في لبنان.. "تعليمٌ مجاني".. بتكلفة نقل عالية وخفيّة !

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

كم يدفع اللبناني ليوصل ابنه إلى مدرسته؟ حسابات ومعطيات في بلدٍ اختار أن يقصّر المدرسة بدل أن يقرّب الطريق.

في المدارس الرسمية اللبنانية لا يُدرَّس في الأسبوع كله. لقد اعتمدت وزارة التربية والتعليم العالي أربعة أيام تدريس أسبوعيًا، في العام الدراسي 2025–2026، متابعةً لنهج بدأ في العام 2022–2023 وعُلِّل رسميًا بتخفيف كلفة انتقال التلاميذ والأساتذة إلى المدارس؛ أي إن المعالجة مرّت بخسم يوم من الدراسة، لا من أجرة الطريق.

النتيجة، بحسب "مركز الدراسات اللبنانية"، 93 يومًا من التدريس الفعلي مقابل 170 يومًا صُمّم عليها منهاج 1997، فيما يبلغ المعيار في دول "OECD" نحو 180 يومًا، فكم تبلغ كلفة الطريق التي أُريد توفيرها، ومن يدفعها؟

93   يومًا من 170 يومًا من التدريس الفعلي مقابل ما صُمّم عليه المنهاج

29.36%  مقابل 17.25% تضخم النقل مقابل التضخم العام، في حزيران العام  2026.

11% إلى 20% عبء نقل طالب واحد من الأجر الأدنى السنوي.

حساب الطريق

اعتمد مقياس واحد هو الأجر الأدنى في القطاع الخاص: 28 مليون ليرة شهريًا أقرّه مجلس الوزراء في حزيران/يونيو 2025 ليسري من آب/أغسطس، أي نحو 313 دولارًا بالسعر الرسمي، و336 مليون ليرة في السنة. أما التعرفة؛ فلها معطى رسمي حديث: خط الحافلات الكهربائية بين جبيل وبيروت، والذي دُشّن في أيار/مايو 2026، بكلفة 200 ألف ليرة للراكب ، بفتراض أنها للرحلة الواحدة، يدفع الطالب 400 ألف ليرة يوميًا ذهابًا وإيابًا. . تصبح المعادلة: التعرفة اليومية × أيام الحضور × عدد الطلاب.

في اهذا الجدول كلفة النقل السنوية بصفتها نسبة من الأجر الأدنى السنوي

طالب واحد، 93 يومًا  11.1% · 416 $

طالب واحد، 170 يومًا  20.2% · 760 $

طالبان، 93 يومًا  22.1% · 831 $

طالبان، 170 يومًا  40.5% · 1,520 $

ثلاثة طلاب، 170 يومًا  60.7% · 2,279 $

ما يعني أن طالبًا واحدًا يستهلك بين عُشر الأجر الأدنى السنوي وخُمسه، وأن أسرة بثلاثة طلاب تتجاوز كلفتها نصفه. لا نزعم أنها ستدفع هذا فعلًا؛ الأرجح أنها ستحذف شيئًا من الحساب: وسيلة أرخص، أو أيامًا، أو مدرسة أقرب، أو مقعد أحد الأبناء. هذه فرضية يحتاج اختبارها إلى مسح. لو قلبنا السؤال: عند أي تعرفة يومية تبلغ الأسرة العتبتين؟

93  يومًا: عتبة 10% (ليرة يوميًا) ≈ 361,000؛ عتبة 20% (ليرة يوميًا ≈ 723,000)

170  يومًا: عتبة 10% (ليرة يوميًا) ≈ 198,000؛ عتبة 20% (ليرة يوميًا) ≈ 395,000)

تضخم يسبق الجميع

بحسب بيانات "إدارة الإحصاء المركزي"، كما أوردتها صحيفة "المدن"، ارتفع مؤشر الأسعار 17.25% سنويًا في حزيران/يونيو 2026، وارتفع النقل 29.36% والتعليم 35.72% .. أي أن النقل ارتفع بنحو 1.7 ضعف المتوسط. وللتحفظ مكان: مؤشر النقل أعمّ من أجرة الطالب؛ لأنه يشمل الوقود والمركبات، لكنه أقرب مؤشر رسمي إلى اتجاه الكلفة.

المؤشر العام  17.25%

النقل  29.36%

التعليم  35.72%

مدرسة أقصر

ما وُفّر في جيب الأسرة دُفع من التحصيل. إذ إن المركز يقدّر خسارة المدارس الرسمية، منذ العام 2016، بنحو 880 يومًا من 1,800 (49%)، ويعزو التقليص إلى أسباب إدارية ومالية، منها خفض الإنفاق على الأجور والتشغيل. تزامن ذلك مع تراجع الالتحاق: من 302 ألف تلميذ في الرسمي في العام 2022–2023 إلى 278 ألفًا في العام 2024–2025، وخسارة 20 ألف طالب (25%) في الجامعة اللبنانية بين  الأعوام 2020–2021 و2022–2023. لا تسمح هذه الأرقام بنسبة التراجع إلى النقل وحده؛ لكنها ترجّح أن الطريق جزء من حساب الأسرة قبل أن ترسل أبناءها.

أما العرض فيتحسن ببطء: 11 خطًا عامًا تخدم أكثر من 7,000 راكب يوميًا، بحسب وزير الأشغال العامة والنقل ("UNDP"، 2026) وليس كل هؤلاء طلابًا، في بلد بلغ عدد تلامذة مدارسه الرسمية وحدها نحو 278 ألفًا.

حدود الأرقام

هذه حسابات لا رصد. هي تفترض تعرفة موثقة واحدة قد تكون للرحلة الواحدة، وأيام حضور رسمية، وأجرًا أدنى مقياسًا لا دخلًا نموذجيًا (أسرة بضعفه يهبط عبؤها إلى النصف). لقد ارتفعت الأسعار بعد التعرفة المذكورة، ولم يُعثر على مسح أسري منشور يقيس كلفة النقل المدرسي. إذ إن الاتجاه واضح والأرقام الدقيقة تنتظر مسحًا.

من أين يبدأ الإصلاح؟

أولًا، البيانات: قاعدة تربط الطلاب بأماكن سكنهم ومؤسساتهم وخطوط النقل، ومسح على آلاف الطلاب.

ثانيًا، بطاقة نقل بشرائح بحسب المسافة، لأن مبلغًا موحدًا يبالغ في تعويض القريب، ويقصّر عن الأبعد.

ثالثًا، العرض: حافلات مشتركة تتعاقد عليها البلديات والمدارس والجامعات وخطوط إلى المراكز التعليمية خارج بيروت، كي لا تمتص التعرفات الدعم، وهذه فرضية تحتاج إلى اختبار.

رابعًا، الحوكمة: عقود شفافة بتعرفة معلنة، وسقف مؤقت يقترن بالدعم، وهيئة وطنية للنقل العام على المدى المتوسط.

خامسًا، مراجعة نظام الأيام الأربعة نفسه، فإذا كان دعم النقل أقل كلفة تعليمية من تقليص الحضور أمكن مقايضته باستعادة الأيام.

كم يكلّف الدعم؟ تغطية نصف الكلفة الموثقة تعني نحو 208 دولارات للطالب عند 93 يومًا، و380 عند 170. ودعم مئة ألف طالب يكلّف نحو 21 إلى 38 مليون دولار سنويًا، من دون الإدارة والتشغيل. هو تقدير توضيحي.

ثمة ثلاثة مسارات، وهذا تقدير تحليلي لا تنبؤ. إبقاء الحال يترك الكلفة على الأسر، والدعم النقدي العام سريع لكنه ضعيف الاستهداف. أما الحزمة الموجَّهة فأبطأ وأصعب مؤسسيًا، لكنها وحدها تعالج الطلب والعرض وتقبل التدقيق.

خلاصة

يبقى سؤال واحد: ماذا تقول الأرقام فعلًا، وماذا لا تقول؟ تقول إن الوصول إلى المدرسة المجانية له ثمن يُحسب بنسبة من الأجر، فبتعرفة موثقة واحدة (400 ألف ليرة يوميًا ذهابًا وإيابًا، بافتراض أن الـ200 ألف للرحلة الواحدة)، تتراوح كلفة الطالب الواحد بين 11.1% و20.2% من الأجر الأدنى السنوي، بحسب أيام الحضور، وتبلغ 22.1% و40.5% لطالبين، وتصل إلى 60.7% لثلاثة طلاب عند 170 يومًا.

كما تقول إن الاتجاه يسير في غير مصلحة الأسر. لقد ارتفع النقل 29.36% سنويًا في حزيران/يونيو 2026، مقابل 17.25% للمؤشر العام، أي بنحو 1.7 ضعف. ومؤشر النقل أعمّ من أجرة الطالب، لكنه أقرب ما نملك من قياس رسمي لوجهة الكلفة.

أما أثقل ما في الصورة فليس الرقم النقدي، إنما الطريقة التي عولجت بها الكلفة. فقد اختارت الإدارة التعليمية أن تخفف عن الأسر بتقليص أيام الحضور، فصارت المدرسة الرسمية تعمل أربعة أيام في الأسبوع. النتيجة أن الكلفة لم تُلغَ؛ الأرقام ترجّح أن الطريق جزء من الحساب الذي تجريه الأسرة قبل أن ترسل أبناءها: وسيلة أرخص، أو أيام أقل، أو مدرسة أقرب، أو مقعد أحد الأبناء. هذه فرضية لا تكتمل إلا بمسح أسري شامل.

هذا يقتضي ترتيبًا في الخطوات لا حلًا سحريًا. تبدأ المسألة بالبيانات، فمن دون قاعدة تربط الطلاب بأماكن سكنهم ومؤسساتهم وخطوط النقل يصبح كل دعم موجَّه تخمينًا.

تأتي بعدها بطاقة نقل بشرائح بحسب المسافة، لأن مبلغًا موحدًا يبالغ في تعويض القريب ويقصّر عن الأبعد. لا يكفي الدعم وحده: فالحافلات المشتركة التي تتعاقد عليها البلديات والمدارس والجامعات، وتوسيع الخطوط إلى المراكز التعليمية خارج بيروت، تمنع امتصاص التعرفات الدعم، وهذه فرضية تحتاج إلى اختبار.. ثم تأتي الحوكمة؛ وهي عقود شفافة بتعرفة معلنة وسقف مؤقت يقترن بالدعم وهيئة وطنية للنقل العام على المدى المتوسط.

في خلفية ذلك كله سؤال سياسي يستحق أن يُطرح علنًا: إذا كان دعم النقل أقل كلفة تعليمية من تقليص الحضور، فلماذا لا تُقايَض الأيام بالدعم والمسارات الثلاثة المتاحة معروفة؟

إن إبقاء الحال يترك الكلفة على الأسر، والدعم النقدي العام سريع لكنه ضعيف الاستهداف، أما الحزمة الموجَّهة فأبطأ وأصعب مؤسسيًا، لكنها وحدها تعالج الطلب والعرض معًا وتقبل التدقيق. وهذا تقدير تحليلي لا تنبؤ.

لا تدّعي الأرقام الدقة المطلقة؛ فهي حسابات على معطيات موثقة وافتراضات معلنة، وقد ارتفعت الأسعار بعد التعرفة المذكورة. غير أن اتجاهها واضح، وهو كافٍ لطرح السؤال على صانع القرار: هل نريد تعليمًا مجانيًا يصل إليه من يقدر على ثمن الطريق، أم يصل إليه كل من له فيه مقعد؟

المقعد المجاني لا يكفي حين يبلغ ثمن الوصول إليه عُشر الأجر الأدنى السنوي أو خُمسه لكل طالب، وحين تقصّر الدولة المدرسة بدل أن تقرّب الطريق، فهي لا تلغي الكلفة، إنما تنقلها إلى حيث لا نراها.

المراجع

"المدن". (2026، 21 يوليو). ارتفاع الأسعار 17.25%.. الترفيه والتعليم والنقل في الصدارة. https://www.almodon.com/economy/2026/07/21.

"النهار". (2025أ، 19 أغسطس). قُبيل انطلاق العام الدراسي في لبنان... وزيرة التربية تُعلن عدد أيام التدريس أسبوعيًّا في الرسمي. https://www.annahar.com/Lebanon/Society/238616

"النهار". (2025ب، 27 يونيو). مجلس الوزراء يقر رفع الحد الأدنى للأجور للقطاع الخاص... مرقص: على إسرائيل وقف اعتداءاتها. https://www.annahar.com/Lebanon/Politics/227673

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ("UNDP"). (2026، 23 مايو). لبنان يطلق أول خدمة حافلات كهربائية تربط جبيل وبيروت [بيان صحفي]. https://www.undp.org/ar/node/585216

نعمه، ن. (2025). تحديات وقف انهيار جودة التعليم في لبنان: الفاقد التراكمي لأيام التدريس بين 2016 و2025 [تحديث بحثي]. "مركز الدراسات اللبنانية". https://lebanesestudies.com/wp-content/uploads/2025/02/cumulative-loss_ARB_v3.pdf

 

 

 

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد