النصر الذي أُعيدت كتابة قصته

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

 

ثمة شيء أٌخذ من حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 بهدوء حتى كاد يتحول إلى حقيقة لا تحتاج إلى إثبات: أن نصر الحرب ارتبط باسم "أنور السادات" إلى الدرجة التي أصبح معها الرئيس يبدو وكأنه صاحب النصر، لا صاحب القرار السياسي في الحرب فقط. مع مرور السنوات؛ تراجعت أسماء كثيرة إلى الخلف، من قادة وضباط وجنود ومهندسين، وبقيت صورة الرئيس في مقدمة المشهد، حتى صار الاقتراب من الرواية الرسمية يبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى الاقتراب من المقدس السياسي.

لكن الذين عبروا قناة السويس، في السادس من أكتوبر في العام 1973، لم يكونوا بحاجة إلى "السادات" كي يعرفوا أنهم أنجزوا شيئا استثنائيا. الجيش، والذي دخل الحرب، كان قد أمضى سنوات في إعادة بناء نفسه بعد هزيمة حرب العام 1967، وخاض حرب الاستنزاف، وأعاد تنظيم وحداته وتدريبها، ووضع خطة العبور على أساس معرفة دقيقة بقدراته وقدرات خصمه. هذا؛ وكان الفريق سعد الدين الشاذلي، وهو رئيس أركان القوات المسلحة، أحد أهم العقول العسكرية التي وقفت خلف هذه الخطة، لا لكونها مغامرة لاستعادة سيناء بضربة واحدة، إنما لكونها عملية محددة الأهداف، تقوم على عبور القناة وتحطيم خط بارليف وإقامة رؤوس كباري داخل عمق، تحميه شبكة الدفاع الجوي المصرية.

كان ذلك التصور يحمل اعترافًا صريحًا بحدود القوة المصرية. الجيش يستطيع أن يعبر القناة، ويثبت قواته على الضفة الشرقية، ويجعل وجوده هناك واقعًا عسكريًا يصعب على "إسرائيل" إزالته.. لكنه لا يستطيع أن يتعامل مع سيناء كلها بصفتها ساحة مفتوحة أمامه، في حين يظل التفوق الجوي الإسرائيلي قائمًا. لم تكن المسألة نقصًا في الشجاعة، إنما لمعرفة بأنّ الحرب لا تكافئ الرغبة وحدها، والقوة التي لا تعرف حدودها قد تتحول في لحظة إلى عبء على صاحبها.

نجح الجيش المصري في العبور، وسقط خط بارليف، ووجدت "إسرائيل" نفسها أمام واقع لم تكن تتوقعه بهذه الصورة. كانت تلك لحظة عسكرية صنعتها المؤسسة العسكرية المصرية، من التخطيط إلى التنفيذ، ومن الجندي الذي اقتحم الساتر إلى المهندس الذي فتح الثغرات فيه، ومن الضابط الذي قاد الوحدة إلى القيادة التي صاغت الخطة. كان "السادات" رئيس الدولة وصاحب القرار السياسي في الحرب، لكن نسبة إنجاز الميدان إليه وحده تعني عمليًا محو آلاف الأسماء التي صنعت ذلك اليوم.

بدأ الخلاف الأكثر خطورة عندما طُوّر الهجوم شرقًا في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول. كان الشاذلي يعارض دفع القوات إلى عمق سيناء، ويرى أن خروجها من نطاق الحماية التي يوفرها الدفاع الجوي سيضعها أمام التفوق الجوي الإسرائيلي في معركة لا تتوافر لها شروط النجاح. انتهى الهجوم بخسائر مصرية كبيرة، وبقي السؤال عن القرار ومسؤوليته حاضرًا في شهادات القادة الذين شاركوا في الحرب.

القول إن "السادات" كان يريد تحريك الموقف السياسي لا يكفي لتبرئة القرار. الغاية السياسية لا تلغي مسؤولية القرار العسكري عندما يكون الجيش هو الذي يتحمّل نتائجه. الرئيس يستطيع أن يرى المشهد من موقع الدولة كلها، لكنه لا يستطيع أن يغير ميزان القوة في الميدان لمجرد أن يكون لديه هدف سياسي.. وإذا كان كبار القادة العسكريون يحذرون من تجاوز نطاق الدفاع الجوي، فإن تجاوز هذا النطاق لا يصبح أقل خطرًا؛ لأن وراءه حسابًا سياسيًا.

بعد ذلك؛ جاءت الدفرسوار، وعبرت القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة، وأصبح الجيش الثالث في وضع شديد الصعوبة. لا يلغي ذلك الإنجاز المصري في العبور وتحطيم خط بارليف، ولا يجعل "إسرائيل" صاحبة نصر حاسم، لكنه يجعل النظر ضروريًا إلى الحرب بصفتها مسارًا تغيرت فيه المعادلة العسكرية أكثر من مرة، وأن القرارات التي اتخذت بعد العبور لم تكن كلها امتدادًا طبيعيًا للنجاح الذي تحقق في السادس من أكتوبر/تشرين الأول من العام 1973.

لقد كان الشاذلي يرى أن القوات التي خرجت إلى الشرق تركت خلفها وضعا أكثر هشاشة، فطالب بإعادة قوات مدرعة من الشرق إلى الغرب لمواجهة القوات الإسرائيلية التي عبرت. بينما بقيت القيادة السياسية والعسكرية العليا على موقف مختلف، فتظل بعض تفاصيل هذه المرحلة موضع خلاف بين روايات الشاذلي والجمسي والسادات، لكن الخلاف نفسه كان حقيقيًا، ولم يظهر بعد عقود من الحرب من فراغ.

لم تتوقف المعركة بانتهاء إطلاق النار. بدأت معركة أخرى على الذاكرة، وكان ميزانها مختلفًا تمامًا. "السادات" كان رئيس الدولة، يمتلك المنابر والقدرة على تقديم رواية الحرب بصفتها جزءًا من مشروعه السياسي، في حين وجد الشاذلي نفسه خارج موقعه العسكري، ثم عاد إلى المشهد من خلال مذكراته، مدافعًا عن رواية ترى أن الانتصار الذي صنعه الجيش تعرض بعد العبور لقرارات أضعفت بعض ثماره.

لا ينبغي التعامل مع رواية الشاذلي على أنها الحقيقة الوحيدة، كما لا ينبغي التعامل مع رواية "السادات" بصفتها  الرواية النهائية. الجمسي قدم تفسيرات مختلفة، في بعض النقاط، وهناك تفاصيل ظلت محل بحث بين الشهادات والوثائق. لكن وجود اختلاف حقيقي بين كبار القادة يكفي لكي يجعل صعبًا قبول الصورة البسيطة التي تختصر حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 في رجل واحد.

"السادات" كان رئيس مصر في الحرب، وهذه مسؤولية تاريخية لا يمكن إنكارها. لكنه لم يكن الجيش المصري، ولم يخطط وحده للعبور، ولم يقاتل على الضفة الشرقية، ولم يكن خلف كل ما تحقق في الميدان. لهذا؛ فإن تحويل موقعه السياسي إلى ملكية شخصية للنصر ليس مجرد مبالغة في التقدير، إنما إعادة صياغة لعلاقة الدولة بجيشها، حيث يصبح السياسي صاحب المجد، فيتحمّل العسكري تبعات القرارات التي لم يكن هو صاحبها.

تزداد المسألة وضوحًا عندما نضع ما بعد الحرب داخل الصورة. "السادات" نقل مصر إلى مسار سياسي انتهى باتفاقية السلام واستعادة سيناء، وهذه وقائع تاريخية لا يمكن إنكارها، لكن استعادة الأرض لا تجعل كل قرار اتخذه الرجل صوابًا. كما أن الوصول إلى تسوية سياسية لا يمنحه حق إعادة كتابة الحرب بما يخدم صورته. يمكن لرجل واحد أن يتخذ قرارًا تاريخيًا في لحظة، ثم يرتكب أخطاء جسيمة في لحظة أخرى، ولا توجد قاعدة في التاريخ تجعل النجاح السياسي المتأخر يمحو المسؤولية عن قرارات سابقة.

حرب أكتوبر 1973 أكبر من "السادات"، كما أنها أكبر من الشاذلي. قيمتها الحقيقية في الجيش الذي أعاد بناء نفسه، والجندي الذي عبر، والضابط الذي خطط، والمجتمع الذي تحمل سنوات الحرب، والدولة التي استطاعت أن تكسر أثر هزيمة حرب العام 1967. هؤلاء هم الذين صنعوا اللحظة التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم محطات التاريخ المصري الحديث.

لذلك؛ لا تحتاج مصر إلى هدم حرب أكتوبر كي تعيد النظر في "السادات"، ولا تحتاج إلى صناعة قديس عسكري جديد كي تراجع الرواية الرسمية. المطلوب فقط أن توضع المسؤولية حيث ينبغي أن تكون، وأن يبقى النصر للذين صنعوه، لا لمن امتلك المنصة بعدهم.. فالذين عبروا القناة تركوا لمصر نصرًا.. أما الذين كتبوا الرواية، فقد تركوا سؤالاً لم ينته: هل كان "السادات" حارس النصر الذي صنعه الجيش، أم أن بعض أخطر الخسائر التي لحقت بذلك النصر بدأت بقرارات اتخذها هو نفسه؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد