كيف أفرغت صنعاء استراتيجية "التحشيد البديل" من مضمونها؟

post-img

يتجه التصعيد العسكري في اليمن نحو مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الاشتباك، حيث انتقلت صنعاء رسمياً من استراتيجية "الاستجابة والردود المتكافئة" إلى استراتيجية "الضربات الاستباقية الشاملة"، ممثلة في شل قدرة الخصم على فتح جبهات تشتيت داخلية، والتوازي مع ذلك بفرض حصار بحري وجوي يطال الشرايين الاقتصادية الأكثر حساسية للسعودية.

تتجلى هذه التحولات الميدانية في تفكيك استراتيجية "التحشيد البديل" التي حاولت الرياض اعتمادها مؤخراً. فبدلاً من انتظار تحرك الجبهات في الجوف ومأرب، جاءت الضربات الصاروخية والهجمات بالسيطرة الجوية عبر الطائرات المسيرة لتستهدف مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الإمداد في الرويك، العبر، صحن الجن، ووادي حضرموت. إن استهداف غرفة العمليات المشتركة وقواعد الدعم اللوجستي قبل انطلاق أي تصعيد ميداني يعكس تفوقاً استخباراتياً واضحاً، كما يُعرّي هشاشة التنسيق بين الفصائل الموالية للتحالف، لا سيما في ظل بروز انقسامات حادة ورفض مكونات رئيسية كالمجلس الانتقالي الجنوبي الانخراط في معارك الشمال.

في حين برزت نقطة تحول أخرى تتمثل في نجاح صنعاء في توسيع بنك أهدافها ليصل إلى شمال البحر الأحمر وخليج عدن. اذ امتد الحصار ليعطل بدائل تصدير النفط السعودي المتجهة نحو حوض المتوسط عبر خطوط "سوميد". وهذا ما أنتج حرمان السفن المرتبطة بالرياض من خيارات المناورة، بعد إجبار ناقلات نفط عملاقة على التراجع واستهداف السفن، كما يضع نقطة نهاية للرهان على إمكانية تأمين طرق بديلة بعيدة عن المدى الصاروخي والمسير.

توازت الجهود العسكرية في محاولة فرض معادلات عسكرية ميدانية جديدة مع رسائل سياسية وصلت إلى العواصم الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي يسعى فيه التحالف لبناء مظلات دفاعية جديدة عبر اتفاقيات إقليمية متعددة الأطراف، جاء موقف صنعاء ليؤكد أن أي مشاركة أو دعم للرياض سيعني تصنيف تلك الدول في خانة القوى المعادية وفق قواعد القانون المحلي. تعكس هذه المواقف قناعة لدى قيادة صنعاء بأن أي حوار جدي بمفاعيل حقيقية يُكتب عسكرياً، بعد أن أثبتت التجارب السابقة عدم جدوى التفاهمات السياسية التي لا تستند إلى واقع ميداني يفرض شروطه.

من ناحية أخرى، جاء استهداف البنية التحتية لبعض المطارات والحيوية، كالمرافئ والمطارات الحدودية، ليرسخ معادلة جديدة مفادها أن خرق الأجواء أو استمرار الحصار ستقابله كلفة تشغيلية واقتصادية باهظة تُشل بها حركة الملاحة والتجارة في المناطق المحاذية. هذا الربط بين الجبهات الداخلية والمعادلة البحرية واستهداف المنشآت الحيوية يضع الإدارة العسكرية والسياسية للتحالف أمام خيارات أحلاها مر.

في تحول ميداني هو الثالث من نوعه خلال أيام قليلة، أرجأت قوات صنعاء ضغوطها على جبهتي مأرب والجوف بالشرق، لتوجه مدفعيتها وصواريخها صوب جبهة الساحل الغربي. وفي هذا السياق، كشف المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، عن شن ضربات موسعة طالت "تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في منطقة المخا"، موضحاً أن الهجوم جرى بسلاح الصواريخ الباليستية وسرب من الطائرات المسيرة. وأكد سريع أن ضربات أمس "حقّقت أهدافها بنجاح"، متسببة في إحراق عتاد ومعدات عسكرية ومقتل وإصابة العشرات، من بينهم عناصر من جنسية سعودية، مكرراً أن كافة التحركات والتحشيدات العسكرية للرياض تبقى "تحت الرصد والتتبّع والاستهداف".

يتجه المشهد الميداني نحو حصر خيارات الرياض في نطاق ضيق جداً فقد أدى تعطيل استراتيجيات التصعيد الداخلي ومحاصرة منافذ التصدير النفطي إلى رفع تكلفة الاستمرار في النهج الحالي مقارنة بتكلفة الذهاب نحو تسوية شاملة تلبي مطالب صنعاء. إن الاستباق العسكري الذي شهدته الأيام الأخيرة لا يمثل مجرد جولة تعود بعدها الأمور لما كانت عليه سابقاً، بل يبدو كأنه إعلان صريح عن إغلاق كافة ثغرات القوة التي كان يُراهن عليها لإدارة الصراع.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد