يفكّك الباحث الإعلامي الأميركي آدم جونسون في كتابه «كيف تبيع إبادة جماعية» دور الإعلام الأميركي في تغطية حرب غزة، مستندًا إلى تحليل آلاف المقالات والفقرات التلفزيونية. بالأرقام ومقارنة المفردات والأطر السردية، يرصد انحيازًا منهجيًا في تصوير القتلى الفلسطينيين والإسرائيليين، ويكشف كيف تتحول اللغة الصحافية نفسها إلى أداة سياسية
ترتقي حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة إلى مستوى وصفها بـ «جريمة العصر». وتباعًا، تتكشّف الفظائع المرتكبة التي لا تقف فقط عند تحديد هويّة القاتل، بل تتجاوز ذلك لتشمل معرفة كلّ من حرّض وروّج وأسهم في ذلك. في الولايات المتحدة، الداعم الأكبر سياسيًا وعسكريًا لـ «إسرائيل»، خلعت الشبكات الإعلامية التقليدية المهيمنة قفازاتها المهنية، ودخلت في حرب إسناد إعلامية في محاولة لحماية الاحتلال من وطأة ما ترتكبه أيديه في غزة. وتُشير الأرقام إلى تململ واسع عند المشاهدين الأميركيين من البروباغندا الإعلامية المفروضة عليهم، ونزوح جماعي نحو المنصات الرديفة المتحرّرة من عباءة «إيباك» وغيرها من لوبيات النفوذ الصهيوني في واشنطن.
في هذا الإطار، أصدر الباحث الإعلامي الأميركي، آدم جونسون، كتابًا بعنوان «كيف تبيع إبادة جماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزة». ومن خلال الأرقام والإحصاءات الواسعة، يفنّد الكاتب سعي وسائل الإعلام الأميركية الكبرى الدؤوب إلى تجميل فظائع «إسرائيل» في القطاع بشكل منهجي، مع نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين وإخفاء دور إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن في دعم الاحتلال، مما أدّى، بحسب الكاتب، إلى «أكبر فضيحة إعلامية في القرن الحادي والعشرين».
يشدّد المؤلّف على أنّ التدمير الذي لحق بغزة بعد 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ما كان ليصمد سياسيًا لولا وجود بيئة إعلامية برّرت الجرائم وأعطت الأفضلية للروايات الإسرائيلية، معتبرًا أنها نجحت فعليًا في صنع موافقة عامة على العنف الجماعي.
تباين منهجي
يتميّز الكتاب بكونه أحد أبرز الأعمال الإحصائية الهادفة إلى تعرية الشبكات الإعلامية المتواطئة في دعم الجرائم الإسرائيلية عن سابق تصوّر وتصميم. وبينما يُكشّر الإعلام الأميركي اليميني عن أنيابه الصهيونية علانيةً، يركّز جونسون على انخراط الشبكات الإعلامية «الوسطية» في دعم الاحتلال.
يقول الإعلامي الأميركي إنّه فحص أكثر من اثني عشر ألف مقال من صحف «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«سي إن إن»، ومواقع «بوليتيكو» و«أكسيوس»، وصحيفة «يو إس إيه توداي» ووكالة «أسوشيتد برس»، بالإضافة إلى حوالى خمسة آلاف فقرة تفلزيونية على قناتي «سي إن إن» و MSNBC.
من خلال هذه العيّنة، توصّل جونسون إلى أنّ هذه الشبكات الإعلامية استخدمت كلمة «مذبحة» 344 مرة لوصف مقتل الإسرائيليين على يد الفلسطينيين، ولم تُستخدم أبدًا لوصف مقتل الفلسطينيين على يد الإسرائيليين. كما استُخدمت عبارة «همجي» 14 مرة لوصف مقتل الإسرائيليين، بينما لم تُستعمل أبدًا لوصف مقتل الفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، وُصف مقتل إسرائيليين بالعمل «المتوحّش» 16 مرّة، ومرّة واحدة فقط في ما يتعلّق بعشرات آلاف الشهداء الفلسطينيين. وفي حالة كلمة «ذبح»، لجأ إليها الإعلام 120 مرّة عند التطرّق إلى الإسرائيليين القتلى، ومرّة واحدة فقط عند ذكر الفلسطينيين.
يتطرّق الكاتب إلى التغييب المقصود للفاعل في العناوين الإخبارية. على سبيل المثال، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، خبرًا حول استشهاد عشرات الفلسطينيين جرّاء قصف إسرائيلي مباشر. لكنّ الصحيفة الأميركية حيّدت الجاني وربطت مصدر الحادث بمجهولين عبر وصفها: «انفجارات قال الغزّيون إنّها خلّفت عددًا من الإصابات في أحد الأحياء المكتظّة». لذلك يلفت جونسون إلى أنّ هذه الأرقام واللّغة المعتمدة تشير إلى «تباين منهجي» في اللغة العاطفية ومنح القيمة الأخلاقية لطرف واحد دون سواه.
ازدواجيّة المعايير الكميّة
من جهة أخرى، شملت أدلّة جونسون مقارنة حجم التغطية بين حالتَي قطاع غزة وأوكرانيا، ونوع الإطار الذي تحظى به كل فئة من الضحايا مقارنة بعدد القتلى. في الأيام الأولى من الحرب الروسية – الأوكرانية، لقي 262 طفلًا أوكرانيًا حتفهم. أمّا في غزة، فارتقى أكثر من عشرة آلاف طفل فلسطيني في الفترة المماثلة. مع ذلك، أبدت قناتا «سي إن إن» وMSNBC اهتمامًا إعلاميًا أكبر بكثير تجاه الضحايا الأوكران. وبحسب جونسون، أعطي ما يقارب من 16.1 إشارة تلفزيونية لكل طفل أوكراني قُتل مقابل 0.36 لكل طفل فلسطيني.
أمّا في حالة الصحافيين، فقد قتلت القوات الإسرائيلية في أول مئة يوم من الحرب 77 صحافيًا، مقابل 8 ارتقوا في الصراع في أوكرانيا. لكنّ حجم التغطية كان متساويًا، مما يشير إلى اهتمام أقلّ بكثير لكلّ حالة استشهاد صحافي فلسطيني.
حتّى من الجانب الإنساني، تعرض الشبكات الإعلامية الأميركية المذكورة الضحايا الأوكران بشكل فردي، مع ذكر الأسماء واستعراض صورهم والالتفات إلى سيرتهم الذاتية. في المقابل، يُعرض الشهداء الفلسطينيون في الغالب كأرقام إجمالية مع إطار عاطفي ضعيف.
الجدير بالذكر أنّ المفردات المعتمدة تباينت أيضًا بين أوكرانيا وقطاع غزة. في أوكرانيا استُخدمت بشكل روتيني سردية واضحة تلقي اللوم على روسيا، مثل اعتبارها «تُهاجم» و«تقصف» و«تضرب» و«دمّرت». لكن في غزة، غالبًا ما تُغيّب إسرائيل من دور الفاعل، ويصبح الخبر أنّ الفلسطينيين «يموتون» بدلًا من تأكيد أنّهم «يُقتلون»، والمستشفيات «تواجه كارثة» من دون ذكر الحصار الإسرائيلي عليها والضربات التي لم توفّرها، كما أنّ «الانفجارات تحدث» كأنّها أحداث طبيعية وليست قصفًا إسرائيليًا مباشرًا.