الأقساط المدرسية... عندما يُصبح حق التلميذ ورقة ضغط

post-img

ناريمان شلالا (صحيفة الجمهورية)

لم تعُد أزمة الأقساط المدرسية في لبنان مجرّد أرقام تُضاف إلى الأعباء المعيشية التي تثقل كاهل اللبنانيّين، بل تحوَّلت إلى واحدة من أكثر القضايا الاجتماعية والتربوية إلحاحاً. ففي ظل الانهيار الاقتصادي وارتفاع معدّلات التضخّم وتراجع القدرة الشرائية، تجد آلاف العائلات نفسها أمام معادلة شبه مستحيلة: كيف تؤمّن حق أبنائها في التعليم، في وقت تعجز فيه عن مواكبة الارتفاع المتواصل في الأقساط؟

في المقابل، لا يمكن إغفال الظروف الصعبة التي تواجهها المدارس الخاصة، ولا سيما غير الربحية منها، والتي حملت على مدى عقود رسالة تربوية وثقافية ووطنية، وأسهمت في الحفاظ على مستوى التعليم في لبنان. غير أنّ أهمّية هذه الرسالة لا تعفي أي مؤسسة تربوية من الالتزام بالقوانين التي تنظّم العلاقة مع الأهالي، وفي مقدّمها قانون تنظيم الموازنات المدرسية، الذي منح لجان الأهل حق دراسة الموازنة السنوية والتدقيق فيها، قبل الموافقة عليها أو رفضها، باعتبارها الأساس القانوني الذي يُبنى عليه تحديد القسط المدرسي.

التوازن بين استمرارية المؤسسة التربوية وحماية حقوق الأهالي

وقد شهد العام الدراسي المنصرم عودة لافتة لدور لجان الأهل في عدد من المدارس الخاصة، بعد سنوات من الغياب أو التهميش، فاختار الأهالي ممثليهم لممارسة الدور الذي كفله لهم القانون، والقائم على الشراكة مع إدارات المدارس لتحقيق التوازن بين استمرارية المؤسسة التربوية وحماية حقوق الأهالي.

وكانت ثانوية مار الياس للراهبات الأنطونيات - غزير، إحدى المدارس التي شهدت انتخابات حماسية، أفرزت لجنة أهل جديدة، اتخذت مقاربة مختلفة لملف الموازنة المدرسية. وتؤكّد اللجنة أنّها اعتمدت منذ انتخابها الحوار والوسائل القانونية للحصول على المستندات المالية اللازمة لدراسة الموازنة، إلّا أنّها اصطدمت، بحسب روايتها، برفض الإدارة تسليم الوثائق المطلوبة، ما أدّى إلى انتقال الخلاف إلى القضاء.

وبحسب اللجنة، لا تزال المدرسة حتى اليوم من دون موازنة حائزة على موافقتها وفقاً للأصول القانونية، بالتالي لم يُحدَّد القسط المدرسي بصورة تستوفي الشروط التي ينص عليها القانون. وعلى رغم من ذلك، استمرّت الإدارة، وفق ما تؤكّد اللجنة، في مطالبة الأهالي بتسديد الأقساط، قبل أن تمتنع عن تسجيل بعض التلامذة للعام الدراسي 2026-2027، ومن بينهم أبناء رئيس لجنة الأهل ونائبته، الأمر الذي أثار مخاوف من استخدام حق الطفل في التعليم كورقة ضغط في نزاع مالي وإداري لا علاقة للتلامذة به.

وتشير اللجنة، إلى أنّ المدير العام لوزارة التربية والتعليم العالي، الأستاذ عماد الأشقر، شدّد خلال الاجتماعات التي عُقِدَت معه، على قانونية دور لجنة الأهل في دراسة الموازنة، وعلى حق التلامذة في التسجيل وعدم ربط هذا الحق بالنزاع القائم حول الأقساط، فيما لا يزال الملف أمام القضاء اللبناني بانتظار صدور الحكم.

وفي المقابل، تؤكّد اللجنة أنّها لا تخوض مواجهة مع المدرسة، ولا تستهدف رسالتها التربوية أو هويتها الكاثوليكية، بل تعتبر نفسها شريكاً في حماية هذه الرسالة، من خلال تطبيق القانون وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة. كما ترفض تصوير مطالبها القانونية على أنّها استهداف للمؤسسات الكنسية أو للطائفة المسيحية، مؤكّدة أنّها تمثل أكثر من ألف عائلة انتخبتها ديمقراطياً، للدفاع عن حق الأهالي في المشاركة بإقرار الموازنة وفقاً للقانون.

ومع اقتراب العام الدراسي الجديد، لم يعُد هذا الملف شأناً يخصّ مدرسة واحدة، بل بات نموذجاً يعكس طبيعة العلاقة بين عدد من المدارس الخاصة والأهالي في لبنان، ويطرح تساؤلات حول مدى احترام القوانين التي تنظّم هذه الشراكة، وقدرة الدولة على ضمان تطبيقها بما يحفظ حقوق جميع الأطراف.

وتناشد لجنة الأهل القضاء اللبناني ووزارة التربية والتعليم العالي، الإسراع في حسم هذا النزاع، بما يكفل احترام القانون وصون حقوق التلامذة والأهالي، مؤكّدةً تمسكها بالحوار والاحتكام إلى المؤسسات والقضاء، مع احتفاظها بحقها في اتخاذ كل الخطوات القانونية التي يكفلها القانون دفاعاً عن حقوق العائلات التي تمثلها.

ويبقى السؤال المطروح: إذا كان القانون قد منح لجان الأهل صلاحيات واضحة في دراسة الموازنات المدرسية والموافقة عليها أو رفضها، فهل يجوز الالتفاف على هذه الصلاحيات؟ وهل يمكن أن يبقى التلميذ الحلقة الأضعف في نزاع كان يفترض أن يُحسم بالحوار والشفافية واحترام القانون؟

إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة لا تخص ثانوية مار الياس - غزير وحدها، بل تمسّ مستقبل العلاقة بين المدارس الخاصة والأهالي في لبنان، لأنّ المدرسة والأهل شريكان في العملية التربوية، فيما يبقى حق التلميذ في التعليم أولوية لا يجوز أن يتحوَّل إلى موضع تجاذب أو وسيلة ضغط، مهما كانت أسباب الخلاف.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد