كريم حداد/ جريدة الأخبار
في اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا يكون الحياد فضيلة، ولا التردد حكمة، ولا اللغة الرمادية تعبيراً عن الواقعية. هناك لحظات يُختبر فيها معنى الوطن، ويُختبر فيها معنى السيادة، ويُختبر فيها إن كان الجيش جيش دولة أم مجرد قوة أمنية تُدار من خلف الحدود. وما يحدث اليوم على أرض لبنان ليس تفصيلاً عابراً، بل مشهد مكثف لصراع على القرار، وعلى الأرض، وعلى الكرامة الوطنية.
حين يقيم الجيش اللبناني نقطة مراقبة في أرض لبنانية، ثم يتعرض لإطلاق نار ويُطلب منه الانسحاب، فيرفض، فهذه ليست حادثة تقنية. هذه لحظة سيادية بامتياز. هذا إعلان فعلي أن الأرض لبنانية، وأن من يقف عليها باسم الدولة لا يتلقى أوامره من جيش أجنبي. هذه الخطوة ليست عملاً بطولياً استثنائياً، بل هي الحد الأدنى من واجب أي مؤسسة عسكرية تحترم نفسها وتحترم شعبها.
السيادة لا تُستجدى، ولا تُمنح، ولا تُستعار. السيادة تُمارَس. وممارستها تبدأ من تثبيت الحضور الوطني في كل شبر من الأرض، وخصوصاً في المناطق التي يتسلل إليها العدو لنسف المنازل أو ترويع الأهالي أو فرض وقائع بالقوة. إذا كان العدو يختبر الإرادة اللبنانية بالرصاص، فإن الرد ليس بالانسحاب، بل بتكريس الحضور، وتعزيزه، وتحويله إلى سياسة ثابتة لا إلى رد فعل ظرفي.
من حق الجيش، بل من واجبه، أن يقيم نقاط مراقبة في كل منطقة تتعرض لخروقات. من حقه أن يرفع جهوزيته حيث تُستباح القرى. من حقه أن يقول عملياً إن حماية المواطنين ليست منّة، بل وظيفة الدولة الأساسية. وإذا كانت المسيّرات المعادية تُستخدم لإلقاء قنابل أو بث الرعب في نفوس العائدين إلى بيوتهم، فإن ترك السماء مفتوحة أمامها ليس قدراً. تطوير القدرة الدفاعية، وبناء منظومات رصد واعتراض، وتحصين القرى، كلها ليست أعمالاً هجومية، بل دفاع مشروع عن الناس وعن الكرامة.
الجيش اللبناني حين يتقدم لحماية حدوده لا يغامر، بل يصحح مساراً طويلاً من التردد. وهو لا يفعل ذلك باسم حزب أو تيار، بل باسم جمهورية يفترض أن تكون سيادتها غير قابلة للتجزئة. لذلك، فإن كل لبناني يرى في هذه الخطوة موقفاً يستحق الثناء لا يبالغ، بل يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي: الجيش في أرضه، يواجه من يحاول فرض معادلة الانسحاب بالقوة.
في المقابل، يبرز مشهد سياسي داخلي لا يقل خطورة. حين يصدر عن وزير في الحكومة خطاب يُفهم منه تبرير للاعتداء أو تشكيك في استهداف البنية التحتية، فإن المسألة لا تتعلق برأي شخصي. وزير الخارجية ليس محللاً على شاشة، بل ممثل الدولة أمام العالم. وكلمته تُحسب على لبنان كله. فإذا تحولت الديبلوماسية إلى صدى لرواية العدو، فإن الخلل لا يكون في التعبير فحسب، بل في موقع لبنان السياسي.
المسؤول الذي يخفف من وقع العدوان، أو يزايد في إطلاق تهديدات تخدم رواية الخصم، لا يخطئ في التقدير فقط، بل يضعف الموقف الوطني. في لحظات المواجهة، المطلوب خطاب يحمي الدولة، لا خطاب يبرر الاعتداء عليها. المطلوب ديبلوماسية تدافع عن سيادة لبنان، لا ديبلوماسية تبحث عن رضى الخارج على حساب الداخل.
المسؤول الذي يخفّف من وقع العدوان، أو يزايد في إطلاق تهديدات تخدم رواية الخصم، لا يخطئ في التقدير فقط، بل يضعف الموقف الوطني
أما الوجود العسكري الأميركي في لبنان، خصوصاً في محيط قواعد مثل حامات، فهو أمر لا يجوز التهرب منه بلغة التلطيف. أيُّ وجود عسكري أجنبي يُستخدم في سياق صراعات إقليمية، ويجعل من أرض لبنان جزءاً من منظومة عمليات عابرة للحدود، هو مسألة سيادية بامتياز. قد تُغلف هذه الوقائع بعناوين «دعم» أو «تعاون» أو «شراكة»، لكن الجوهر يبقى: من يملك القرار على الأرض، ومن يحدد وظيفة القواعد العسكرية؟
الاحتلال لا يكون دائماً بالدبابات المنتشرة في الشوارع. أحياناً يكون بالتموضع الاستراتيجي، وبالتحكم بالقرار الأمني، وباستخدام الأرض منصة ضغط على الآخرين. حين تصبح دولة صغيرة جزءاً من شبكة عمليات لا تتحكم هي بإيقاعها، فإن سيادتها تصبح موضع تساؤل جدي. ليس المطلوب شعارات، بل نقاش وطني واضح: ما هو سقف هذا الوجود؟ ما هي حدوده وما هي مصلحته الفعلية للبنان. وهو ما يقود عملياً إلى حاجة ملحة إلى إعادة تعريف العلاقة مع أي قوة أجنبية على أساس المصلحة اللبنانية الصرفة. وتفعيل المؤسسات الدستورية لمناقشة أي اتفاق عسكري أو أمني بشفافية كاملة.
المقاومة، في معناها الوطني العميق، ليست فعلاً عشوائياً ولا دعوة إلى الفوضى. المقاومة تبدأ برفض الخضوع، ورفض تبرير العدوان. وهي تُمارس بالعمل السياسي، والشعبي السلمي، بالمحاسبة الدستورية، ببناء اقتصاد مستقل يقلل من قابلية الابتزاز، وبتحصين الجيش كمؤسسة جامعة لا تخضع إلا للقرار الوطني.
لبنان اليوم أمام معادلة واضحة: إما أن يقبل بدور الدولة الضعيفة التي تُدار من الخارج وتُستباح حدودها، وإما أن يستعيد معنى الدولة التي تضع خطوطها الحمراء بنفسها. لا أحد يطلب مواجهة انتحارية، لكن لا أحد يقبل أيضاً أن يكون الانسحاب هو الرد الوحيد على إطلاق النار، أو أن يكون الصمت هو الرد على تحويل الأرض إلى منصة صراع.
لبنان ليس تفصيلاً على هامش خريطة القوى الكبرى. هو وطن له شعب، وله ذاكرة، وله حق في أن يعيش دون أن يكون ميدان اختبار لإرادات الخارج. إذا كان ثمة احتلال أو عدوان مقنّع، فإن كشفه واجب. وإذا كان ثمة قرار يُتخذ خارج المصلحة اللبنانية، فإن مراجعته حق.
قد يكون الطريق إلى السيادة الحقيقية صعباً، وقد تكون الضغوط هائلة، لكن الأمم لا تُبنى بالاستسلام للوقائع المفروضة، بل بإعادة تشكيلها. وحين يقرر اللبنانيون أن أرضهم ليست متاحة، وأن جيشهم ليس قابلاً للإملاء، وأن قرارهم ليس للبيع، عندها فقط يتحول الكلام عن السيادة إلى واقع.