المغرب . حين يُهمل أبناء الوطن لحساب "المثاقفة" مع اليهود وتاريخهم!

post-img

نجوى الموسوي/ كاتبة وقاصة لبنانية

تدفعنا أزمة الهجرة المغربية وما في من مأساة إنسانية، إلى التساؤل عن سبب عدم اهتمام الدولة المغربية بهذه الظاهرة التي تزداد سوءًا، عامًا بعد عام.. في حين ترى نشاطًا مريبًا في جامعات المغرب يدرو عن اليهود و"المثاقفة" مع اليهود الإسرائيليين..!!

إذ تكثر حاليًّا، في المحافل الإعلاميّة أحاديثُ متداولة عن اليهود في الدُول الأفريقية ومنها المغرب، إذ تشكّل الأقلية اليهودية مكوّنًا ضمن فئات الشعب المغربي، وهم يمارسون طقوسَهم الدينية والثقافية واللغوية بحُريّة، ويتمتّعون بقوانين تحميهم، وينعمون بحياة اجتماعية وبحقوق مدنية أكثر من الأكثرية أحيانًا.

لكن القضية توسّعت وتعمّقت في الأبحاث الجامعيّة التي يعدّها الطلاب المغاربة العرب والمسلمون، والمتعلّقة بما يسمّونه "التراث اليهودي التاريخي والمعاصر". إذ بلغ عدد الدراسات مؤخّرًا المئات من الرسائل والأطاريح الجامعي في الدراسات العليا، وفقًا لموقع RT العربي... فهل يرتبط التوجيه المنهجي بالسياسة، لا سيما مع توقيت الكلام عن التطبيع مع العدو الإسرائيلي؟..

هذه المقالة تعرض بعض الجوانب التي تعزّز نظرية التسييس لظاهرة الأبحاث الأكاديميّة المكثفة عن يهود المغرب.

 تربويًّا ومنهجيّا؛ يضع بعضُ المتخصّصين عناوين الدراسات الجامعية عن اليهود المغاربة، في إطار المساعي المدنيّة والثقافية الهادفة إلى "إعادة بناء الشخصية المغربيّة!.. سبب هذ،ا برأيهم، وجود دينامية لتحديد الأسس التي تقوم عليها الهويّة المغربية، كونها هوية متحرّكة ومنفتحة، والاهتمام بالتراث اليهودي يندرج ضمن هذه الدينامية!".. لقد نشرت مواقعُ إلكترونية عديدة أن الكيان الغاصب يشكر رسميًّا المغرب على قرار إدراج "التراث اليهودي"، في المنهاج الدراسي المغربي، ويعلن أن المنهاج الدراسي في "إسرائيل" سيتضمن موضوعات عن اليهود في المغرب، والذين يسمّيهم "جالية"، وأن وزير التربية والتعليم المغربي ومن يُسمّى نظيره الصهيوني اتفقا على تبادل الوفود الطلابية وتنظيم جولات دراسية في "إسرائيل والمغرب".

انطلق برنامجٌ تجديدي شامل للمناهج الدراسية المغربية، في العام 2014، وتزامن توزيع بعض تلك المناهج والبرامج المشتركة مع استئناف العلاقات الدبلوماسية في سياق تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، في العام 2020. في المقابل؛ أشارت مواقع إخبارية عربية وعالمية إلى حراك نقابي في المغرب يحذّر من الاختراق الصهيوني للمناهج المدرسية والجامعية.

من جهة ثانية؛ تستخدمُ تلك الدراسات حتمًا مراجعَ ومصادر مختلفة، توافق توجّهات بعض أصحاب تلك المصادر سياسةَ الكيان الغاصب بوضوح. إذ لا يكتفي الطلاب بالنقل عن باحثين مغاربة يهود "محايدين"، أو بالاقتباس عن باحثين مناهضين للصهيونية، فقد سُجّل انطلاقُ فرق طلابية مغاربة، في أوائل هذا القرن، "أفادت من السند المادي لمركز البحث عن اليهود المغاربة الذي أسّسه روبير أصراف؛ وكان محفزًا للمضي قدمًا بالبحث التاريخي! وأفاد أصراف نفسه من الدينامية ليصدر سلسلة من الأبحاث الموثّقة ساعده في إنجازها عدد من الباحثين".. الأمر، هنا، يدعو إلى التدقيق والنقد مع وجود شخصيات اشتُهرت علميًّا، وهي في الوقت عينه قدّمت للكيان خدمات معرفيّة وأكاديميّة، مثل أصراف الذي عاش ودُفن في مستوطنات فلسطين المحتلة.

لغويّا، يُدرج بعض المشرفين على دراساتِ طلابهم وفقًا لسياسة منسجمة ودستور العام 2011، كما يقولون وهو ينصّ على أن "الهوية المغربية تتميز بتعدد وتنوّع روافدها"، ويدعمون استنادهم إلى تلك المادة الدستورية العامة مع وجود اختصاص جامعي هو "ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان"، فتنطلق تحت هذه العناوين الأبحاثُ التاريخية واللغوية العبرية الخاصة باليهود أو الإسرائيليين أو الصهاينة، مهما اختلفت التسميات، فقد "حرص هؤلاء جميعًا، في أيامنا هذه، على وصف كل ما يتعلّق بتراثهم اللغوي والأدبي بالعبري".

ثقافيّا، يُشترط أن تطرح الأبحاث الجامعية أسبابًا موجِبة وإشكاليات حديثة مع أوجه اختلافها عن الدراسات السابقة؛ فتأتي متأثرةً بالمستجدات، ومنها المشاريع السياسية التي تحتاج في سبيل دعم توجّهاتها التطبيعية إلى إعادة كتابة التاريخ مع مُخرجات الدراسات العليا. يقول متخصّصون: "إن المجتمع المغربي متصالح ومسألة الوجود اليهودي، ويُقِرُّ بوجود أثرهم في الثقافة والعادات.. وذلك بالنظر إلى وجود إرادة مَلَكية راسخة في هذا المجال، بدأها محمد الخامس، وكرّسها الحسن الثاني، وما يزال محمد السادس مستمرا فيها" .

تبرز صيغة التسييس أيضًا في فرضياتٍ لا تكتفي بتثبيت وجود اليهود؛ تذهب أيضًا إلى ضرورة تجديد هذا الوجود "انثروبولوجيّا" وتقوية انتشاره وتكريسه ليمتد جغرافيّا وتاريخيّا واقتصاديّا، فمن الزيّ والموسيقى والمأكولات إلى الصناعات المغربيّة إلى ترميم المقابر والمعاهد وإنشاء المتاحف اليهودية في المملكة.. أنشطةٌ ومشاريع تسوّغ التبادل التجاري والسياحي مع "الكيان"، فمن الطبيعي أن الاستنتاجات البحثية والتوصيات التي تُطبع وتوزع وتنشر، في كتب ومعارض، تقدّم الترحيب بامتداد اليهود الثقافي وإسهاماتهم في التفاعل مع العرب والمسلمين، وتدعو لتوسيع ذلك التفاعل وإنتاج ثقافة "جديدة" ماديًّا ومعنويًّا!

إزاء هذا الواقع؛ تحمل المؤسسات الأكاديمية والثقافية وجمعيّات يهودية على عاتقها تلك الأهداف لكي تتنوّع مجالاتُها، وتصل إلى الميادين الفنية في حركة اليهود المغاربة داخل المغرب وخارجه. من المعروف أن هناك مغاربة حاصلون على الجنسية الإسرائيلية، ولا يستنكرون الإقامة في فلسطين المحتلة والتردد بين "البلدين" وتناقل الانفتاح على الأنشطة الثقافية المختلفة.  

 في الخلاصة؛ إن كثافة البحث الجامعي عن يهود المغرب ودورهم "الإيجابي"، في المغرب والمنطقة، تحمل إشارة توكد ضرورة الحذر من تسييس الدراسات المنهجية، أكاديميّا وثقافيّا واقتصاديّا وجغرافيّا..إلخ.. لا سيما عندما تترافق مع أنشطة ميدانية تشجعها جهاتٌ رسمية وجمعياتٌ ذات أجندات ومبادراتٌ فردية لديها توجّهات سياسية واضحة مع الكيان المحتلّ. هنا؛ يبرز وجوب التصدّي بالنقد علميّا والتحرّكات المناهضة والتدخل لإصلاح المناهج والحدّ من نتائج لا تُحمد عقباها ووضع معايير علمية نقدية؛ تقوّم أي عمل أكاديمي وتوجهاته كي لا يخدم ثقافة الاستعمار ، ويشارك في تزييف التأريخ والواقع.

___________________________________

أبرز المراجع
  • بلخير، بقة: التعريف بالمفاهيم بنو إسرائيل واليهود، مجلة الخلدونية الجزائر، جامعة تيارت، 2016.  
  • حاتمي، محمد: تاريخ الجماعات اليهودية المغربية، مجلة أسطورـ عدد شباط 2024.
  • موقع المركز الوطني للتوثيق (المغرب) www.abhatoo.net.
  • بنهرار، علي: ندوة أكاديمية تدقق في مفاهيم الهوية المغربية، موقع هسبريس.
  • بولكتابات، طارق: مستجدات تعزيز الثقافة والتراث اليهودي في مناهج الدراسة بالمغرب، موقع أنباء مراكش 2021.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد