من فلسطين الى أفغانستان، مرورا بالجزائر وليبيا وسوريا والعراق واليمن ومالي، حين أتى قرار تخريب هذه البلاد، دمرت جماعات على مدار سنوات المواقع الأثرية والحضارية ودور عبادة بنيت منذ عشرات القرون.
ما أشبه اليوم بالبارحة، فحين يشرع بلد بحجم الهند في حملة تهدم مساجد المسلمين، ويقودها الحزب الحاكم، فهذا ليس حدثا داخليا، وليس وليد صدفة ولا تطبيقا لقانون. عرضت قناة «الجزيرة» أمس ما يطلق عليه متطرفون هنود اسم «عدالة الجرافة»، حيث تقوم السلطات المحلية بهدم ما تدعي أنه بناء غير قانوني، مستعينة بالجرافات في استهداف لمناطق وأبنية تعود للمسلمين حصريا، وغالبا بدون إشعار مسبق، أو منح حق الاستئناف، مع تغييب كامل للقضاء، فنحن هنا أمام حالة مستطيرة في توقيت أيضا مريب.
حين يستهدف حزب رئيس البلاد، أكبر أقلية دينة مسلمة في البلاد يتجاوز عددها 200 مليون مسلم، وهم مواطنون، يفترض أنهم يتمتعون بحقوق دستورية تكفل لهم حرية الدين والملكية والاحترام القانوني، فإننا أمام حالة مشابهة لما حصل ويحصل لكل الدول، التي أريد لها أن تُخرب أو تُقسم، كما حصل مع الاتحاد السوفييتي سابقا وفلسطين ومقدساتها وسوريا وليبيا والسودان، وبعض بلدان افريقيا.
وفق موقع «الجزيرة» هدمت مساجد عدة في ولاية «أوتار براديش» وهي أكبر ولاية هندية، منها مسجد «ذاكر حسين»، بحجة أنه «بني على أرض حكومية». في ولاية غوجرات، التي تولى فيها ناريندرا مودي، منصب رئيس الحكومة المحلية، قبل أن يصبح رئيسا للوزراء، دمر نحو 30 مبنى في ليلة واحدة في منطقة كوتش، بينها مسجد جونا كاندلا الشهير، ناهيك عن تدمير العديد من المدارس الإسلامية ودور تحفيظ القرآن المقامة في مناطق على الحدود الباكستانية، وكلها بذريعة بناء غير قانوني.
عمليات الهدم تحدث أحيانا دون إشعار مسبق، أو في منتصف الليل أو في أيام العطل أو بمرافقة قوة أمنية مفرطة، وهذا يخالف أبسط قواعد العدالة الإجرائية، فالقانون يقتضي أن يحال المالك إلى المحكمة، ويتاح له الدفاع عن نفسه، قبل أن تهدم ملكيته. توقيت العمليات الهندية يتزامن مع الحصار على إيران والحرب الأمريكية – الإسرائيلية في منطقة الخليج، وأيضا تزامنا مع التوتر الأمريكي – الصيني، وعملية الخنق الطاقي لها، فهل هذه مصادفة؟
حينما أراد الغرب تفتيت روسيا، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي حرك أقلية الشيشان لإضعاف البلاد، وهذا ما حصل كذلك في الصين مع أقلية الإيغور، وحصل مع السودان الجنوبي لتقسيمه الى دولة شمالية وأخرى جنوبية غير إسلامية، وقبلها تمزيق يوغسلافيا الى قوميات وأعراق دينية بعد مذابح وتصفيات عرقية وعمليات هدم مكثفة لدور العبادة المتنوعة فيها.
الاستهانة باعتقادات الناس، مهما كانت مختلفة دائما تقود الى الخراب، وهناك آلاف الشواهد الحاضرة والتاريخية، والهنود المتواجدون بكثافة في البلاد العربية والإسلامية يدركون ذلك جيدا، وعلى عقلاء المسلمين أن يوصلوا رسائل واضحة للحكومة الهندية الى أن ارتفاع منسوب العداء من الجماعات المتطرفة في الهند ضد المسلمين لا يبشر بالخير لكل الأطراف.
إذا كانت الحكومة الهندية تريد استغلال حالة الصراعات والضعف في المنطقة فهذا يسيء للتاريخ المشترك ويؤسس لحقبة لم تشهدها أبدا العلاقات بين الهند وجيرانها عبر التاريخ، فدائما كان هناك عقلاء يضمدون الجراح، والمهاتما غاندي مثال على ذلك.