الأجهزة الفرنسية تعرقل الوصول إلى أرشيف الجرائم الكيماوية ضد الجزائريين خلال الاستعمار

post-img

تواجه جهود المؤرخين في كشف الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، مقاومة داخل الأجهزة العميقة للدولة الفرنسية التي تستميت، عكس إرادة السياسيين أحيانا، في إبقاء السرية على وثائق عسكرية مهمة تتعلق باستعمالات الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا.

في تحقيق نشرته “لوموند” الفرنسية، تعرض الصحيفة العراقيل التي تواجه الباحثين الساعين إلى الكشف عن العمليات السرية التي نفذها الجيش الفرنسي خلال الحرب التحريرية الجزائرية، خاصة ما يتعلق باستعمال الأسلحة الكيميائية ضد الجزائريين، مشيرة إلى تشديد القيود على الوصول إلى الأرشيف العسكري، رغم مرور قرابة 65 سنة على استقلال الجزائر.

سلط التحقيق الضوء على ما وصفه بالصراع داخل أجهزة الدولة الفرنسية بشأن إتاحة الوثائق التاريخية الحساسة، مستعرضا قضية ضابط ومؤرخ عسكري عوقب بعد اطلاعه على وثائق مصنفة ضمن أسرار الدفاع الوطني، ارتبط بعمليات سرية نفذها الجيش الفرنسي في الجزائر بين عامي 1959 و1962.

تتعلق هذه القضية تحديدا برومان شورون، وهو ضابط تخرج من المدرسة العسكرية الفرنسية “سان سير” وحاصل على الدكتوراة في التاريخ، وكان يشغل منصب رئيس قسم التاريخ العسكري في الأكاديمية العسكرية بسان سير، وبدأ منذ العام 2015 أبحاثا حول استخدام الجيش الفرنسي الأسلحة الكيميائية والغازات ضد الجزائريين الذين احتموا داخل شبكات الكهوف والمخابئ خلال الفترة الممتدة بين 1954 و1962.

كانت مهام شورون السابقة في المصلحة التاريخية للدفاع تتيح له الوصول إلى مجموعات من الوثائق العسكرية، قبل أن تتخذ أبحاثه منحى قضائيا وأمنيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، حين خضع مكتبه ومنازله لعمليات تفتيش نفذتها المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسية، وصودرت معداته الإلكترونية ووثائق بحثه.

جاءت هذه الإجراءات بعد أن أبلغ الضابط رؤساءه بمذكرة تلخص تقدم أعماله البحثية، لتتدخل مصالح تابعة لرئاسة الحكومة الفرنسية، على خلفية الاشتباه في المساس بسر الدفاع الوطني. ووجهت إليه اتهامات تتعلق بالاطلاع على وثائق سرية وعدم طلب تصنيف عمله البحثي نفسه ضمن الوثائق المحمية.

لم تقتصر العراقيل على قضية شورون، إذ أشار التحقيق إلى أن المؤرخ كريستوف لافاي يواجه بدوره صعوبات كبيرة في أبحاثه بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية من طرف الجيش الفرنسي في الجزائر.

تكشف القضيتان، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، عن استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى وثائق تتعلق بجرائم الجيش الاستعماري، في وقت يفترض أن يتيح مرور العقود فتح المجال أمام الباحثين لتوثيق الوقائع التاريخية، وهو ما ينعكس أيضا على عمل اللجنة المشتركة للمؤرخين الجزائريين والفرنسيين المكلفة بدراسة ملفات الذاكرة واستعادة الأرشيف.

وفق التحقيق، اتجهت السلطات الفرنسية إلى تشديد الرقابة على الوثائق العسكرية الحساسة، خصوصا بعد تعهد الرئيس إيمانويل ماكرون بفتح الأرشيف المتعلق بالمفقودين، في أعقاب اعترافه، في أيلول/سبتمبر 2018، بمسؤولية الدولة الفرنسية في قضية اختفاء المناضل موريس أودان.

في يوليو 2019، أصدرت الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني، التابعة لرئاسة الحكومة الفرنسية، تعليمات إلى مصالح الأرشيف تقضي بالتطبيق الحرفي لتوجيه وزاري مشترك يعود إلى عام 2011 بشأن سر الدفاع الوطني. أدى ذلك إلى الانتقال من إتاحة مجموعات كاملة من الوثائق بعد انقضاء المدد المعمول بها إلى إخضاع كل وثيقة على حدى للفحص، بما فرض رقابة أكثر تشددا على الملفات المصنفة سرية.

في يوليو 2021، ألغى مجلس الدولة الفرنسي المذكرة الوزارية، وأعاد التأكيد على أحكام القانون الصادر عام 2008، الذي ينص على إمكانية إتاحة الأرشيف العمومي تلقائيا بعد انقضاء الآجال القانونية المحددة للاطلاع عليه.

غير أن هذا التطور لم ينه القيود، إذ أعاد قانون الوقاية من الأعمال الإرهابية والاستخبارات، الصادر في يوليو 2021، فرض ضوابط صارمة على إتاحة فئات من الوثائق التي تعتبرها السلطات حساسة، وتشمل المنشآت الحيوية والعتاد الحربي والردع النووي وتقنيات الاستخبارات.

كما يفرض قانون التراث الفرنسي حظرا دائما على إتاحة الأرشيف المتعلق بالأسلحة النووية والإشعاعية والبيولوجية والكيميائية، وهو ما يضع الأبحاث المتعلقة باستخدام الجيش الفرنسي الأسلحة الكيميائية خلال الحرب الجزائرية أمام عراقيل قانونية وإدارية.

تؤكد هذه المعطيات الجدل الذي أثاره قرار قناة عمومية فرنسية إلغاء بث الفيلم الوثائقي “الجزائر، وحدات الأسلحة الخاصة”، الذي كان مقررا عرضه في 16 آذار/مارس 2025، قبل أن يُعرض على القناة السويسرية “آر تي إس”. تناول الفيلم استخدام الجيش الفرنسي الأسلحة الكيميائية المحظورة بموجب بروتوكول جنيف لعام 1925 خلال الحرب الجزائرية، بين عامي 1954 و1959، مسلطا الضوء على وحدات عسكرية متخصصة في هذه العمليات.

كانت فرنسا من بين الدول الـ135 الموقعة على الاتفاقية المناهضة لهذه الأسلحة، التي استُخدمت على نطاق واسع خلال الحرب العالمية الأولى، فيما لم تحظر فرنسا تصنيع الأسلحة الكيميائية نهائيا إلا العام 1993، وفق المعطيات التي أوردتها الإذاعة الجزائرية. أثار قرار إلغاء بث الفيلم جدلا في ظل تصاعد الخلافات بين الجزائر وفرنسا بشأن ملفات الذاكرة الاستعمارية، خصوصا أن العمل الوثائقي تناول وقائع عسكرية ظلت لسنوات بعيدة عن النقاش العام.

آلاف العمليات الكيميائية خلال الثورة

على الرغم من العراقيل، تشير المؤرخ كريستوف لافاي إلى تنفيذ الجيش الفرنسي ما بين 8000 و10000 عملية قصف بالغاز خلال الحرب التحريرية، منذ عام 1954، وتمكن المؤرخ من توثيق 440 عملية منها، ورسم خريطة تحدد مواقعها، في حين لم يكتمل بعد الجرد الشامل لهذه العمليات.

أشار المؤرخ إلى استخدام غاز “سي إن 2 دي”، المكون من السيانيد والزرنيخ، إلى جانب مواد أخرى مواد استُخدمت في عمليات استهدفت الكهوف والمخابئ التي تحصن فيها الجزائريون. أنشأت فرنسا 119 وحدة خاصة لاستخدام الأسلحة الكيميائية في الجزائر، ابتداء من كانون الأول/ديسمبر 1956، وواحدة من العمليات أسفرت عن استشهاد 116 جزائريا. كما تحدث عن إنشاء فرنسا 119 وحدة خاصة لاستخدام الأسلحة الكيميائية في الجزائر، ابتداء من كانون الأول/ديسمبر 1956، ووثق عملية واحدة على الأقل أسفرت عن استشهاد 116 جزائريا.

جرائم تعود إلى بدايات الاستعمار

لا تقتصر الوقائع التي كشفها باحثون على سنوات الثورة التحريرية، إذ أشار الباحث الجزائري في الهندسة النووية عمار منصوري، في تصريحات للإذاعة الجزائرية خلال آذار/مارس 2025، إلى أن استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الجزائريين يعود إلى عام 1830، تاريخ بداية الاحتلال الفرنسي.

ذكر منصوري أن هذه الأسلحة استُخدمت، وفق المعطيات التي جمعها، نحو 300 مرة بين عامي 1830 و1962، كما تحدث عن تدمير 800 قرية باستخدام النابالم وإلقاء 800 ألف طن من مادة “تي إن تي” على مناطق في جنوب الجزائر، استنادا إلى شهادات ضباط فرنسيين.

من بين الوقائع التي أشار إليها، مقتل ما لا يقل عن ألف شخص من قبيلة أولاد رياح في مستغانم عام 1845، اختناقا داخل كهف، خلال عملية عسكرية فرنسية. كما تحدث عن استخدام الكلوروفورم والفوسفور خلال اجتياح مدينة الأغواط عام 1852، بمشاركة نحو 6000 جندي فرنسي، وهي عملية أسفرت، بحسب الأرقام التي أوردها، عن 3586 ضحية. وأشار الباحث كذلك إلى استخدام مواقع في تقرت وبني ونيف ووادي الناموس في الجنوب الجزائري ميادين لتجارب الأسلحة الكيميائية خلال عام 1930.

بينما تتواصل المطالب الجزائرية بالكشف والاعتراف بالجرائم الاستعمارية ومعالجة مخلفاتها، تبقى ملفات الأسلحة الكيميائية من بين أكثر القضايا ارتباطا بمعركة الأرشيف، في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه الباحثين من البلدين في الوصول إلى الوثائق اللازمة لإعادة بناء الوقائع التاريخية وتوثيقها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد