من «ذا نيويورك تايمز» التي تصوّر الإسرائيليين ضحايا «متعبين»، متجاهلةً واقع الاحتلال وجرائمه، إلى إعلام لبناني يتخلّى عن «الحياد» حين تتبدّل المصالح في اليمن، نموذج واحد لسرديات تُفصَّل وفق المواقف السياسية. تأتي اللغة الإعلامية أداةً تمنح الشرعية لطرف، وتحجبها عن آخر بحسب الأجندات
«ذا نيويورك تايمز»: «الإسرائيليّون متعبون»!
أثار مقال «رأي» نشرته صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأميركية في الرابع من الشهر الحالي استهجانًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين الجمهور الأميركي قبل غيره. إذ حمل عنوان «الإسرائيليّون متعبون. هناك مخرج»، فيما زعمت كاتبته، الإسرائيلية أوفير برمان، أنّ الكيان «في حالة طوارئ منذ تأسيسه»، وأنّ «الإسرائيليّين يعملون خلال الحروب، ويخطّطون للإجازات حول إنذارات الصواريخ، ويكملون العشاء بعد مغادرة الملاجئ». ويكمل المقال أنّهم «يتفقّدون المشكلات كما يتفقّد الناس في البلدان الأخرى المطر».
فيما لا تقفز أوفير فوق الإبادة في غزّة والتطهير العرقي في الضفّة الغربية، إلّا أنّها تستخدمها للتغطية على دور الضحية الذي تريده لكيان الاحتلال، وتؤطّرهما على أنّهما مجرّد «خطأ» من نتنياهو لوحده، لا عقيدة يحملها كامل الكيان ونتنياهو مجرّد أحد وجوهه القبيحة. ويركّز الجزء الأكبر من المقال حول معرفة بعض أجهزة الاستخبارات المسبقة عن عملية «طوفان الأقصى»، وفشل نتنياهو في التعامل معها.
أضاءت غالبية التعليقات الناقدة على تصوير «إسرائيل» على أنّها الضحية، فيما هي في الواقع تجني النتيجة الطبيعية لسرقة أراضي السكّان الأصليّين ومنازلهم، وفوق ذلك ترتكب أبشع أنواع الجرائم ضدّ البشرية، فيما مجتمعها من المستوطنين مريض تؤمن غالبيّتهم بالقضاء على الفلسطينيّين. أمّا الأسوأ، فتصوير حياة المستوطنين على أنّها الأخطر فقط لأنّهم يتلقّون إنذارًا وهم يتسكّعون على الشواطئ، فيما على بعد كيلومترات معدودة منهم يُحوّل أطفال إلى أشلاء وتُمحى مدن عن بكرة أبيها. كذلك، أعاد المقال إلى الواجهة دور الصحيفة الأميركية المذكورة المستمرّ في محاولة تلميع الإبادة وصورة مرتكبها.
الإعلام اللبناني... سلّم على «النأي بالنفس»
في الأيّام الأخيرة، ينقل الإعلام اللبناني ولا سيّما المهيمن منه، التطوّرات في اليمن على أنّها تخصّه بشكل خاصّ، بعدما كان يتجاهلها بشكل شبه تامّ خلال الخلاف السعودي-الإماراتي خوفًا من إغضاب أحد الطرفَين. لكن مع العمليّات الأخيرة بين «أنصار الله» وحكومة عدن، تخندق الإعلام المذكور خلف السردية السعودية، ناسفًا كلّ مفاهيم «الحياد» و«النأي بالنفس» التي دائمًا ما روّج لها.
هكذا، باتت قوّات حكومة عدن هي «القوّات المسلّحة اليمنية»، فيما يُشار إلى «أنصار الله» على أنّهم «الحوثيّون» و«الخارجون على القانون»، على قنوات مختلفة بما فيها mtv وLBCI وOTV. وتُصاغ سردية مفادها أنّ «الشعب اليمني» يحرّر بلده من «نظام قمعي»، وكأنّ الملايين الذين ينزلون في صنعاء دعمًا لـ«أنصار الله» ليسوا شعبًا يمنيًّا، أو أنّ حكومة عدن لم توثّق تقارير منظّمات دولية انتهاكاتها.
ليس المطلوب من الإعلام اللبناني أن يأخذ الطرف الآخر، بل فقط أن يقف على «حياد» دائمًا ما نادى به عندما تماشى مع أجندته، ويتخلّى عنه غبّ الطلب. إذا كان يهمّه البقاء على مسافة قريبة من جميع «الأشقّاء العرب»، لماذا إذًا يأخذ طرفًا ضدّ عرب آخرين؟ هل أنّ الأجندة تفرض الانحياز لجهة دون أخرى؟ وهل أنّ للأموال والمصالح الآتية من دول معيّنة كلمتها الأسمى؟
ماذا حلّ بالمعايير الإعلامية والأصول المهنية والموضوعية؟ والأهمّ: ألا يجد هذا الإعلام خجلًا في التماشي الدائم مع موقف الولايات المتّحدة و«إسرائيل»؟ هلّا بثّ موقفًا واحدًا ضدّهما لمرّة، فقط لادّعاء الموضوعية ولو زائفة، لا أكثر!