من يعيد الجنوبيين إلى بيوتهم؟

post-img

جاد طعمه (صحيفة الأخبار)

على أبواب انطلاقة العام الدراسي الجديد، ثمة سؤال بسيط، لكنه يبدو أكبر من قدرة كل المفاوضين المباشرين وأهل السياسة في لبنان على الإجابة عنه: أين سيكون أطفال الجنوب اللبناني عندما يقرع جرس المدرسة؟

هل يعودون إلى بيوتهم أم يبقون في مناطق النزوح؟ هل تستطيع عائلاتهم أن تبني قراراً يمتد حتى الصيف المقبل؟ وهل سيتغير شيء قبل منتصف أيلول من شأنه أن يحدد شكل الجنوب، وخريطة الانتشار، ومستقبل عودة النازحين؟

في الجنوب لا ينتظر الناس نتائج المفاوضات بقدر ما ينتظرون نهاية الأعمال الحربية المستمرة بلا هدنة حقيقية. لا يهمهم كثيراً ما إذا كانت المنطقة «تجريبية» أو «آمنة» أو خاضعة لترتيب مؤقت. ما يهم العائلة الجنوبية أن تعرف إن كان بيتها لا يزال قائماً، وإن كانت تستطيع الوصول إليه، وإن كانت القرية التي تركتها خلفها ستبقى صالحة للحياة.

بالنسبة إلى هؤلاء، لا توجد «مناطق تجريبية» ولا «ترتيبات انتقالية»، هناك فقط بيت يمكن العودة إليه أو بيت لم يعد موجوداً.

بلدات تُنسف وبيوت تُهدم وخط أصفر يتسع

التفاوض يتقدم في الغرف المغلقة فيما تتواصل على الأرض أعمال نسف البلدات وهدم المنازل ومنع المدنيين من الاقتراب من ممتلكاتهم، حتى في مناطق لا تقع رسمياً ضمن نطاق الاحتلال المباشر.

هذا يجعل السؤال مشروعاً حول حقيقة «الخط الأصفر»: هل هو فعلاً الخط المعلن، أم أنه خط قابل للتمدد والانكماش وفق مقتضيات المرحلة السياسية والأمنية، وربما إلى حين اتضاح نتائج الاستحقاقات الانتخابية داخل كيان العدو؟ وما مبرر وجود مناطق يُمنع فيها الجنوبي من العودة إلى أرضه بينما تمتد عملياً أبعد بكثير مما يوحي به الوصف الرسمي؟

لكن حجم الدمار ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه في أي تسوية، لأنه يطرح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل المطلوب إعادة الناس إلى الجنوب، أم إعادة رسم الجنوب بحيث يصبح جزء من سكانه غير قادرين على العودة إليه؟

ففي إحدى «المناطق التجريبية» وهي زوطر الغربية، وجد السكان عند عودتهم أن أكثر من نصف البلدة قد دُمّر فيما بقيت أجزاء واسعة من الأبنية غير صالحة للسكن. كما أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق أخرى يجعل عودة عشرات الآلاف من النازحين مسألة شديدة التعقيد.

«المناطق التجريبية»: تجربة على حساب الناس

الأخطر أن كل ذلك يحدث فيما يستمر الخيار الرسمي اللبناني في التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي، وكأن الوقائع التي تُفرض على الأرض يمكن فصلها عن طاولة التفاوض.

«المناطق التجريبية» التي ينص عليها اتفاق الإطار يفترض أن تكون مقدمة لانسحاب إسرائيلي تدريجي يتبعها انتشار للجيش اللبناني ثم عودة آمنة للسكان وإعادة الإعمار. لكن ماذا لو أصبحت حياة المدنيين نفسها جزءاً من الاختبار؟ وماذا لو تحولت قرية بأكملها إلى مختبر لقياس مدى نجاح التفاهمات؟ لا يجوز أن تكون حياة المدنيين منطقة تجريبية.

فالمنطقة التجريبية ليست مساحة على خريطة إنها قرى يسكنها بشر، وبيوت لها أصحاب، ومدارس لها تلامذة، وحقول لها مواسم، وذاكرة لا يمكن نقلها بقرار سياسي.

الأمر لا يتعلق فقط بالعودة إلى المنازل بل بالسؤال عن طبيعة الأرض التي سيعود إليها الناس: هل سيجدون قرية قابلة للحياة أم مساحة أمنية جديدة تحكمها ترتيبات مؤقتة قد تطول إلى أجل غير معلوم؟

عندما يصبح حق المساءلة موضع سؤال

الأكثر إثارة للقلق هو ما ورد في اتفاق الإطار، الذي يتحدث عن وقف «الأعمال العدائية أو الضارة» في المحافل السياسية أو القانونية الدولية.

قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، لغة دبلوماسية مألوفة، لكنها فتحت نقاشاً قانونياً وسياسياً بالغ الخطورة حول مدى تأثيرها على حق الدولة والضحايا في اللجوء إلى آليات العدالة الدولية والمطالبة بالمساءلة والتعويض عن الانتهاكات.

وقد اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن الاتفاق، بصيغته الحالية، يهدد حقوق ضحايا جرائم الحرب في لبنان ويحد من قدرتهم على السعي إلى العدالة. ولا تبدو هذه المسألة هامشية بالنسبة إلى السلطة السياسية اللبنانية، خصوصاً أن رئيس الحكومة، بحكم موقعه وخبرته القانونية، يدرك تماماً أهمية آليات العدالة الدولية في ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة.

وهنا لا يعود السؤال: متى تنتهي الحرب فقط؟ بل يصبح: من سيدفع ثمنها ومن سيحاسب على ما ارتُكب خلالها وهل ثمة ما يجعل الطبقة السياسية اللبنانية مترددة في قرع باب المحكمة الجنائية الدولية أم أن الحسابات السياسية للتفاوض باتت تتقدم على حق الضحايا في المساءلة؟

المدني الجنوبي لا يملك جيشاً ولا طاولة تفاوض ولا حق نقض. لا يملك سوى منزله وأرضه ومدرسته وذاكرته. ومع ذلك، هو الذي يدفع الثمن الأكبر.

من الجنوب اللبناني إلى الخليج: حرب تتجاوز حدود لبنان

من الجنوب اللبناني يمكن توسيع المشهد. فالولايات المتحدة وإيران تخوضان معركة مصالح تتجاوز لبنان إلى إعادة رسم جزء من النظام الإقليمي نفسه. وتسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي، فيما تسعى إيران إلى حماية مصالح الدولة الإيرانية وقدرتها على الردع والتفاوض. وبينهما تقف دول الخليج التي وجدت أراضيها وممراتها البحرية مسرحاً لتداعيات الحرب، بسبب وجود قواعد عسكرية أميركية عليها.

إيران تقول لدول الخليج عملياً: أنتم فتحتم أبوابكم للقواعد الأميركية، فلا تتفاجؤوا عندما تصبح هذه القواعد جزءاً من الحرب. وفي المقابل، ترد دول الخليج بأن استضافة قواعد أجنبية، أياً تكن طبيعتها، لا تمنح إيران حق انتهاك سيادتها أو تحويل أراضيها وممراتها البحرية إلى ساحات مواجهة.

لكن الخليج، في الوقت نفسه لا يستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة. لذلك تبدو التسوية بالنسبة إليه أكثر إلحاحاً من تحقيق نصر عسكري لا يعرف أحد كلفته النهائية.

الجمهورية الاسلامية الايرانية أولاً والحلفاء ثانياً

في هذه اللحظة بالذات يبدو أن إيران نفسها تعيد ترتيب أولوياتها: مصلحة الدولة الإيرانية تأتي في المقام الأول ثم مصالح الحلفاء.

وهذا لا يعني التخلي عن الحلفاء، لكنه يعني أن طهران، عندما تصبح الدولة الإيرانية نفسها تحت الضغط المباشر، لن تتعامل مع مصالح أي حليف باعتبارها مساوية لمصالحها الوطنية المباشرة.

هنا يصبح لبنان جزءاً من حسابات أكبر منه لا مركز القرار فيها.

إسرائيل تريد تحويل تفوقها العسكري إلى واقع سياسي دائم: نزع سلاح حزب الله، إعادة ترتيب الجنوب اللبناني، وربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط أمنية جديدة. أما حزب الله، الذي خسر جزءاً كبيراً من قدرته على السيطرة الظاهرة على الأرض، فقد يكون أمام رهان مختلف: أن خسارة السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة خسارة القدرة على القتال.

فقد ظهرت بالفعل صعوبات كبيرة أمام تحويل «المناطق التجريبية» إلى مسار مستقر فيما لا يزال الانسحاب الإسرائيلي مرتبطاً بنزع سلاح حزب الله.

من هنا يمكن استحضار تجربة فيتنام، لا باعتبارها نموذجاً مطابقاً، وإنما باعتبارها تذكيراً تاريخياً بأن التفوق التكنولوجي والعسكري لا ينتج بالضرورة نصراً سياسياً، وأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء الحرب.

لكن كل هذه الحسابات، مهما بدت كبيرة، تبقى أصغر من سؤال الإنسان الذي يعيش تحتها.

الجنوبيون هم من يدفعون الفاتورة الأكبر

وسط كل هذه الحسابات هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى مفاوضات: الجنوبيون يريدون العودة إلى بيوتهم، وهم في هذه الحرب من يسددون الفاتورة الأكبر من دون أن يكون لهم مقعد واحد حول طاولة التفاوض.

يريدون مدرسة لأطفالهم وحقلاً يزرعونه وبيتاً لا يخافون من العودة إليه وقرية لا تُختبر فيها ترتيبات القوى الكبرى.

إن أكبر ضحايا هذه الحرب ليسوا فقط الذين سقطوا تحت القصف بل أيضاً أولئك الذين يُطلب منهم أن ينتظروا: ينتظروا نتائج التفاوض، وانتشار الجيش، ونزع السلاح، وانسحاب إسرائيل، ونتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وربما حتى تبدل الحسابات الإقليمية.

في انتظار كل ذلك يتآكل حقهم في العودة، ويتآكل معه احترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني. وقد حذرت منظمات حقوقية بالفعل من استمرار النزوح والهجمات على المدنيين، ومن خطر تحول النزوح القسري إلى انتهاك قد يرقى إلى جريمة حرب.

أما الصمت السياسي في لبنان، وتحويل معاناة المدنيين إلى بند ثانوي في تفاوض مباشر، فهو أخطر من مجرد فشل في إدارة الأزمة. إنه يجعل من المدنيين الثمن المقبول لاستمرار لعبة المصالح. هنا يجب أن يُطرح السؤال الذي لا تستطيع كل غرف التفاوض إخفاءه: إذا كانت التسوية تُبنى فوق أنقاض البيوت، فما الذي تصنعه فعلاً: سلاماً يعيد الناس إلى أرضهم، أم واقعاً جديداً يُطلب من المدنيين القبول به لأنهم لم يُدعوا أصلاً إلى طاولة صنعه؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد