من الصعب أن تضع الزعيم جمال عبد الناصر والسيد حسن نصر الله في مقارنة مباشرة، من دون أن تظلم أحدهما، لأن كل واحد منهما ظهر في لحظة تاريخية مختلفة وبأدوات مختلفة وفي دولة مختلفة، وفي مواجهة شكل مختلف من الهيمنة. الرئيس عبد الناصر كان رئيس دولة عربية كبرى؛ يحاول أن ينتزع قرارها من نظام دولي تأسس على إبقاء المنطقة في موقع التابع. السيد نصر الله كان قائد مقاومة؛ نشأت في دولة عجزت مؤسساتها عن حماية أرضها، فاضطر إلى بناء القوة في المكان الذي عجزت فيه الدولة عن بنائها. لكن اختلاف الموقع لا يلغي وحدة السؤال الذي حكم التجربتين: كيف يصبح العربي صاحب قرار في أرضه، لا مجرد طرف يتلقى قرارات الآخرين؟
عبد الناصر لم يتعامل مع الاستقلال على أنه خروج عسكري للقوات الأجنبية فقط. لقد كان يعرف أن الدولة التي لا تملك اقتصادها ومواردها وسلاحها وقرارها السياسي لا تكون مستقلة إلا بالاسم. لهذا؛ جاء تأميم قناة السويس، في يوليو/تموز 1956، في جزء من معركة أكبر على السيادة، لا قرارًا اقتصاديًا منفصلًا. حين جاءت بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" بالحرب، لم يكن ميزان السلاح في مصلحة مصر، لكن عبد الناصر نجح في نقل المعركة من سؤال القدرة العسكرية إلى سؤال القدرة السياسية على فرض إرادة العدوان. انتهت الحرب بانسحاب المعتدين، وبقيت مصر بعد السويس لاعبًا لا يستطيع النظام الدولي تجاهله.
بعد أربعة عقود تقريبًا، وجد السيد حسن نصر الله نفسه أمام سؤال قريب، ولكن في واقع أكثر قسوة. لم يكن أمامه جيش مصري ولا دولة مركزية تستطيع خوض حرب طويلة، بل احتلال إسرائيلي مباشر في الجنوب، ودولة لبنانية خرجت من حرب أهلية وهي عاجزة عن حماية حدودها، وخصم يمتلك تفوقًا عسكريًا واستخباريًا هائلًا. لذلك لم يكن السؤال الحقيقي: الدولة أم المقاومة؟ لأن الدولة التي طُلب من المقاومة أن تسلمها وظيفتها لم تكن قادرة أصلًا على القيام بها. كان السؤال: ماذا يفعل مجتمع تُركت أرضه تحت الاحتلال في حين الدولة عاجزة عن تحريرها؟
نتيجة ذلك الواقع؛ جاءت تجربة السيد نصر الله إجابة مختلفة عن إجابة الرئيس عبد الناصر، إنما لا قطيعة معها. الرئيس عبد الناصر حاول جعل الدولة مصدر القوة التي تحمي استقلالها، أما السيد نصر الله فقد بنى قوة تحمي الأرض التي لم تستطع الدولة حمايتها. الأول راكم القوة من داخل المركز، والثاني بناها من الهامش الذي تركه ضعف المركز، ثم جعلها قوة لا يستطيع الخصم ولا الدولة ولا الإقليم تجاهلها.
لذلك؛ فإن انسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان في العام 2000 لا ينبغي أن يُقرأ بصفته مجرد نهاية احتلال جغرافي. أهميته السياسية أن الاحتلال انتهى بعدما تحولت كلفته الأمنية والعسكرية إلى عبء مستمر على "إسرائيل"، ومن دون أن تحصل على تسوية سياسية تمنحها ما عجزت عن انتزاعه عسكريًا. كانت تلك لحظة نادرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي؛ لأن القوة العربية لم تكن هذه المرة قوة دولة نظامية كبرى، بل قوة مقاومة استطاعت جعل بقاء الاحتلال أكثر كلفة من الانسحاب.
تحديدًا، في هذا السياق، تظهر صلة التجربتين. الرئيس عبد الناصر لم يكن يملك تفوق بريطانيا وفرنسا العسكري، لكنه جعل استخدام هذا التفوق عاجزًا عن إنتاج النتيجة السياسية التي أراداها. والسيد نصر الله لم يكن يملك التفوق العسكري الإسرائيلي، لكنه جعل هذا التفوق عاجزًا عن ضمان أن تكون الحرب قصيرة ونظيفة ومضمونة النتائج. في الحالين؛ لم تكن القوة تعني امتلاك السلاح الأكثر، إنما امتلاك القدرة على منع الخصم من تحويل تفوقه إلى إرادة سياسية.
إن اختزال تاريخ الرئيس عبد الناصر، في هزيمة العام 1967، ظلم للتاريخ، كما أن اختزال السيد نصر الله في الخسائر التي لحقت بلبنان خلال الحروب اللاحقة قراءة لا تقل اختزالًا. هزيمة العام 1967 كانت كارثة عسكرية حقيقية، لا معنى لإنكارها، لكنها لا تمحو أن الرئيس عبد الناصر كان قد نجح قبلها في إخراج مصر من موقع التابع، في بناء استقلال سياسي واقتصادي وعسكري؛ جعل القاهرة مركزًا للصراع العربي- الإسرائيلي، ثم أعاد بناء الجيش وخاض حرب الاستنزاف. الهزيمة كشفت حدود النموذج، لكنها لم تثبت أن فكرة الاستقلال نفسها كانت خاطئة.
الأمر نفسه في تجربة السيد نصر الله. إن حرب العام 2006 كانت مكلفة على لبنان، لا يصح تحويل الكلفة الإنسانية والمادية إلى تفصيل هامشي، لكن السؤال الاستراتيجي لم يكن عدد الغارات أو حجم الدمار، إنما ما إذا كانت "إسرائيل" قد استطاعت تحقيق هدفها السياسي من الحرب وإنهاء قدرة المقاومة وفرض واقع جديد عليها؟ لم يتحقق ذلك بالصورة التي أرادتها "إسرائيل"، فبقيت المقاومة بعد الحرب لاعبًا أساسيًا في المعادلتين اللبنانية والإقليمية. هذا هو الفارق بين قراءة الحرب على أنها جدول خسائر وقراءتها على أنها صراع على الإرادة.
الرئيس عبد الناصر كان يعمل في عصر كانت فيه الدولة هي وحدة القوة الأساسية. لهذا؛ جمع بين الجيش والاقتصاد والدبلوماسية والإعلام والتحالفات الدولية، وكان يريد جعل مصر مركزًا عربيًا مستقلًا لا تابعًا لمعسكر دولي. السيد نصر الله عمل في عصر أصبحت فيه القوة موزعة بين الصواريخ والاستخبارات والشبكات والتنظيم والتحالفات، وأصبحت الدولة نفسها أقل قدرة على حماية حدودها. لهذا؛ لم تكن المقاومة بالنسبة إليه مجرد ذراع عسكرية، هي منظومة قوة تستطيع أن تعوض جزءًا من عجز الدولة عن إنتاج الردع.
في ما تقدم؛ يظهر الفارق الأعمق بين الرجلين. الرئيس عبد الناصر كان يريد جعل الدولة العربية أداة للتحرر، قي حين اضطر السيد نصر الله إلى التعامل مع دولة لم تكن قادرة على حماية نفسها من الاحتلال. لهذا؛ فإن صعود المقاومة لم يكن في بدايته انقلابًا على مفهوم الدولة بقدر ما كان نتيجة مباشرة لفشل الدولة في أداء إحدى أهم وظائفها. حين نجحت المقاومة في تحرير الأرض، تحولت القوة العسكرية إلى سؤال سياسي أكثر تعقيدًا: كيف تتعايش قوة نشأت خارج مؤسسات الدولة مع دولة ضعيفة ومنقسمة؟
هذه المعضلة لا تنتقص من تجربة السيد نصر الله، لكنها تكشف ثمنها. إذ إن المقاومة تستطيع تحرير الأرض، لكنها لا تحصل تلقائيًا على إجابة عن سؤال الدولة. والرئيس عبد الناصر واجه المعضلة ذاتها بصيغة أخرى، فامتلاك الدولة لا يعني امتلاك القدرة المطلقة على تحقيق أهدافها. إذ إن بناء القوة يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى وقت، والوقت في صراع مع خصم متفوق عسكريًا قد يكون أكثر قسوة من أي خصم آخر.
لكن ما يجمع الرجلين أكثر مما تفرقهما الأيديولوجيا. الرئيس عبد الناصر لم يكن يقبل أن يكون القرار المصري امتدادًا للقرار البريطاني أو الأمريكي، والسيد نصر الله لم يقبل أن يكون أمن لبنان وظيفة يحددها الجيش الإسرائيلي. الأول واجه الاستعمار من موقع الدولة، والثاني واجه الاحتلال من موقع المقاومة، لكن كليهما رفض أن تتحول موازين القوة إلى حق دائم للاحتلال في امتلاك القرار.
لذلك؛ كان حضورهما الجماهيري يتجاوز شخصهما. الرئيس عبد الناصر منح شرائح عريضة ومتنوعة من العرب إحساسًا بأنهم ليسوا مجرد شعوب تعيش داخل حدود رسمها الآخرون، والدولة العربية تستطيع أن تقول لا حتى أمام القوى الكبرى. السيد نصر الله منح جمهور المقاومة إحساسًا بأن التفوق الإسرائيلي ليس قدرًا نهائيًا، والقوة التي تبدو مستحيلة أمام دولة صغيرة يمكن بناؤها؛ إذا امتلك أصحابها التنظيم والإرادة والقدرة على تحمل الكلفة.
لم يكن الرئيس عبد الناصر يسعى إلى الحرب لمجرد الحرب، كما لم يكن السيج نصر الله يحتاج إلى الحرب لكي يثبت وجود المقاومة. الحرب عند الاثنين كانت وسيلة في معركة أكبر، هي منع الخصم من فرض إرادته. لهذا يصبح الردع مفهومًا أكثر أهمية من الانتصار اللحظوي. الانتصار ينتهي بانتهاء المعركة، أما الردع فيظهر في الحرب التي لم تقع؛ لأن الخصم أعاد حساباته قبل أن يبدأها.
الرئيس عبد الناصر حاول جعل مصر قوية بما يكفي؛ كي لا يستطيع الخارج أن يقرر عنها. السيد نصر الله حاول جعل المقاومة قوية بما يكفي لكي لا تستطيع "إسرائيل" أن تقرر وحدها متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي. الأول بنى القوة داخل الدولة، والثاني بنى القوة من خارج الدولة ثم أصبح جزءًا من نظامها السياسي. هذه ليست قصة انتقال من نموذج ناجح إلى نموذج آخر، إنما هي انتقال في طبيعة الصراع نفسه.
لذلك؛ فإن وضع الرجلين في مواجهة بعضهما، كما لو كان أحدهما يمثل الدولة والآخر يمثل المقاومة، يخطئ بحق جوهر التجربتين. الدولة عند الرئيس عبد الناصر كانت وسيلة للتحرر، والمقاومة عند السيد نصر الله كانت وسيلة لمنع إخضاع الدولة. كلاهما كان يتحرك في النهاية في الفكرة نفسها: لا استقلال حقيقيًا إذا كان القرار الاستراتيجي يمكن مصادرته من الخارج.
من السويس إلى الجنوب اللبناني تغيرت الجغرافيا، وتغير السلاح، وتغير النظام الدولي، لكن السؤال لم يتغير. من يملك الأرض؟ من يملك القدرة على حمايتها؟ من يملك القرار الذي يحدد مستقبلها؟
الرئيس عبد الناصر حاول جعل الدولة العربية صاحبة قرارها. السيد نصر الله حاول جعل المقاومة قادرة على حماية القرار حين تعجز الدولة عن حمايته. الأول واجه الهيمنة من موقع الدولة، والثاني واجهها من موقع المقاومة، لكن كليهما رفض الفكرة التي أراد النظام الدولي ترسيخها في المنطقة، وهي أن التفوق العسكري يمنح صاحبه حق رسم المستقبل.
لذلك؛ لا تبدو المسافة بين الرجلين، على الرغم من اختلاف الزمن والأيديولوجيا والأدوات، كبيرة كما تبدو لأول وهلة. أحدهما أعاد تعريف معنى الدولة المستقلة، والآخر أعاد تعريف معنى المقاومة القادرة على الردع. بينهما امتدت تجربة عربية طويلة من الهزائم والانتصارات، لكنها بقيت تدور حول معركة واحدة، أن ينتقل العربي من موقع من يُرسم له مستقبل المنطقة إلى موقع يستطيع أن يكون شريكًا في رسمه.
في ذلك تكمن قيمة الرجلين معًا. ليس لأنهما لم يخطئا، أو لاكتمال تجاربهما، بل لأن كليهما رفض التعامل مع موازين القوة على أنها قدر. الرئيس عبد الناصر لم يقبل أن تكون مصر دولة مستقلة على الورق وتابعة في القرار، السيد نصر الله لم يقبل أن يكون لبنان دولة ذات سيادة والاحتلال هو من يحدد متى يحتل أرضه ومتى ينسحب منها ؟
في الحالين؛ كانت المعركة على شيء أعمق من الأرض والسلاح. كانت على حق المنطقة في أن تمتلك إرادتها.
الرئيس عبد الناصر حاول صنع دولة تستطيع أن تقول «لا»... والسيد نصر الله بنى مقاومة تجعل هذه الـ«لا» قابلة للتنفيذ.
بين الاثنين، من القاهرة إلى الجنوب اللبناني، يمكن قراءة أكثر من نصف قرن من الصراع العربي مع الهيمنة، لا بكونه سلسلة من الهزائم والانتصارات المتفرقة، بل لكونه بحثًا متواصلًا عن الطريقة التي يتحول بها الرفض من موقف أخلاقي إلى قوة سياسية، ومن القوة السياسية إلى قدرة على منع الآخرين من كتابة النهاية وحدهم.