د. علي محمود الموسوي (صحيفة الديار)
إنّ تصريح الرئيس جوزاف عون بأنّه " لن يقبل بالوصول إلى اتفاقية ذلّ"، لا يأتي من فراغ، بل يستحضر تاريخاً طويلاً من التجارب المريرة في التفاوض مع العدو الصهيوني. فلبنان لم يكن يوماً في موقع الباحث عن تنازل، بل غالباً ما وُضع تحت ضغوط هائلة، لفرض تسويات تنتقص من سيادته وكرامته.
من أبرز هذه المحطات اتفاق 17 أيار 1983، الذي شكّل نموذجاً لاتفاق فُرض، في ظل الاحتلال والاختلال الفاضح في موازين القوى. يومها، لم يكن الاتفاق تعبيراً عن إرادة وطنية حرة، بل نتيجة ظرف قاهر، حاول تكريس واقع "الهيمنة الإسرائيلية" على القرار اللبناني. لذلك، لم يصمد طويلاً، وسقط تحت ضغط الرفض الشعبي والوطني، ليؤكد أن أي اتفاق لا يستند إلى الكرامة والسيادة مصيره الفشل.
أثبتت التجارب اللاحقة، أن العدو لا يفاوض إلا من موقع القوة، ولا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه. في هذا السياق، فإنّ أي عملية تفاوضية لا تستند إلى عناصر قوة حقيقية، سواء كانت عسكرية أو سياسية أو شعبية، تتحول إلى مسار محفوف بالمخاطر، قد ينتهي بتنازلات مؤلمة. فالتاريخ مع هذا العدو لا يُبنى على حسن النيات، بل على توازن الردع ووضوح الموقف.
إنّ تصريح الرئيس عون يعكس فهماً عميقاً لهذه المعادلة: لا تفاوض على حساب الكرامة، ولا اتفاق يكرّس الضعف. فلبنان، رغم كل أزماته، يمتلك من التجارب ما يكفي ليُدرك أن السيادة لا تُستجدى، بل تُحمى وتُصان. وبين من يوقّع تحت الضغط، ومن يرفض الذل مهما اشتدت الظروف، تُرسم ملامح المرحلة المقبلة.
ليست المشكلة في مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، بل في شروطه ونتائجه. فإما اتفاق يحفظ الحقوق ويصون الكرامة، وإما رفض واضح لأي صيغة تعيد إنتاج تجارب الماضي المريرة.