لبنان على حافة الانفجار الاجتماعي

post-img

منجد شريف (صحيفة البناء)

لم تعد أزمة ارتفاع أسعار المحروقات في لبنان مجرد زيادة جديدة على سعر صفيحة البنزين أو المازوت، يمكن للمواطن أن يتدبّر أمرها بطريقة أو بأخرى. فالمحروقات ليست سلعة منفصلة عن حياة الناس، بل هي في صلب كلفة الحياة اليومية، وأيّ ارتفاع في أسعارها سرعان ما ينتقل إلى كلّ القطاعات والأسواق والبيوت.

من النقل إلى الزراعة، ومن الصناعة إلى التجارة، ومن نقل البضائع إلى الخدمات، وصولاً إلى السلة الغذائية والأقساط المدرسية والجامعية والفاتورة اليومية، يصبح ارتفاع المحروقات زيادة غير مباشرة على كلّ شيء.
وهنا تكمن خطورة ما نشهده اليوم.

فالمواطن اللبناني لم يدخل هذه المرحلة من موقع اقتصادي مستقر يستطيع فيه امتصاص صدمة جديدة. لقد وصل إليها بعدما استُنزف على مدى سنوات طويلة، وتحمّل أزمات متتالية لم تترك له تقريباً أيّ هامش للمناورة.

بدأت الحكاية مع جائحة كورونا، وما رافقها من إقفال للمؤسسات وتعطّل للأعمال وتراجع في الحركة الاقتصادية. ثم جاء الانهيار المالي والنقدي، فسقطت قيمة العملة، وتآكلت الرواتب، وضاعت مدّخرات العمر، وأُغلقت مؤسسات وأفلست مصارف، وفقد اللبناني جزءاً كبيراً من أمواله وثقته بمستقبله.

ثم جاء التضخم ليحوّل الحياة اليومية إلى معركة مستمرة.

ما كان يُشترى بمبلغ بسيط أصبح يحتاج إلى أضعافه، وما كان راتباً يكفي عائلة أصبح بالكاد يؤمّن جزءاً من حاجاتها. ثم ارتفعت كلفة التعليم والطبابة والاستشفاء والنقل والطاقة والغذاء، وأصبح المواطن مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته كلّ شهر، وأحياناً كلّ أسبوع.

ولم يكن ذلك كافياً.

فجاءت الحربان الأخيرتان بما حملتاهما من دمار ونزوح وتعطيل للأعمال والمؤسسات، وما فرضتاه من أعباء إضافية على عائلات فقدت منازلها أو مصادر رزقها، وعلى دولة أصلاً تعاني من ضعف قدرتها المالية والخدماتية.
وهكذا تراكمت الأزمات فوق بعضها:

كورونا، الانهيار المالي، انهيار العملة، ضياع الودائع، التضخم، الأزمات المعيشية، ثم الحرب والدمار والنزوح.

وكلّ محطة من هذه المحطات كانت تستهلك جزءاً من قدرة المواطن على الاحتمال.

واليوم تأتي المحروقات لتضيف طبقة جديدة إلى هذا العبء.

ارتفاع سعر البنزين يعني ارتفاع كلفة انتقال الموظف إلى عمله والطالب إلى مدرسته والناس إلى مستشفياتهم وأعمالهم.

وارتفاع المازوت يعني ارتفاع كلفة المولدات والنقل والإنتاج والتبريد والري والزراعة.

وارتفاع كلفة النقل يعني ارتفاع كلفة وصول كلّ سلعة إلى السوق.

وبالتالي، فإن زيادة سعر المحروقات لا تبقى في المحطة، بل تنتقل من المحطة إلى الشاحنة، ومن الشاحنة إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك.

وفي النهاية تصل إلى المائدة اللبنانية.

وهنا تبدأ المشكلة الاجتماعية الحقيقية.

فالأسرة التي كانت بالكاد تستطيع تأمين حاجاتها الغذائية ستجد نفسها أمام سلة غذائية أكثر كلفة. والأب الذي يكافح لتأمين قسط مدرسة أبنائه سيواجه فاتورة تعليمية أعلى، فيما ترتفع في الوقت نفسه كلفة النقل والطعام والدواء والكهرباء وسائر المصاريف اليومية.

أما أصحاب المؤسسات، فهم أمام معادلة لا تقلّ صعوبة: إما رفع أسعارهم لتحمّل ارتفاع الكلفة، وإما تقليص أعمالهم أو موظفيهم، وربما إقفال مؤسساتهم.

وفي الحالتين يدفع المواطن الثمن.

وهكذا يتحوّل ارتفاع المحروقات من مسألة اقتصادية إلى مسألة اجتماعية بامتياز.

المشكلة الأكبر أنّ الدولة تبدو حتى الآن عاجزة عن تقديم الاستجابة التي تتناسب مع حجم الخطر.

والدولة في مثل هذه الظروف لا يُفترض أن تكون مجرد مراقب ينتظر أن تصل الأزمة إلى ذروتها، ثم يتدخل بعد أن يكون الضرر قد وقع.

لا يجوز أن ننتظر حتى يصبح المواطن عاجزاً عن شراء طعامه، أو دفع قسط مدرسة أولاده، أو الوصول إلى مكان عمله، أو تأمين الدواء لعائلته، ثم نبدأ بالبحث عن حلول.

الدولة التي تنتظر حتى ينهار المجتمع تكون قد تأخرت عن أداء وظيفتها الأساسية.

فالانفجار الاجتماعي لا يأتي عادةً من حادث واحد.

إنه نتيجة تراكم طويل.

حين يشعر المواطن أنه خسر مدّخراته، وفقد قيمة راتبه، ولم يعد يثق بمصرفه، ويعجز عن تأمين تعليم أولاده، ويواجه ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الغذاء والطاقة والدواء، ثم يُطلب منه أن يتحمّل زيادة جديدة في المحروقات، فإنّ المشكلة لم تعد في صفيحة البنزين وحدها.

المشكلة تصبح في نفاد القدرة على الاحتمال.

وهنا يجب أن يكون التحذير واضحاً: استمرار الضغط على الناس من دون شبكة أمان اجتماعي واقتصادي فعّالة يفتح الباب أمام انفجار اجتماعي لا يمكن معرفة شكله أو توقيته أو نتائجه.

وليس المقصود بالانفجار الاجتماعي بالضرورة حدثاً واحداً أو تظاهرة واحدة. قد يكون موجة احتجاجات، أو ارتفاعاً في الفقر والبطالة، أو إقفالاً واسعاً للمؤسسات، أو زيادة في الهجرة، أو تفككاً اجتماعياً، أو ارتفاعاً في الجريمة، أو أشكالاً متعدّدة من الفوضى التي تبدأ حين يشعر الناس أنّ النظام الاقتصادي لم يعد يؤمّن لهم الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة.

وهنا السؤال: ماذا تفعل الدول عندما تواجه صدمة بهذا الحجم؟

لا تنتظر.

تضع خطط طوارئ لحماية القدرة الشرائية، وتوجّه الدعم إلى الأكثر تضرّراً، وتوسع شبكات الأمان الاجتماعي، وتساعد القطاعات الإنتاجية، وتحمي النقل العام، وتراقب الأسواق لمنع استغلال الأزمة، وتضع إجراءات مؤقتة لتخفيف وقع ارتفاع الطاقة والغذاء، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية ومالية أعمق.

والأهمّ أنها لا تتعامل مع المواطن باعتباره رقماً في موازنة، بل باعتباره أساس الاقتصاد نفسه.

ولبنان لا يحتاج إلى اختراع الحلول من الصفر.

هناك برامج للحماية الاجتماعية وقواعد بيانات للأسر الأكثر حاجة، ويمكن تطويرها وتوسيعها وربط المساعدات بالتغيّر الفعلي في كلفة المعيشة. كما يمكن توجيه الدعم بصورة أكثر دقة إلى النقل والطلاب والقطاعات الإنتاجية والأسر الأكثر هشاشة، بدلاً من العودة إلى سياسات دعم عامة قد تكون مكلفة وغير عادلة.

المطلوب اليوم خطة طوارئ اجتماعية واقتصادية، لا بياناً سياسياً جديداً.

خطة تبدأ بإحصاء الأسر الأكثر تضرّراً، وتوسيع المساعدات النقدية، ومراقبة الأسواق، وحماية النقل، ومساندة الزراعة والصناعة والمؤسسات الصغيرة، ووضع آلية للتعامل مع ارتفاع الأقساط المدرسية، وتأمين الحدّ الأدنى من استقرار أسعار السلع الأساسية.

لكن كل ذلك يحتاج إلى قرار سياسي واضح بأنّ حماية المجتمع أصبحت أولوية.

فالدولة تستطيع أن تتدخل اليوم بكلفة، لكنها تستطيع أن تمنع غداً كلفة أكبر بكثير.

لأنّ معالجة الفقر بعد وقوعه أصعب من منع سقوط الناس فيه.

ومعالجة البطالة بعد إقفال المؤسسات أصعب من حماية المؤسسات اليوم.

وإعادة بناء المجتمع بعد الانفجار أصعب بكثير من حماية قدرته على الصمود قبل وقوعه.

لقد تحمّل اللبنانيون كثيراً.

تحمّلوا كورونا، والانهيار، وفقدان قيمة العملة، وضياع المدّخرات، والتضخم، وانهيار المؤسسات، والحروب والنزوح والدمار.

لكن لا يمكن بناء سياسة دولة على افتراض أنّ المواطن سيبقى قادراً على التحمّل إلى ما لا نهاية.

للصبر حدود، وللقدرة على الاحتمال حدود، وللقدرة على دفع كلفة الانهيار حدود.

وإذا استمرت الأسعار في الارتفاع، واستمرت الدخول عاجزة عن اللحاق بها، وبقيت الدولة في موقع المتفرّج، فإنّ المسافة بين الأزمة الاقتصادية والانفجار الاجتماعي ستصبح أقصر يوماً بعد يوم.

لذلك، فإنّ التحذير اليوم ليس من أزمة قد تأتي في المستقبل البعيد.

إنه تحذير من أزمة تتشكل أمام أعيننا.

وما زال بالإمكان احتواؤها، شرط أن تتحرك الدولة قبل أن يتحوّل الغضب إلى انفجار، وقبل أن يتحوّل المواطن من شخص يكافح للبقاء إلى شخص لم يعد يملك شيئاً يخسره.

لبنان على حافة الانفجار الاجتماعي… والمسؤولية اليوم هي أن نمنع الوصول إلى الحافة الأخيرة…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد