فاطمة البسام (صحيفة المدن)
في وقت يواصل فيه لبنان مواجهة واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والمالية، عاد ملف الاستثمار الخارجي إلى الواجهة من بوابتين متوازيتين: تمويل أوروبي جديد للقطاع الخاص في بيروت، ومشاريع بنى تحتية وطاقة في طرابلس، في مشهد يعكس محاولة إعادة تحريك العجلة الاقتصادية عبر الرهان على القطاع الخاص والشراكات الدولية.
وخلال جولة لوزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط بين بيروت والشمال، أُعلن عن حزمة تمويل أوروبية بقيمة 22 مليون دولار لصالح شركة "غراي ماكنزي ريتيل لبنان" المشغّلة لسلسلة "سبينيس"، بدعم من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع إطلاق مشاريع لوجستية وطاقة متجددة في طرابلس، أبرزها افتتاح محطة طاقة شمسية داخل معرض رشيد كرامي الدولي.
ولا يقتصر الأمر على تمويل شركة أو افتتاح مشروع بنية تحتية، بل يتصل بمحاولة أوسع لإعادة بناء الثقة الدولية بالاقتصاد اللبناني، في ظل انهيار مستمر منذ العام 2019، وتراجع الاستثمار الأجنبي، مقابل سعي المؤسسات الدولية إلى دعم قطاعات تعتبر أكثر قدرة على الصمود، وفي مقدمتها الأغذية والخدمات اللوجستية والطاقة البديلة.
بين بيروت وطرابلس
الحدث الذي عُقد في بيروت بحضور وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط وسفيرة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان ساندرا دي وايل، لم يقتصر على الإعلان عن تمويل جديد، بل حمل أبعاداً اقتصادية أوسع تتعلّق بمستقبل الاستثمارات الأوروبية في لبنان، وإمكانية تحوّل قطاع الأغذية إلى مساحة إنقاذ اقتصادي في بلد تتآكل فيه البنية الإنتاجية وتتراجع فيه القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.
وشملت جولة البساط في الشمال ثلاث محطات أساسية، بدأت في غرفة التجارة والصناعة حيث جرى توقيع مذكرات تفاهم، ثم انتقلت إلى المنطقة الاقتصادية الحرة، حيث عُرض مشروع إنشاء مركز لوجستي جديد، إضافة إلى الإعلان عن إطلاق مناقصة مرتبطة بالمشروع، إلى جانب دراسة تعاون بين المنطقة الاقتصادية الحرة ومعرض معرض رشيد كرامي الدولي.
أما المحطة الثالثة، فتمثلت بافتتاح محطة للطاقة الشمسية داخل المعرض، بدعم من غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، في إطار التوجه نحو مشاريع الطاقة البديلة وتعزيز البنية التحتية الاقتصادية في المدينة. وأكد البساط خلال الافتتاح أن المشروع يشكّل "خطوة عملية نحو تحسين البنية التحتية للطاقة في طرابلس"، مشيراً إلى أن المعرض استقبل أكثر من 120 ألف زائر خلال الفترة الأخيرة، وهذا ما يعكس عودة الحركة الاقتصادية إلى المدينة بالرغم من الظروف الصعبة.
وشدد الوزير على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في دعم مشاريع التنمية والطاقة المتجددة، مؤكداً أن وزارة الاقتصاد تعمل على تسهيل الاستثمار في الشمال، وتشجيع مشاريع الطاقة البديلة، إلى جانب تطوير البنية التحتية المرتبطة بمرفأ طرابلس والمناطق الصناعية، معتبراً أن معرض رشيد كرامي "يمكن أن يلعب دوراً محورياً في الاستراتيجية الاقتصادية للمنطقة".
التمويل المركّب
وفي حديثه لـِ "المدن" لفت الوزير البساط إلى أن مشروع التمويل الأوروبي الجديد "يشكّل نقطة ثقة حقيقية بلبنان"، معتبراً أن دخول كل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والاتحاد الأوروبي في شراكة استثمارية بهذا الحجم للمرة الأولى منذ العام 2019، يحمل رسالة واضحة بأن لبنان لا يزال قادراً على جذب الاستثمارات رغم الحرب والانهيار المالي والأزمات المتراكمة.
وأشار إلى أنَّ أهمية المشروع لا تكمن فقط في قيمة التمويل، بل أيضاً في طبيعته، إذ يقوم على نموذج "التمويل المركّب"(Structured Finance)، وهو نموذج أكثر تطورًا واستدامة من القروض التقليدية، ويعكس، بحسب قوله، طبيعة الاستثمارات التي يمكن أن تتدفق إلى لبنان مستقبلاً إذا تحققت الإصلاحات المطلوبة واستعاد البلد حداً أدنى من الاستقرار السياسي والأمني.
وأضاف البساط أن استثماراً بقيمة تتجاوز 22 مليون دولار في شركة لبنانية ضمن هذا الظرف، قد يكون مجرد بداية مقارنة بما يمكن أن يستقطبه لبنان لاحقاً، قائلاً: "ما نراه اليوم قد يكون نقطة في البحر مقارنة بما يمكن أن يحققه لبنان إذا انتهت الحرب وبدأت الإصلاحات الفعلية".
من جهته، أوضح مدير شركة "ماكنزي" حسان عزالدين، في حديثه لـ"المدن" أن التمويل سيُستخدم لتوسعة شبكة الفروع، وإنشاء مصانع جديدة للحوم والدجاج، إضافة إلى تجهيزات ومعدات وخدمات لوجستية مرتبطة بالمجموعة والعلامات التجارية التابعة لها، متوقعًا أن يساهم المشروع في خلق ما بين 800 و1000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، مع افتتاح ثلاثة إلى أربعة فروع جديدة ومرافق إنتاجية مرافقة.
أما رئيس مكتب البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في لبنان أليساندرو فيتاديني، فأوضح أنَّ الحزمة التمويلية البالغة 22 مليون دولار مخصصة لشركة "سبينيس ليفانت" عبر شركة "غراي ماكنزي ريتيل"، وتتألف من قرض بقيمة 20.5 مليون دولار، إضافة إلى منحة استثمارية بقيمة 1.5 مليون دولار لدعم برنامج النفقات الرأسمالية وتمويل مشاريع مرتبطة بكفاءة الطاقة وخفض استهلاك الكهرباء.
آلية تمويل مدعومة
ويستفيد المشروع أيضاً من آلية تمويل مدعومة من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج "ضمان المرونة البلدية والبنية التحتية والصناعية" التابع للصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة، في ما يعكس استمرار الرهان الأوروبي على دعم القطاع الخاص اللبناني بالرغم من ارتفاع المخاطر الاقتصادية والسياسية.
وسيخصص جزء من التمويل لتوسيع شبكة المتاجر وزيادة القدرة الإنتاجية، بما في ذلك تطوير خط إنتاج للوجبات الطازجة، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتخفيف الاعتماد على الاستيراد في قطاع يشهد طلبًا متزايدًا رغم الأزمة.
في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، تبدو هذه الشراكة بمثابة اختبار جديد لقدرة لبنان على استعادة ثقة المؤسسات الدولية. وبينما تتراجع الدولة ومؤسساتها، يعود القطاع الخاص ليشكّل مجدداً نقطة الارتكاز الأساسية لأي محاولة نهوض اقتصادي، غير أن نجاح هذه الاستثمارات يبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز التمويل نفسه، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي، والإصلاحات البنيوية، ووقف الانهيار المستمر الذي يهدد أي مبادرة إنتاجية مهما بلغ حجمها.