بول مخلوف/ جريدة الأخبار
سنجد في مسرح «بيريت» نهار الثلاثاء 8 نيسان (أبريل) «طاولة مستديرة باللغة العربية»، تنتظرنا عليها كلّ من منى فياض وبادية فحص وإيلي يزبك لمناقشة رواية الأديبة الإيرانية آذر نفيسي «أن تقرأ لوليتا في طهران» وللتفكير في نقل تجربة القراءة كفعل سياسيّ كما هو موضوع رواية نفيسي إلى بيروت، أو كما جاء في الإعلان: «أن تقرأ لوليتا في طهران... التحدّي في بيروت»، ليتبع النقاش لاحقًا عرض فيلم «إيران: يوتوبيا قيد التنفيذ» للمخرجة اللبنانية الراحلة جوسلين صعب.
إنها أمسية «ثقافية» إذًا، غارقة على غير عادةٍ في الفضاء الإيراني. ومثل شركات الإنتاج السينمائية التي تتقدَم على الفيلم المنتَج بعبارة «(شركة الإنتاج) تُقدِّم»، ستكون الأمسية «الثقافية» هاته من «تقديم» «مهرجان بيروت للأفلام الفنية BAFF». ماذا يعني هذا التقديم وعلام يدّل، لا نعلم. ما نعلمه يقينًا أنّ هذه الدعوة ليست مجّانية أيها القرّاء. من يرغب في الحضور، فعليه شراء التذاكر: ثمن البطاقة يبلغ 300 ألف ليرة أي ما يناهز الدولارين ونصف الدولار. وبإمكان الراغبين في الحضور شراء التذاكر من مكتبة «أنطوان».
في الملصق الدعائي الذي يفيض بالكلام المبهَم، نقرأ أنّ «التذاكر متوافرة بـ300 ألف ليرة ولمصلحة مؤسسة «جامعة القديس يوسف» منحة إيمي بولس لطلاب المعهد العالي للدراسات السمعية والبصرية»، المراد قوله على الأرجح إنه سيعود ثمن البطاقات لدعم الطلاب في الجامعة. لكن الملصق الدعائي الفقير لغويًا باذخٌ بالـ«سبونسور».
الأمسية «الثقافية» هاته مدعومة من «مؤسسة سعدلله ولبنى خليل»، ومن «جمعيّة فيليب جابر»، ومن «مسرح بيريت»، فلا خوف على «الثقافة» ما دام هناك من يرعاها، «الثقافة» ليست يتيمة... والحمدلله على نعمة الرعايا.
معلومات قليلة يزوّدنا بها القيّمون على الأمسية «الثقافية» المرتقبة. على صفحات BAFF على مواقع التواصل، نقرأ تحت الملصق الدعائي المنشور، لمحة موجزة عن رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» وليس عن الأمسية «الثقافية»، مكتوبة بصياغةٍ ركيكة جدًا؛ فالنصّ المتقشّف يخبرنا عن النجاح الهائل الذي غمر الرواية، ما أتاح لها تبوّؤ لائحة الأكثر مبيعًا لمدةٍ تُجاوز المئة أسبوع، وعن الكاتبة نفيسي التي استمدّت من سيرتها الذاتية موضوع روايتها.
يخبرنا أيضًا عن معلومةٍ يراد ألا تتوقف العين عندها: «في عام 2024، اقتبس هذا العمل السرديّ عن عمل سينمائي ضمن إنتاج مشترك إيطالي وإسرائيلي بمشاركة ممثّلين إيرانيين بارزين». ثمّة صيد ثمينٌ هنا: عصفوران بحجرٍ واحد.
العصفور الأول من نوع الببغاء، الذي يُعيد تكرار الخطاب الممجوج ذاته ويقلّد، على طريقة المحاكاة، الأصوات الناشزة، نجده في: رواية عالمية يحتفي بها نقّاد وجرائد مثل «نيويورك تايمز» وقد تحوّلت، كونها عالمية، إلى فيلمٍ من إنتاج إسرائيليّ.
يبدو أنّه علينا نحن القرّاء التعامل مع مسألة التأسرل هاته بسلاسة. علينا الاعتياد على قراءة «من إنتاج إسرائيلي» من دون حملقَة أو بحملقَة أو نفور؛ والحال علينا التباهي بالرواية التي قرأناها، فأن تتحوّل إلى فيلمٍ فهذا لا يحدث لكل الروايات، وامتيازًا لا يحوزه جميع الروائيين.
نتمنّى على من سيحضر الأمسية «الثقافية» أن يرفع يده ويطرح سؤالًا: هل علينا تقديم الشكر والامتنان للمنتج الإسرائيلي على حساسيته المرهفة تجاه الأدب، ولأنه نقل الرواية التنويرية الضحلة إلى فضاء السينما؟
أما العصفور الثاني، فهو من نوع البلبل، ومعه هناك: إيرانيون يشتركون في عملٍ سينمائي إسرائيليّ الإنتاج. إنّها «الثقافة» التي تعلو على الحروب، «الثقافة» التي تزيل العداوة بين «الأطراف»، ولهي أقوى من القنبلة النووية، وهاك مثال على ذلك: ممثّلون إيرانيّون يبدعون مع... إسرائيليين. الآن فهمنا سبب الانغماس في الفلك الإيراني.
يا له من طربٍ قبيح، لكن كما تقول الأغنية «سمِعنا يا بلبل سمِعنا»، فإننا أقلّه، نريد معرفة الوجهة التي سنذهب إليها قبل أنّ نسير نحو «بيريت»، ولو أن وجود «طاولة مستديرة باللغة العربية» يعد اكتشافًا مثيرًا.
عدا عن هذه المعلومات لا نعثر على ما يجب العثور عليه، يغيب عنّا، نحن الجماهير المتشوّقة لحركةٍ ثقافيةٍ غائبة عن هذه المدينة، الغرض الإشكالي الذي سيتمحور حوله النقاش، أو حتى شرحٌ بديهيّ يوضّح المعنى من «التحدّي في بيروت».
تقترن مفردة «تحدي» بالجرأة عمومًا، التي تفرض على قائلها التحلّي بالفجاجة اللازمة في إشهار موضوع تحدّيه. غير أنّ التحدي المعلَن عنه في الملصق الدعائي «أن تقرأ لوليتا في طهران... التحدي في بيروت» يبدو غير كاملٍ، بل لا يرقى حتى ليكون تحدّيًا.
ذاك أنّ من يريدون التحدي، لا يفصحون عمّ أو عمّن يريدون تحدّيه، أو ربما تصبو «الطاولة المستديرة باللغة العربية» إلى حلبة مصارعة دونكيشوتية حيث الهواء لهو خصمٌ أيضًا. البائن الوحيد من الإعلان عن هذه الأمسية، عدا أسماء المثقفين الذين سيكونون حاضرين، هي رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» وفيلم جوسلين صعب.
على أن هذا الغياب وبالأحرى التغييب، أي غاية التحدي وهوية الخصوم أو المسألة الشائكة، لا يعود بسبب كون كل هذا بمنزلة لغزٍ: نحن لسنا إزاء غموض متعمدٍ ولا تكتيك يبتغي تشويق الجمهور، بل إنّ هذا الإخفاء لهو أسلوب «ثقافيّ» يسود الفضاء النيوليبرالي ويروم تمرير ما لا يَمُرّ عمومًا في مجالاتٍ أخرى هي أولى بطرحه.
نتذكر هنا ما صرّحت به الناشرة المصرية دينا قابيل في مقابلةٍ لها مع منصة «مدى مصر»: «إذا لم نكن فاعلين في مجال السياسة، فأمامنا الثقافة».
تغدو الثقافة، وفقًا لهذه النماذج أشبه بـ«كوريدور»، دهليز أو رواق، يتيح للطروحات السياسية بالعبور. فلا عجب أن تحفل المنصات النيوليبرالية العربية بكتاباتٍ «أدبية» ليس صوتها «الأدبيّ» إلا نداءً أيديولوجيًا، ينده في أذن القارئ بالطروحات السياسية النيوليبرالية للجهات الممولة. هكذا، تُشَد الثقافة من أذنها لتفعل ما تعجز السياسة عن فعلهِ، أو لتحقق ما أخفق الشاب العربي عن تحقيقه في اشتغاله السياسيّ المباشر. لا تنأى الثقافة عن السياسة في كل الأحوال، لكن خيطًا رفيعًا يفصلها عن كونها «أيدٍ قذرة» منغمسة في «الحروب الناعمة».
ما يشغل بال المدعوين الثلاثة وما يشكّل ركيزة أمسيتهم «الثقافية» هو الأثر الثقافي التي تخلفه الرواية وراءها في الواقع، كما هي الحال مع نفيسي التي غيّرتها قراءة الروايات ونقلتها من عالمٍ محافظٍ متزمتٍ إلى عالمٍ متحرر فسيح بعدما قرأت، من جملة ما قرأت، روايات مثل «مدام بوفاري» لفلوبير و«لوليتا» لنابوكوف.
إنه التفتيش عن الأثر إذًا، ومحاولة القبض عليه بغية جلبه إلى الديار. في الأمسية «الثقافية» المنتظرة وبحضور المشاركين الثلاثة على الطاولة المستديرة بالعربية، ستكون رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» نموذجًا، أو بالأحرى المعيار الذي وجب الامتثال له: هنا الأدب مقرون بصاحبه. المؤلف لم يمت كما أعلن بارت بل يسكن في أدبه، وعلينا بالتالي الاقتداء بالأديب كونه يختزل الأدب الذي قرأه، وعلينا التماهي معه والنظر من عينيه.
هكذا، يتغلّب الراوي على روايته، وتغدو مفاهيم كالحرية، متطابقة بالمطلق مع ما ورد في رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران».
يصبح التعاطي مع «الثقافة» بمنزلة التعاطي مع معادلة رياضية جاهزة للإسقاط، وهي مسألة شبيهة بالعمل الانتخابي على الطريقة اللبنانية أكثر ما هي بثقافة، إلا إذا اعتبرنا أن الثقافة ليست التعاطي المطاط مع المفاهيم، والتحرر من سلطة المرجع، وتأويل المفاهيم بغية تأصيلها بما يتناسب الظرف الإنساني، بل جلّ دورها محصور على الاستيراد والتطبيق والتقليد.
إننا أمام موعدٍ مع أمسية «ثقافية» تبتغي تسييس فعل القراءة، والاحتذاء بآذر نفيسي التي تغلبت على محيطها الضيّق بعدما حوّلتها القراءة إلى روائية... ثائرة. لكن ما هو التحدّي السياسيّ في بيروت وبوسعنا التغلب عليه عبر القراءة؟
علينا الانتظار حتى يحين موعد الأمسية «الثقافية» علّ هذا المُضمَر يطوف، لكن بمجرد أنه مضمَر بوسعنا التكهن: ما يجوز وصفه بالتحدي السياسي الآن وهنا، هو إدراج الأسرلة، وما يدور في فلكها، في سياقات يراد أن تكون قراءتها عادية، سلسة، ولا تنفر منها الأعين.