ليلى شمس الدين/باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام
في اليوم العالمي لحرية الصحافة… أسماء تقرأ حقيقة حاول العالم إسكاتها..
-
مرآة مكسورة… لا تعكس إلا الغياب
لم يكن اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام مناسبة للاحتفال..بل لحظات ثقيلة، كأنّها مرآة مكسورة تعكس وجوهًا غائبة.
لا يكفي أن نقول إنّ الصحافة تحت الخطر..بل يجب أن نسأل: من بقي ليروي ما حدث؟
لأنّ الحقيقة، هذه المرّة، ليست فكرة.. بل أسماء.
-
الأسماء التي لا يجب أن تتحوّل إلى أرقام
من محمد شري، إلى علي شعيب، ففاطمة فتوني، وشقيقها المصوّر محمد فتوني،
إلى الإعلامية سوزان الخليل، وإلى حسين حمود، وبعده غادة الدايخ، وآمال خليل..
هؤلاء ليسوا سطورًا في بيان.. ولا أرقامًا في تقرير.. ولا "خسائر جانبية" في نشرات الأخبار.
هؤلاء كانوا هناك..في قلب الحدث..
يحملون المايكروفون..ويرفعون الكاميرا..
يؤمنون أنّ نقل الحقيقة.. يستحق المخاطرة..لكنّهم لم يُستهدفوا لأنّهم أخطأوا الطريق..
بل لأنّهم كانوا في الطريق الصحيح تمامًا..
-
الصحافة في زمن الحرب.. من مهنة إلى مواجهة
في لبنان، ومنذ آذار 2026، لم تعد التغطية الإعلامية مجرّد مهنة، بل أصبحت فعل مواجهة.
فكل خروج إلى الميدان.. احتمال عودة.. أو غياب..وكل بث مباشر.. قد يكون الأخير..
وكل صورة.. قد تكون الدليل الذي لا يريد العدو أن يصل.
حين سقط الصحافيون شهداء..لم تسقط كاميرا فقط..بل سقطت لحظة كان يمكن أن تغيّر وعي العالم..
حين اغتيلوا..لم يُغلق ميكروفون..بل انقطع صوت كان ينقل ما لا يُراد سماعه..
-
استهداف ممنهج… لا صدفة
حين توزّعت هذه الأسماء على لائحة الشهداء..لم يكن ذلك مصادفة.. بل نمطًا..
نمط يقول بوضوح: الصورة مستهدفة..الشاهد مستهدف..والحقيقة.. تحت القصف..
لم يحملوا سلاحًا..لم يختبئوا..لم يهاجموا..
ذنبهم الوحيد..أنّهم وقفوا في العلن، أمام العالم، وقالوا: "انظروا.. واحكموا"..
لذلك تحديدًا.. استُهدفوا..لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الحرب..
ليس أن تُطلق النار..بل أن يُرى الواقع كما هو..
-
ذهبوا ليوثّقوا… ولم يعودوا
في صباحاتهم، خرجوا ليوثّقوا ما تبقّى من بيوت الجنوب..لم يبحثوا عن بطولة..
ولا عن سبق صحفي..كانوا يبحثون عن حقيقة بسيطة:
ماذا يحدث للناس حين تُقصف حياتهم؟
ماذا يحدث للوطن.. حين يتعرّض للاعتداء؟
لم تكن الكاميرا أداة عمل فقط..بل درعًا هشًّا في وجه النسيان..
كانوا يدركون: إذا لم يُصوّروا ويوثّقوا..ستُغتال الحقيقة ..
وسيُقال إنّ شيئًا لم يحدث..لكنّهم… لم يعودوا..
-
من نقل الحقيقة… إلى هدف مباشر
ما نرويه لم يعد قصصًا استثنائية.. بل أصبح القاعدة..
من لبنان إلى غزّة،ومن خطوط الاشتباك إلى الأحياء المدنية..
لم يعد الصحافي مجرّد ناقل خبر..بل أصبح هدفًا..
في غزّة، استشهد العشرات من الصحافيين خلال تغطيتهم للحرب..
في لبنان، منذ آذار 2026، تحوّلت التغطية إلى مخاطرة يومية مفتوحة على احتمال الشهادة..
ليست إصابات عرضية..بل استهدافات متكرّرة تفرض سؤالًا مرعبًا:
هل يُغتال الصحافي لأنّه يرى..أم لأنّه يجعلنا نرى؟..
-
قتل الشاهد… قبل قتل الرواية
الصحافة، في جوهرها، ليست مهنة..إنّها وظيفة وجودية..
حين يحمل الصحافي الكاميرا..فهو لا يلتقط صورة فقط..بل ينتزع لحظة من ذاكرة النسيان.
حين يكتب..فهو لا يسرد حدثًا..بل يضع العالم أمام مسؤولياته.
لهذا السبب تحديدًا..يصبح إسكات الصحافة ضرورة .. لكل من يريد إعادة كتابة الواقع.
لأنّ الهدف ليس فقط قتل الصحافي..بل قتل الشهادة..
-
الأرقام لا تبكي… الأسماء تفعل
تقارير لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود ومثيلاتهم.. تتحدّث عن أرقام..
لكن الأرقام لا تبكي..
لا ترتجف..
لا تودّع أبناءها..
الأسماء وحدها تفعل..لأنّ كل اسم هنا..
كان له صوت.. وضوء.. وحياة كاملة..
انتهت… لأنّه قرّر أن يقول:
"هذا ما يحدث".
-
قصص لا تُروى… بل تُعاش
القصص وحدها تُشعرنا بما يحدث..
هنا.. صحافي يركض حاملاً الميكروفون بدل أن يحمل نفسه إلى الأمان..
هناك.. مصوّر يوثّق لحظة انفجار.. وهو يعرف أنه قد يكون في قلب الصورة التالية..
تلك أمٌّ تفتح شاشة التلفاز.. لتكتشف أن ابنتها لم تعد "مراسلة" بل أصبحت "خبرًا"..
-
يوم عالمي… أم اختبار أخلاقي؟
لطالما يراودني هذا السؤال: ما معنى أن نحتفل… والصحافيون يُدفنون بكاميراتهم؟
ما قيمة الشعارات… إذا كانت الحقيقة تُقصف؟
هنا، يتحوّل هذا اليوم من مناسبة..إلى اختبار أخلاقي.
هل هو يوم لتكريم الصحافة؟ أم يوم لفضح عجز العالم عن حمايتها؟
-
الحقيقة… التي ترفض أن تموت
رغم كل هذا الظلام..هناك مفارقة لا يمكن تجاهلها:
كلما اشتدّ القمع..زادت الحاجة إلى الصحافة.
كلما حاولوا إسكات الحقيقة..ظهرت بأشكال أكثر قوّة.
قد يُغتال الصحافيون..لكن قصصهم تبقى.
قد تُدمّر الكاميرات..لكن الصورة تكون قد وصلت.
-
سؤال مفتوح.. لا يحتمل التأجيل
لا يمكن أن نقبل بأن يكون هذا اليوم مجرّد تاريخ على الروزنامة..بل يجب أن يكون سؤالًا مفتوحًا برسم أحرار العالم:
ماذا نفعل لحماية من يحمون الحقيقة؟
هل نكتفي بالتضامن؟
أم نطالب بالمحاسبة؟
هل نحزن؟
أم نتحرّك؟
في عالمٍ يُقتل فيه من ينقل الحقيقة..يصبح القيام بالواجب.. فعلًا استثنائيًا.
.png)
-
الرواية… معركة العصر
في الحروب الحديثة، لم تعد الصورة مجرّد توثيق..
بل أصبحت تهديدًا..فصورة واحدة قد تهدم رواية..
ولقطة واحدة قد تُحرج نظامًا..
وشهادة واحدة قد تُدين جريمة..
لهذا..حين تُقصف الكاميرا..فإن ما يُستهدف ليس العدسة..بل الحقيقة التي تمرّ عبرها.
في الحروب الحديثة..يُقتل الصحافيون ليُحسم الصراع على الرواية..لأنّ من يملك الرواية..
يملك الذاكرة..
يملك الحكم..
يملك المستقبل..
-
المواجهة: ضدّ النسيان
في هذا اليوم..لا نكتب لنرثيهم فقط..بل لنرفض أن يتحوّل استشهادهم إلى خبر عابر.
نكتب.. لأنّهم كتبوا كي لا يزوّر التاريخ..
نُسمّيهم… لأنهم سمّوا الأشياء كما هي..
نتذكّرهم.. لأنّ النسيان.. هو الانتصار الوحيد الذي لا يجب أن نمنحه لأحد.
حين يُغتال الصحافيون..لا تُطفأ الحقيقة..بل يُطلب من العالم..أن يغضّ النظر.