في العلاقات الدولية، لا تبدأ الحروب دائمًا بإعلان رسمي، ولا يكون الانخراط فيها مرادفًا لإرسال الجنود إلى خطوط القتال. إذ مع تطور أنماط الصراع، أصبحت الجغرافيا نفسها موردًا عسكريًا، وأصبحت المطارات والموانئ والمجالات الجوية جزءًا من منظومة القوة التي تعتمد عليها الدول الكبرى لإدارة عملياتها خارج حدودها.
انطلاقًا من هنا؛ فإن أي مؤشرات على توظيف بنية تحتية لدولة ما، في خدمة عمليات عسكرية خارج نطاق مصالحها المباشرة، تستحق قراءة تتجاوز الخبر إلى التحليل الاستراتيجي.
إذ إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة، بحجم مصر، ليس الدخول في حرب أعلنتها، إنما الانزلاق تدريجيًا إلى دور لوجستي يجعلها جزءًا من معادلة الصراع، من دون أن تكون صاحبة القرار في تحديد أهدافه أو نهاياته. ذلك أن الحروب الحديثة لا تبحث عن الحلفاء وحسب، أيضًا عن الجغرافيا.. فكل مطار، وكل ميناء، وكل ممر جوي قادر على إطالة مدى العمليات العسكرية، يتحول إلى أصل استراتيجي تتنافس عليه القوى الكبرى.
في هذا السياق؛ تثير المعلومات المتداولة حيال استخدام مطار الغردقة، في تحركات طائرات تزويد بالوقود متعددة المهام التابعة لبرنامج النقل الجوي متعدد الجنسيات المرتبط بدول حلف شمال الأطلسي، أسئلة تتجاوز الواقعة نفسها. حتى مع بقاء طبيعة تلك المهام، الأمر بحاجة إلى توضيحات رسمية، فمجرد ظهور مصر داخل هذا النمط من الحركة يفرض نقاشًا في حدود الدور الذي ترسمه السلطة المصرية لنفسها، في بيئة إقليمية تتسع فيها دوائر المواجهة.
المشكلة لا تكمن في التعاون العسكري بين الدول، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، إنما في تحول هذا التعاون إلى وظيفة تخدم عمليات عسكرية ضمن صراع لا يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري. إذ إن هناك فرقًا بين شراكة تحقق مصلحة وطنية واضحة، وبين انخراط لوجستي يجعل الدولة جزءًا من البنية التشغيلية لحرب تقودها قوى أخرى.
الأخطر من ذلك؛ أن الحروب بالوكالة لا تعترف بالفصل بين المقاتل والداعم إلى ما لا نهاية. إذ كلما اتسعت دائرة الدعم اتسعت معها دائرة المسؤولية في نظر الأطراف المتصارعة. ما يبدأ بوصفه تسهيلًا فنيًا قد يُقرأ، سياسيًا وعسكريًا، على أنه اصطفاف، خاصة في منطقة أصبحت فيها الممرات البحرية وسلاسل الإمداد أهدافًا رئيسة في الصراع.
في هذا المجال يبرز سؤال جوهري: ما الذي تجنيه مصر استراتيجيًا من أي انخراط من هذا النوع؟ هل يحقق ذلك إضافة حقيقية لأمنها القومي، أم يضعها داخل شبكة استهداف لا علاقة لها بأولوياتها الوطنية؟
لقد بنت الدولة المصرية، عبر عقود، جزءًا كبيرًا من مكانتها على قدرتها على إدارة التوازنات والتواصل مع أطراف متنافسة والإفادة من موقعها، من دون الارتهان لمحور واحد. هذه الميزة ليست تفصيلًا دبلوماسيًا، هي أحد أهم عناصر القوة المصرية. أما عندما تتحول الجغرافيا المصرية إلى جزء من البنية اللوجستية لصراع دولي، فإن قيمة هذا التوازن تبدأ في التآكل، حتى وإن لم يصدر إعلان سياسي بذلك.
كما أن الانخراط غير المباشر يحمل تكلفة لا تقل عن الانخراط المباشر. هو يضعف هامش المناورة السياسية، ويجعل قرارات الدولة أكثر ارتباطًا بحسابات الحلفاء، ويمنح الخصوم مسوغات لإعادة تعريف موقعها داخل الصراع. في لحظة تتغير فيها خرائط النفوذ، في منطقة جنوب غربق آسيا (الشرق الأوسط)، تصبح المحافظة على استقلال القرار الاستراتيجي أكثر أهمية من أي مكسب تكتيكي مؤقت.
لذلك، فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في سؤال: هل هبطت طائرة عسكرية هنا أو أقلعت من هناك؟ بل في سؤال أعمق، هل تعيد السلطة المصرية تعريف وظيفة الجغرافيا المصرية من رصيد سيادي يخدم المصالح الوطنية إلى منصة لوجستية ضمن صراعات القوى الكبرى؟
هذا هو السؤال الحقيقي؛ لأن الدول لا تفقد استقلالها دفعة واحدة، إنما عبر سلسلة من القرارات الصغيرة التي تبدو في ظاهرها تقنية أو إجرائية، بينما تعيد في جوهرها رسم موقعها داخل النظام الإقليمي.
إذا كانت مصر ترفض، كما تعلن دائمًا، الانخراط في محاور تستنزف مقدراتها، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة أي ترتيبات عسكرية تسمح باستخدام منشآتها في سياق صراعات خارجية وحدودها والضمانات التي تحول دون تحولها إلى طرف يتحمل كلفة حرب لم يخترها؟!
إن استقلال القرار الوطني لا يُقاس بالشعارات، إنما بالقدرة على منع الجغرافيا المصرية من أن تتحول إلى أداة في معارك الآخرين، وبالحفاظ على أن تبقى مصر لاعبًا يحدد موقعه بنفسه، لا ساحة تُحدد القوى الكبرى كيفية استخدامها.