اوراق خاصة

لبنان وإيران.. تاريخ من العلاقات الأخوية لا يفرّقها بُعدُ الأرض ومكر الأعداء 

post-img

حسين كوراني

ترقى العلاقات التاريخية بين إيران ولبنان إلى أكثر من خمسة قرون مضت. هذه العلاقة تجسدت مع نهوض الدولة اللبنانية بمؤسساتها بعد اتفاق الطائف؛ حين أصبحت في ذروة الانسجام والتقدم مع توقيع الكثير من الاتفاقيات في المجالات كافة والزيارات المتبادلة لمعظم مسؤولي البلدين. كما غدت متقدمة إلى حدود الاشتراك في المصير والأهداف. لذلك كان مفاجئًا قرار الحكومة اللبنانية بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت مطلع الشهر المنصرم، ما أحدث صدمة بين الشعبين اللبناني والإيراني. فهل هذه العلاقة التاريخية تنتهي بمجرد قرار حكومي لبناني.. أم أنها علاقة أعمق من ذلك بكثير؟

العلاقات التاريخية

تعود العلاقة بين إيران ولبنان الى مئات السنين، وتجلت في القرن السادس عشر الميلادي؛ حين أعاد الصفويون توحيد إيران فأضحت دولة مستقلة، وأعلنوا التشيُّع الإثنا عشري في إمبراطوريتهم الجديدة التي أسسها الشاه إسماعيل الأول في العام 1501م. وليس أَدَلّ على ذلك في كثيرٍ من العوائل والأسر الموجودة في لبنان التي تعود بجذورها إلى إيران والعكس، بل أصبح هناك الكثير من المصاهرات بين البلدين.

مع اعتناق الصفويين المذهب الشيعي وجعله الدين الرسمي لإمبراطوريتهم، في العام 1508، تقاطر كبار العلماء من لبنان من أجل ترسيخ توجّه الدولة في هذا المجال، وقاموا بأداء مهمّات التبليغ وتسلّم مناصب القضاء والإفتاء هناك؛ بل إنّ بعض العلماء قد تسلّموا المناصب الرفيعة جدًا وكان تحت أيديهم من الإمكانات الشيء الكثير جدًا الذي أعانهم على أداء المهام الموكلين بها. وكان أهمهم المحقّق الكركي والشيخ البهائي والشيخ الحر العاملي والشيخ عبد اللطيف العاملي الذين ما تزال مؤلفاتهم في الفقه والأصول والفلك والرياضيات تشكّل جزءًا لا يُستهان به من التراث اللبناني على الأرض الإيرانية، والتي ما تزال تدرّس حتى الآن في حوزات قُم وجامعات إيران كافة.

إذًا، إنّ وحدة التوجّه المذهبي هذه بين إيران وشريحة كبيرة من اللبنانيين كانت من العوامل التي كان لها دورها المميز في تقوية العلاقات من مختلف أوجهها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين البلدين، وما جسد هذه العلاقة أكثر وجود المشاهد المشرفة؛ ومنها مقام الإمام علي الرضا (ع) في مدينة مشهد ومقام شقيقته السيدة فاطمة المعصومة (ع) في قم المقدسة؛ حيث يتوافد إليهما عشرات الآلاف من اللبنانيين لزيارتما على امتداد العام.

العلاقات الرسمية

مع مطلع القرن الماضي وإنشاء ما يسمى بدولة "لبنان الكبير"، لم تبدأ علاقات إيران مع شيعة لبنان فقط؛ بل مع مسيحييه. إذ منذ الثلاثينيات نشأت علاقة بين النخبة الإيرانية في بيروت وبين النخبة المسيحية المارونية: كميل شمعون رئيس حزب الأحرار وبيار الجميِّل مؤسس حزب الكتائب. وأقام كلا الحزبين علاقات وثيقة مع حزب "إيران نوفين" ورئيسه عباس هويدا الذي درس في بيروت في البعثة الفرنسية العلمانية، وأصبح رئيسًا للحكومة في إيران في عهد الشاه من 1965 إلى 1977ـ عندما كان شمعون رئيسًا للبنان وقعت اتفاقية صداقة مع إيران (1953). وفي العام 1955 رفع مستوى التمثيل وحصلت القنصلية الإيرانية العامة في بيروت على مكانة سفارة. وفي العام 1957 زار شاه إيران لبنان ومنحته الجامعة اللبنانية "دكتوراه شرف". ومن المعلوم أن الرئيس شمعون كان مؤيدًا لحلف بغداد مع طهران لمواجهة المد الناصري العروبي (1958)، وفي منتصف 1971 زار شمعون طهران. وفي العام 1972 قام وزير السياحة الإيراني بزيارة بيروت، ووقع سلسلة اتفاقات بين البلدين.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الامام الخميني، في العام 1979، بادر الرئيس اللبناني إلياس سركيس إلى إرسال برقية إلى الإمام الخميني يعزيه فيها باستشهاد أعضاء في الحزب الجمهوري الإسلامي، في العام 1981. لكن الموقف الايراني الرسمي لم يتبدل من الوفاق الوطني والوحدة الوطنية طوال مرحلة التسعينيات؛ ولذلك سارعت طهران الى تأييد "اتفاق الدوحة" في العام 2008. 

العلاقات التجارية واعادة الإعمار

بدأت المرحلة الجديدة في علاقات البلدين بعد اتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، واستعاد مؤسسات الدولة التي افتقدتها. وخرجت إيران في المرحلة نفسها من حربها مع العراق (1988) وشقت طريقها نحو إعادة البناء والإعمار.. وهكذا تحولت العلاقات إلى المستوى الرسمي والتجاري مع لبنان في المجالات كافة، فقد وقع على سبيل المثال اتفاق زراعي في مجالي منع الازدواج الضريبي والنقل، ومشروع تعاون في مجال النقل، وفي مجال التجارة والاقتصاد، وفي دعم مشاريع الإعمار. ووقع اتفاق تعاون إعلامي بين البلدين، واتفاق تربوي ومجموعة مشاريع اتفاقيات وتفاهمات مالية واقتصادية، وفي مجالات العمران والاقتصاد والتجارة، واستعداد لإنشاء محطات كهربائية (2001)، وفي مجال الأرصاد الجوية، ومذكرة تفاهم مع بنك صادرات ايران، وفي مجال التكنولوجيا وتطبيقاتها.. ومن المعلوم أن كل هذه الاتفاقيات والمشاريع وقعت بمعظمها في عهد رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري وفي أثناء زياراته الى الجمهورية الإسلامية.

بعد عدوان تموز 2006 على لبنان تحول نشاط إيران الأبرز الى إعادة الإعمار، من الجسور والأبنية وتعبيد الطرقات والمدارس إلى دور العبادة والمستشفيات وشبكات الكهرباء وغيرها. 

إيران الداعم الأقوى للمقاومة

كانت إيران قد أعلنت، منذ لحظة الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 تأييدها المقاومة ضد "إسرائيل"، وعملت في الوقت نفسه على تشجيع ودعم نشوء مثل هذه المقاومة. وفي هذه الحقبة؛ أرسلت إيران متطوعي الحرس الثوري للمساعدة في التدريب والقتال ضد قوات العدو، وكانت مساهمتها الاستراتيجية الأبرز في دعم تأسيس حزب الله حركةً مقاومة لبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي. كما وقفت إيران الى جانب لبنان ضد محاولات الاجتياح الإسرائيلية في العام 1993 والعام 1996، وقدمت المساعدات لإعادة الاعمار، بعد أن شاركت إلى جانب سوريا في إنجاز تفاهم نيسان في العام نفسه.
 
مما لا شكّ فيه أنّ هذه العلاقة الوطيدة بيننا وبين إيران هي موضع فخرٍ واعتزاز عندنا؛ وليست مدعاة للانتقاص أو للاختباء، مُضافًا إلى أنّ عمق تلك الروابط هي التي دفعت بإيران كي ترى نفسها مسؤولة مباشرة عن دعم الشعب اللبناني، فهبّت لنجدته بكلّ أنواع المساعدات بعد الأزمة الاقتصادية التي ألمت به في العام 2019، حتى لا يسقط تحت وطأة الضغوطات العسكرية والاقتصادية التي مارستها الولايات المتحدة وأتباعها في الداخل والخارج ضده، ويتُرك ليواجه مصيره وحده.

انطلاقًا مما تقدم؛ يأتي القول إن الإيرانيين واللبنانيين شعب واحد في منطقتين فقط، لأنّ الجغرافيا لا تستطيع أن توجد الفواصل بين من جمعتهم روابط القرابة والدين وعوامل أقوى من الأرض لمجرّد كونها أرضًا، ولذلك قرار حكومة لبنان بمنع هبوط الطائرات الإيرانية في بيروت الذي جاء تلبية لمآرب إسرائيلية هدفها محاصرة المقاومة وأهلها، لا يستطيع أن يفرّق بين شعبين جمعتهما أواصر الأخوة والمحبة وتعمدّت هذه الإخوة بسيل من التضحيات على مرّ السنين.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد