خضر حسان (صحيفة المدن)
يحتاج لبنان بصورة ملحّة إلى إنقاذ قطاع الكهرباء وتأمين التغذية للمواطنين. على أنّ عوائق كثيرة لا تزال موجودة أمام المشاريع المطروحة للإنقاذ، وأبرزها التمويل والفاتورة. وإلى جانب مشاريع معامل الطاقة الشمسية، تستعيد الحكومة مشروع بناء محطّة للتغويز، لتسهيل إيصال الغاز إلى معمل دير عمار، وإنتاج ساعات تغذية إضافية بأسعار أقل من إنتاجها عبر الفيول. فهل تحضِّر الحكومة لمشروع إنقاذي فعلي أم لورطة جديدة سيدفع ثمنها المواطن والخزينة؟
تعديل مشروع قديم
وضعَ مجلس الوزراء على طاولته مشروع إنشاء محطّة تغويز FSRU في منطقة دير عمار. وسيقوم لبنان عبر المحطّة بإعادة الغاز المضغوط الذي يتم استيراده على شكل سائل إلى حالته الغازية، وضخّه نحو معمل إنتاج الكهرباء في دير عمار. أمّا التمويل، فسيكون بالشراكة بين القطاعين العام والخاص.
المشروع لم يُستَجَد اليوم مع تفاقم أزمة الكهرباء، بل هو امتداد لما أوردته وزارة الطاقة في ورقة سياسة القطاع في العام 2010. وفي العام 2012 تم إعداد دراسة لتحديد حاجة لبنان لمحطات التغويز. على أنّ مسار إطلاق مناقصة لإنشاء محطة تخزين وتغويز، في العام 2013، واجه صعوبات كبيرة، أبرزها الخلاف السياسي. فأُلغيت المناقصة وجرى الاتفاق على إنشاء ثلاث محطات، في البدّاوي والزهراني وسلعاتا، ليبيّن هذا التوافق أنّ القوى السياسية تبحث عن مصالحها عبر تلك المعامل. ويؤكّد توزيعها الجغرافي ذلك الأمر.
غاب المشروع مع مسار الانهيار الاقتصادي والمالي والأزمات السياسية والأمنية التي دخلها لبنان والمنطقة. ومع حاجة لبنان إلى مسار إصلاحي يتضمَّن إصلاح قطاع الطاقة، أعادت الحكومة الحالية، في العام 2025، طرح مشروع محطة التغويز، لكن بمقاربة مختلفة. ومنها الاكتفاء بمحطّة واحدة في دير عمار بدل ثلاث محطات. ويضاف إلى المشروع تحديث معمل دير عمار الحالي، وإنشاء محطة إنتاج جديدة بقدرة 825 ميغاواط، تكون بمثابة معمل دير عمار 2. على أنّ موضوع الشراكة مع القطاع الخاص هو طرح جديد يخفّف الكلفة على الدولة ويلقي بجزء منها على عاتق القطاع الخاص.
والمشروع بشكله المجدَّد، قطعَ عدداً من مراحل البحث، وصولاً إلى طاولة مجلس الوزراء، بعد أن وافق المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة، في 18 أيلول الماضي، على نتائج الدراسات المالية والتقنية والقانونية والبيئية والاجتماعية لمشروع محطة الغاز ومشروع دير عمار 2، وأحال الملف إلى مجلس الوزراء تمهيداً لاختيار الشريك الخاص.
التمويل والمخاطر
في الظاهر، يبدو النقاش حول المشروع محطّة تقنية يُبحَث فيها وصول السفن المحمَّلة بالغاز المسال إلى لبنان، فيُعاد تغويز الغاز ثمّ ضخّه إلى معامل الكهرباء. لكن خلف المسار التقني، تقبع المعضلة الحقيقية المتعلّقة بالتمويل والمخاطر. كما أنّ المرونة التي يبديها القطاع الخاص لجهة التمويل تشكِّل هي الأخرى عقبة، لأنّ القطاع الخاص يحتاج إلى تقييم المخاطر وضمان استرداد أمواله.
وبذلك، فإنّ الحكومة بدراستها للمشروع في المرحلة الراهنة، تقفز بعيداً في المجهول، ليس لأنّ المشروع بحدّ ذاته غير مجدٍ، بل على العكس، قد يشكّل أحد الحلول لمشكلة الكهرباء. لكن الأرضية في الواقع اللبناني الحالي، ولا سيّما في واقع قطاع الكهرباء، غير مؤاتية. كما أنّ وجود مؤسسة التمويل الدولية IFC إلى جانب الحكومة كطرف استشاري في المشروع لا يؤمّن الغطاء المالي حكماً. إذ لا تقدّم حتى الآن أي ضمانات للدولة وللقطاع الخاص في ما يتعلّق بالتمويل.
وبالتالي، لا يعرف القطاع الخاص كيف سيتم شراء الكهرباء المنتَجة بالغاز، ولا الجهة التي ستحمي الاستثمارات التي ستُدفَع لبناء محطة التغويز ومعمل دير عمار 2 وما يرافق ذلك. فضلاً عن ضبابية المشهد المصرفي الذي يشكِّل معبراً لا غنى عنه لأموال المستثمرين. ناهيك بحسابات المخاطر الأمنية والسياسية. وفي لغة الأرقام والمشاريع، كلّما ارتفعت المخاطر القانونية والسياسية والمالية، زادت كلفة التمويل، وتالياً كلفة العائدات التي يطلبها المستثمرون.
وفي معرض حسابات الأكلاف والأسعار، ينظر المستثمر حكماً إلى حركة الأسعار العالمية للغاز والشحن والتأمين والمخاطر الأمنية المرافقة لوصول الشحنات، وهذا كلّه يرفع كلفة الكهرباء المنتَجة في المعامل، وتالياً فاتورة الكهرباء لدى المواطنين والمؤسسات. وفي واقع هدر نحو 50 بالمئة من الكهرباء المنتَجة، وتراجع معدّلات الجباية، والسعي إلى جعل التعرفة مَرنة وغير ثابتة، تصبح المخاطر أعلى بالنسبة للمستثمرين. وهذا كلّه يصبّ في الفاتورة النهائية التي سيدفعها المواطن لقاء الكهرباء التي سيحصل عليها. وكذلك في فاتورة القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وبذلك، تنعكس الكلفة على الاقتصاد ككل. ولهذا السبب، تَحْضر في هذا الملف الإصلاحات التي يتأخّر لبنان عن إتمامها، في حينّ يشكِّل إنجازها عنصراً من عناصر الثقة والأمان بالنسبة إلى المستثمرين.
الخط العربي والطاقة الشمسية
طرح مشروع محطة التغويز وتوسعة نطاق معامل الإنتاج في دير عمار يُعيد إلى الذاكرة مشاريع معامل الطاقة الشمسية واستيراد الغاز عبر خطّ الغاز العربي، والتي لم تبصر النور بعد، لأنّ جزءاً أساسياً من إبصارها النور يعتمد على التمويل واستعادة الثقة من خلال الإصلاحات.
على أنّ المشروع الذي تبحثه الحكومة لا يتعارض بالضرورة مع المشاريع المطروحة سابقاً، بل يشكّل استكمالاً لها، طالما أنّ الهدف هو تحسين القطاع. خصوصاً وأنّه في ظل المخاطر الإقليمية، قد تكون محطة التغويز أكثر أماناً من مرور الغاز بالخط العربي، بفعل مخاطر تفجير الخط في أكثر من منطقة. لكن في المقابل، قد يكون استيراد الغاز بالخطّ العربي أرخص من كلفة بناء مشروع المحطّة واستيراد الغاز إليها. وهذا كلّه يحتاج إلى دراسات وحسابات للأكلاف والمخاطر.
وتُطرَح هذه المشاريع وسط تجاهل تام لقدرة المستهلك على شراء الكهرباء بتعرفتها المرتفعة، ولقدرة مؤسسة كهرباء لبنان على التحصيل المنتظم لقيمة الاستهلاك، وللإطار القانوني الذي يحكم الخلافات بين الدولة والمستثمرين، وبين المستثمرين ومؤسسة كهرباء لبنان، وبين المؤسسة والمستهلك. وبالنسبة للمواطنين، هل سيتم قطع التغذية فوراً عند عدم تسديد الفاتورة؟
تساؤلات لا تملك الحكومة إجاباتها، ولا تستطيع تأمين الضمانات للقطاع الخاص. وعليه، ما تفعله الحكومة اليوم هو إضافة مشروع جديد إلى المشاريع المتراكمة من دون تنفيذ. فالعبرة ليست بكثرة المشاريع، بل بتأمين شروط تنفيذها، وهو أمر مفقود في الوقت الراهن.