليمي آنذاك. فإيران الشاه المتحالفة مع الغرب، كانت تتحرك بوصفها ركيزة إقليمية ضمن منظومة الهيمنة الأميركية، ما جعل التسمية جزءًا من اشتباك أوسع يتجاوز حدود اللغة إلى حدود التموضع الاستراتيجي. منذ تلك اللحظة، لم يعد الاسم شأنًا أكاديميًا أو عُرفيًا، إنما أضحى أداة ضمن أدوات الصراع.
في المقابل؛ لم تتعامل طهران مع هذا التحدي بكونه خلافًا قابلاً للتفاوض، لقد رأته تهديدًا مباشرًا لسرديتها التاريخية. التمسك بتسمية "الخليج الفارسي" لم يكن دفاعا عن الماضي بقدر ما هو محاولة لحماية شرعية جيوسياسية تستخدم التاريخ رافعةً للحاضر. لذلك، كل انزلاق في استخدام التسمية الأخرى يُقرأ إيرانيًا بوصفه محاولة لإعادة صياغة موازين الشرعية، لا مجرد اختلاف في المصطلح.
المفارقة هي أن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، ما تزال تعتمد رسميا التسمية الفارسية، استنادًا إلى التراكم التاريخي في الخرائط والوثائق. لكن هذا الاعتماد لا يعكس حيادًا بقدر ما يعكس inertia مؤسسيًا، أي استمرار ما جرى تثبيته في لحظة تاريخية سابقة، من دون مراجعة عميقة لتحولات الواقع. هذا ما يخلق فجوة بين "الشرعية الوثائقية" و"الشرعية السياسية" على الأرض.
إذا ما فكّك هذا الجدل ضمن بنية أعمق، يتضح تحركه في ثلاث طبقات متداخلة. الأولى؛ طبقة تعريف المجال، حين يتنافس الطرفان على تثبيت هوية الخليج كونه امتدادًا حضاريًا، عربيًا أو فارسيًا. الثانية، طبقة الشرعية التاريخية، حين يُستدعى الماضي لتسويغ الحضور في الحاضر. أما الثالثة، وهي الأهم، فطبقة السيطرة الفعلية، حين لا يُحسم الصراع بالأسماء، بل بالقدرة على إدارة الممرات البحرية والتحكم بتدفقات الطاقة وفرض قواعد الاشتباك.
في هذا السياق؛ تظهر المفارقة الجوهرية التي يُقفز فوقها في الخطاب العام. إذ إن الصراع على التسمية لا يغير في موازين القوة، بل يعكسها ويحاول تكريسها؛ أي أن من يملك القدرة على الفعل هو من يسعى إلى فرض اسمه، لا العكس. لذلك، التركيز على المعركة اللغوية، بمعزل عن معركة السيطرة، يؤدي إلى قراءة سطحية للصراع، تفصل بين الرمز ومصدره.

في السياق الراهن، لا يمكن فصل هذا الجدل عن البنية الأوسع للصراع الإقليمي، حيث يتقاطع النفوذ الإيراني مع الحضور الأميركي، وتتحرك دول الخليج ضمن معادلة أمنية معقدة، في حين تسعى "إسرائيل" إلى تثبيت موطئ قدم داخل هذه المنظومة. في هذا المشهد؛ يصبح الاسم جزءًا من حرب سرديات موازية للحرب الصلبة(الحرب العسكرية)، يُستخدم لتثبيت الاصطفافات وإعادة إنتاجها.
بمعنى أدق، إن التسمية ليست إلا واجهة ناعمة لصراع صلب على من يملك الخليج فعليًا، لا من يسميه. وكل محاولة لفصل الاثنين، أو التعامل مع الاسم على أنه قضية مستقلة، تُفقد التحليل عمقه، وتحوّله إلى نقاش لغوي "منزوع الدسم السياسي".
في الخلاصة
الجدل بين "الخليج العربي" و"الخليج الفارسي" لن يُحسم بالأدلة التاريخية أو القرارات الدولية، إنما بالتحولات في بنية القوة الإقليمية. إذ إن الاسم، في النهاية، ليس إلا انعكاسًا لمعادلة أوسع: "من يفرض نفسه في الجغرافيا، يفرض اسمه على الخريطة". وما دون ذلك، يبقى اشتباكًا مفتوحًا في حقل الرموز، بانتظار من يحسمه في حقل الوقائع.