حسن حيدر/موقع العهد الإلكتروني
تشير التطورات الأخيرة في المواجهة بين إيران والكيان "الإسرائيلي" إلى تحولات متسارعة في طبيعة الردع الإقليمي وقواعد الاشتباك التي تحكم الصراع في الشرق الأوسط. فبعيدًا عن القراءة التقليدية القائمة على تبادل الضربات العسكرية المحدودة، تبرز مقاربة جديدة تقوم على محاولة فرض معادلات سياسية وعسكرية تتجاوز مفهوم الرد المباشر إلى إعادة تعريف حدود الفعل ورد الفعل بين الأطراف المتنازعة.
خلال السنوات الماضية، عملت إيران بصورة منهجية على بناء منظومة ردع متعددة المستويات، تجمع بين القدرات الصاروخية بعيدة المدى، وقوى إقليمية حليفة، والقدرة على إدارة التصعيد ضمن هوامش محسوبة. وقد أصبح الهدف المعلن لهذه المقاربة يتمثل في منع خصومها من فرض وقائع ميدانية جديدة من دون تحمّل كلفة استراتيجية.
في هذا السياق، اكتسبت التطورات الأخيرة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب حجم العمليات العسكرية المتبادلة، بل بسبب الرسائل السياسية التي حملتها. فبحسب الرواية الإيرانية، فإن طهران لم تكتفِ بالرد على الهجمات "الإسرائيلية"، بل سعت إلى ربط هذا الرد بمعادلة أوسع تتعلق بمجمل الساحة اللبنانية. ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن أي تصعيد ضد بيروت أو الضاحية الجنوبية أو مناطق أخرى في جنوب لبنان لم يعد حدثًا محليًا منفصلًا، بل جزءًا من معادلة إقليمية يمكن أن تستدعي تدخلًا مباشرًا وردودًا تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية.
الأهمية الحقيقية لهذه المقاربة تكمن في أنها تنقل مركز الثقل من الرد العسكري ذاته إلى القدرة على تحديد قواعد الاشتباك. ففي النزاع الحالي لا يقاس النفوذ فقط بحجم القوة العسكرية المتاحة، بل بقدرة الأطراف على فرض شروط التفاعل بين المتحاربين. فعندما تنجح إيران في جعل الطرف الآخر يأخذ تهديداتها بعين الاعتبار قبل اتخاذ أي قرار ميداني، فإنها تكون قد حققت شكلًا متقدمًا من أشكال الردع الاستراتيجي.
من هذا المنطلق، تنظر طهران إلى قدراتها الصاروخية باعتبارها إحدى أهم أدوات النفوذ الإقليمي. فعلى مدار العقدين الماضيين، استثمرت إيران بشكل مكثف في تطوير منظوماتها الصاروخية، سواء من حيث المدى أو الدقة أو القدرة على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي. وقد تحولت هذه القدرات من مجرد عنصر دفاعي إلى ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الإيرانية.
لا تقتصر أهمية هذه القدرات الإيرانية على الجانب العسكري البحت، بل امتدت إلى البعد السياسي والدبلوماسي، لخلق وسائل قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية بعيدة، تمنح صانع القرار الإيراني هامشًا أوسع للمناورة وتعزز قدرته على التأثير في حسابات الخصوم. وقد بدا هذا واضحًا في هذه المعركة من خلال ربط طهران الرسائل السياسية بإظهار الجاهزية العسكرية والقدرة على تنفيذ التهديدات المعلنة ضمن أطر زمنية قصيرة، من مضيق هرمز وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، مرورًا بباب المندب والبحر الأحمر.
في موازاة ذلك، يبرز عنصر آخر يتمثل في ما يعرف في الخطاب السياسي لمحور المقاومة بمفهوم "وحدة الساحات". ويعني هذا المفهوم أن أي تطور في إحدى الجبهات قد يؤدي إلى تفاعلات في جبهات أخرى، بما يرفع كلفة التصعيد ويعقد عملية احتوائه. ومن منظور استراتيجي، يمنح هذا النهج إيران وحلفاءها قدرة أكبر على توزيع الضغوط وإدارة المواجهة ضمن نطاق إقليمي أوسع.
الأهمية الأبرز في التطورات الأخيرة لا تتعلق فقط باستخدام القوة، بل باستخدامها من أجل إنتاج معادلات جديدة. فالرؤية الإيرانية تعتمد على أن الصراعات لا تُحسم دائمًا عبر الانتصارات الميدانية المباشرة، بل عبر فرض قواعد جديدة تجبر الأطراف الأخرى على تعديل سلوكها، ما يعني أنها لا تتأثر بالحسابات المادية التي تعتمد على عدد الضربات المتبادلة، بل تنظر إلى مدى فعالية الضربات في تغيير حسابات الأطراف المعنية.
القراءة الاستراتيجية للمشهد الإيراني تشير إلى أن طهران تسعى اليوم إلى ترسيخ مفهوم مفاده أن نطاق الرد لم يعد محصورًا بالموقع أو الجبهة التي يبدأ منها التصعيد، وتعمل على تثبيت هذه القاعدة للانتقال من مرحلة الدفاع عن خطوطها الحمراء إلى مرحلة رسم خطوط حمراء جديدة تسعى إلى فرضها على أعدائها.
إن التأكيد الإيراني على موضوع "وحدة الساحات" يسعى بشكل كبير إلى فرض تحديات جدية على الكيان "الإسرائيلي" لرفع أكلاف الحرب والأمن على تل أبيب، ونقل كرة الضغط إلى الملعب "الإسرائيلي" عبر تحديات تتمثل في كيفية التعامل مع بيئة أمنية أكثر تعقيدًا وتشابكًا. فكلما توسعت دائرة الأطراف المنخرطة في أي مواجهة، ارتفعت كلفة القرارات العسكرية وانخفضت القدرة على التحكم بمسار التصعيد ونتائجه.
كشفت التطورات الأخيرة حقيقة أساسية في المشهد الإقليمي من خلال الحرب على إيران، التي خلعت ثوب الصبر الاستراتيجي متجهة نحو المعادلات الاستراتيجية لصياغة قواعد اشتباك جديدة، من خلال تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي مستدام يفرض نفسه على حسابات الخصوم في المدى البعيد، بالاستناد إلى مزيج من القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي وإدارة التصعيد السياسي والعسكري.